أثارت أعمال التخريب التي لحقت بمدينة تدمر السورية التي بلغت أوج ازدهارها خلال القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد، غضب العالم، ودفعت عدًدا كبيًرا من العلماء والخبراء المعنيين بالحفاظ على الآثار نحو العمل. وبالفعل، يعكف حالًيا كثير من المنظمات غير الحكومية على فهرسة ووضع خرائط للمواقع الأثرية الثقافية المدمرة بالمنطقة.
ومن بين رسوم الغرافيتي الكاشفة أيًضا، تلك الموجودة على قطع أثرية في شمال العراق، تعرضت للتدمير العام الماضي؛ فبعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل عام 2014، سقطت مواقع أثرية مهمة في قبضة التنظيم؛ منها مدينة نينوى الآشورية التي تعرضت للسلب والتخريب على يد مقاتلي “داعش” عام 2015. من بين الآثار التي تعرضت للتدمير في نينوى، تمثال هائل لثور مجنح برأس رجل في “بوابة نيرغال”، المدخل الكبير للمدينة. ومن المرجح أن تمثال الثور المجنح شّيد في عهد الملك سنحاريب، الذي تولى الحكم بين عامي 705 و681 قبل الميلاد. وكان سنحاريب ميالاً إلى التوسع وبