لقد ثبت بما لا يقبل الشكّ أنّ عاصفة الترويج لتوطين النازحين السوريّين في لبنان، مع ما رافقها من ولولة ونحيب، انتهت إلى زوبعة في فنجان سياسة الكيد وضيق الأفق.
هذا لا يعني عدم ضرورة التنبّه الدائم لأيّ خطر توطيني يناقض ما أقرّه اللبنانيّون في قدس أقداس دستورهم، أي مقدّمته التى ترقى إلى الأساس التكويني الميثاقي للبنان.
لكنّ توظيف هاجس التوطين بالطريقة الصبيانيّة التي تمّ بها، أظهر مدى تهافت موقف من قام به وتناقضه وانكشافه في بضعة أيّام فقط، بين زيارتين دوليّتين متتاليتين من القماشة الدوليّة نفسها، بل من “المؤامرة الدوليّة” نفسها!
فلم يكد الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون ووفده الرفيع يغادران لبنان، حتّى وصل إلى بيروت وزير الخارجيّة البريطاني فيليب هاموند. الأوّل قاطعه المقاطِع بحجّة ترويجه لمشروع توطين السوريّين، والثاني رحّب به المقاطع نفسه.
فهل الأوّل (كي مون) متآمر على لبنان، والثاني (هاموند) صديق صدوق عفيف نظيف، أم أنّ في المسألة الكثير من الخفّة والشخصانيّة والغباء الدبلوماسي والسياسي؟
وبغضّ النظر عن الخلفيّات والعقد الشخصيّة، لا بدّ من الإضاءة على الموضوع من زاوية التجارب التاريخيّة والوقائع لتلمّس خيوط مؤامرة التوطين، في حال صحّتها.
فالجميع يُدرك أنّ الدبلوماسيّة البريطانيّة متقدّمة جدّاً في طرح المشاريع الجيوسياسيّة للشرق الأوسط والعالم العربي تحديداً، منذ مشروع الشريف حسين ووعد بلفور وسايكس – بيكو، وصولاً إلى الأزمات الراهنة.
وإذا كان لا بدّ من “موقف بطولي” استعراضي، فالأجدى اختيار ممثّلي مراكز الصياغات الدوليّة في لندن وواشنطن وموسكو وباريس، وليس رسول الأمم المتّحدة التي تنفّذ سياسة هذه المراكز.
مع العلم أنّ مواجهة “مشروع التوطين” المفترض تكون في الإقدام وليس الإنكفاء، وفي الحجّة وقوّة المنطق والموقف، وليس في الانزواء ورفع العقيرة بالشعارات الفارغة.
وسواء عاد “المقاطع” عن مقاطعته بنصيحة ما، أو نتيجة إدراك فداحة الحرد الدبلوماسي وما يسبّبه من تهميش، فإنّ البوصلة يجب أن توجَّه نحو كشف المستفيدين الحقيقيّين من توطين السوريّين في لبنان.
فالمستفيد الموضوعي من إبعاد هؤلاء هو النظام السوري نفسه وداعموه الذين يناسبهم تخفيف العبء الديمغرافي السنّي في المجال الحيوي الذي يسعون إلى تكريسه تحت عنوان “سوريّا المفيدة”، أو “الدولة العلويّة”، أو الفيدراليّات التقسيميّة على أنواعها. وهذا ما تكشفه وقائع التطهير المذهبي في هذا النطاق الجغرافي منذ خمس سنوات إلى اليوم.
هذه الكثافة من النازحين جاءت في معظمها من مناطق سيطرة النظام، ونتيجة لحرب الإبادة التي شنّها جوّاً وبرّاً وبكلّ أسلحة الدمار. وبالتأكيد، سيعود هؤلاء إلى أرضهم فور رفع يد النظام وميليشياته عنها.
لذلك، يتوجّب على الدبلوماسيّة اللبنانيّة أن تتحرّك في المكان المناسب وفي مواجهة مصدر الخطر. أليس ما يرتكبه بشّار الأسد ضدّ السوريّين يماثل ما ارتكبته المنظّمات الاسرائيليّة ضدّ الفلسطينيّين، وكان لبنان الضحيّة الأُولى؟
لا يستطيع لبنان تحمّل دبلوماسيّة عوراء أو عرجاء أو انتقائيّة. تقف ضدّ بيئته العربيّة هنا، وتغطّي محوراً غير عربي هناك، وتستنسب مقاطعة هذا أو ذاك من المرجعيّات الدوليّة هنالك.
ولا يستطيع وزير خارجيّته أن يقتطع لنفسه حيّزاً مزاجيّاً في سياسته الخارجيّة في زمن شغور رئاسة الجمهوريّة، ودائماً تحت الشعار المضحك المبكي: “مؤتمن على صلاحيّات الرئيس في غيابه”!
فأيّ رئيس، حتّى لو كان أسوأ ما عند “8 آذار”، لا يستطيع الخروج المجاني من الشرعيّتين العربيّة والدوليّة. وهنا تكمن حقيقة رفض “حزب الله”، ووراءه إيران، انتخاب رئيس من صلبهما، خشية عجزه عن تغطية مشروعهما أمام المجتمع الدولي.
ولو أدرك هذا الوزير الحقيقتين: الجهة التي تمنع انتخاب مرجعيّته، والجهة التي تدفع عمليّاً لتوطين السوريّين، لكان اليوم في غير موقع سياسي.
ولكن، ربّما أنّ مرجعيّته تدرك كلّ ذلك، وتضخّ غبار التعمية عمداً في غير اتجاه، فتكون المؤامرة الفعليّة هنا: إذا كانت هذه المرجعيّة غافلة، مصيبة، وإذا كانت ضالعة، فمصيبتان.
وفي أيّ حال، تبقى الانتقائيّة في الدبلوماسيّة والسياسة، والكيديّة في المواقف، علّة العلل.
ومن أنكر علّته قتلته.