#adsense

التصنيع العسكري

حجم الخط

جدٌل فلسفي عريٌض كان ولم يزل، وسيبقى حول ما هو الأصل في الإنسان؟ الخير أم الشر؟ النوازع السلمية والطيبة أم النوازع العنيفة والشريرة؟ وهو جدٌل سيستمر مثله مثل كثير من الجدالات الفلسفية العميقة، ولكنه كغيره أيًضا خرجت منه أسئلة سياسية واقتصادية وعسكرية تنحو نحو العملية والواقعية.

ولكنه كغيره أيًضا خرجت منه أسئلة سياسية واقتصادية وعسكرية تنحو نحو العملية والواقعية. تّمت تجزئة ذلك السؤال الفلسفي العريض إلى أسئلة فرعية تتعلق بعلوٍم شتى، كعلم النفس وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والاقتصادية والعسكرية بفروعها المتعددة، وظل الصراع معطى أساسًيا في كل ذلك، فالبشر اصطرعوا كأفراد، وكمجموعاٍت وقبائل، وكأمم وشعوٍب، وكدوٍل وحكوماٍت، منذ أقدم التواريخ، وصولاً إلى الدول الحديثة والعالم المعاصر.

نذ عرف الإنسان استخدام الآلة وصناعة السلاح كان يسعى لتوفير أمنه وضمان قوته ورعاية أهله وحماية مكتسباته، وهو اليوم يصنع الأمر ذاته، على الرغم من التطور الكبير في تاريخ البشرية، والمؤسسات والوسائل التي تحقق الغايات ذاتها.

عيًدا عن التاريخ والجدالات غير المحسومة، ففي العصر الحديث ظّل التسّلح أهم وسيلة تستخدمها الدول للدفاع عن رؤاها وتوجهاتها وسياساتها، وتفنن العلماء والخبراء في براعة التصنيع العسكري وبراعة الاستراتيجيات في توظيفه وتحديد الحاجات منه، وقررت المصالح التوجهات الأنجع والصرف الأنفع عليه، سواء في الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو في الحرب الباردة أو في غيرها من الصراعات الأصغر، وقد استثنت بعض الدول الكبرى والصغرى نفقات التسليح من الميزانيات العامة، وتعاملت معها بشكل خاص.

خبٌر مثيٌر تحكمه رؤيٌة عقلانية متماسكة واستراتيجية عمليٌة وواقعية، ذلك الذي حدث في المملكة العربية السعودية الأسبوع الماضي، وذلك باستقبال العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لرئيس جمهورية جنوب أفريقيا جاكوب زوما، وتقليده أرفع وسام سعودي «قلادة الملك عبد العزيز» وبافتتاح ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس زوما «مصنع القذائف العسكرية»، وهو ما يشكل إضافة نوعية للمؤسسة العامة للصناعات العسكرية السعودية ومقرها مدينة الخرج.

السعودية اليوم تستخدم كل قواها الخشنة والناعمة في الدفاع عن حقوقها وحقوق شعبها ودولتها، وتتقدم في حماية مصالح الدول العربية وشعوبها، وهي تعتمد في ذلك على قوتها السياسية والاقتصادية والمعنوية، وعملًيا على قواتها المسلحة، وأوضح مثاٍل على ذلك قيادة «التحالف العربي» لدعم الشرعية في اليمن.

قوة القوات المسلحة السعودية لها عدة مصادر، منها قوة المشروعية السياسية، وقوة الأمن وفرض سيادة الدولة، ومنها التحالفات الدولية والإقليمية، وكذلك تسليح القوات المسلحة كافة، بأفضل أنواع الأسلحة وأكثرها حداثًة وتقدًما، فجميع قطاعات القوات المسلحة السعودية تفرض تقدًما كبيًرا على غالب دول المنطقة، ولكن حاجات الحرب تفرض التطوير المستمر وتلبية الحاجات الملحة، ومن هنا كانت الرغبة حاضرًة لدى القيادة السياسية لتطوير الصناعة العسكرية، وتوفير كل أنواع الأسلحة والذخيرة والمعدات للقوات المسلحة.

نقل الخبر المنشور في هذه الصحيفة عن المهندس محمد الماضي رئيس «المؤسسة العامة للصناعات العسكرية» في السعودية أن «المؤسسة تمكنت من إنتاج كثير من المنتجات المتنوعة من أهمها صناعة الأسلحة الخفيفة، والذخيرة بجميع أنواعها الخفيفة والمتوسطة والعربات المدرعة، وأجهزة الاتصال العسكرية، والطائرات من دون طيار الاستطلاعية، والملابس والتجهيزات العسكرية».

ولكن التطور النوعي الحاصل هو أن المجمع الجديد الذي تم افتتاحه يشمل «تسعة مباٍن صناعية خصص كل مبنى لعملية إنتاجية محددة مثل التجهيز، والتعبئة، والتجميع والتغليف، والفحص اللاإتلافي، والمعالجات الحرارية، والمعالجات السطحية، وهو مجمع صناعي لإنتاج القذائف العسكرية بدًءا من القذائف ذات العيار المتوسط مثل قنابل الهاون، مروًرا بقذائف المدفعية وحتى القذائف الثقيلة مثل قنابل الطائرات».

إن تطوير صناعة الأسلحة يعفي صانع القرار من أي اشتراطاٍت أو محاولات للتدخل في القرار السياسي والعسكري، من قبل الدول المصنعة والمصدرة للأسلحة في الأساس، بمعنى أن قرار السلم والحرب يصبح محمًيا بالكامل من أي تدخلاٍت خارجيٍة، ومهما اضطربت التوازنات الدولية ومهما اختلت صناعة القرار في أي بلٍد مصدٍر، فإن القرار النهائي يصبح بيد القيادة السياسية، التي طّورت صناعتها العسكرية، مما يمنحها قوًة فوق قوتها واستقلالاً أكبر في قراراتها، خصوًصا حين يتعلق الأمر بخوض الحروب والدفاع عن المصالح العليا للوطن.

يبقى التصنيع العسكري بكل أشكاله واحًدا من أهم مقومات الدولة الحديثة الساعية لإثبات مكانتها والمصرة على حماية مصالحها، وهو حلٌم لازم القيادات السياسية على الدوام، فكلما تمت تغطية هذه الصناعات ذاتًيا، زاد ذلك في معدلات القوة والقدرة على التصدي للتحديات بكل أشكالها، ولا يستلزم الأمر أن تكون خبيًرا في التصنيع العسكري لتفهم المغزى الاستراتيجي الكبير الذي يقود مثل هذا التوجه.

شهد القرن المنصرم سباقات تسلٍح كبرى، وأخرى وإن كانت أقل حجًما إلا أنها أبلغ تأثيًرا، ودعم الرئيس الأميركي روزفلت الصناعات العسكرية في أميركا قبل أن يعلن رسمًيا دخوله الحرب العالمية الثانية، وعانى كثيًرا في مواجهة خصومه السياسيين من أتباع تيار الانعزالية والانسحابية الذي ينتمي الرئيس الأميركي الحالي إليه، وهو تياٌر كان سائًدا في أميركا ما قبل الحرب، ومن قبله فعل هتلر بصناعات عسكرية ضخمة التهم بها غالب أوروبا، وقل مثل ذلك في الاتحاد السوفياتي والصين واليابان.

لقد وصل سباق التسلح إلى اكتشاف البشرية للقنابل النووية، وهي سلاح ردٍع أكثر منها سلاح هجوٍم، ولم تزل دول العالم تسعى إلى الحد من هذا السلاح الخطير، والحرص الكبير على عدم انتشاره، وقد دعمت السعودية قبل يومين مركًزا لمكافحة الإرهاب النووي بعشرة ملايين دولار أميركي مقره بفيينا في النمسا. تاريخًيا، اهتمت السعودية بالتصنيع العسكري منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز، وقد تبعه على هذه السياسة كل أبنائه الملوك من بعده، سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، رحمهم الله، وصولاً إلى هذا التطوير بالغ الأهمية في عهد الملك سلمان.

من يقرأ السياسات العامة والرؤى الاستراتيجية الشاملة والقرارات الداخلية والخارجية الكبرى في هذا العهد السعودي الجديد، يستطيع بسهولٍة أن يكتشف أن هذه المصانع التسعة الجديدة، ليست إلا خطوًة على طريق طويل وأنه سيتبعها كثير من الخطوات في الاتجاه ذاته. أخيًرا، صدق الشاعر إذ يقول:

نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونفعل مثل ما فعلوا

وهو البيت الذي عّدله الملك عبد العزيز ليكون:

نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونفعل (فوق) ما فعلوا

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل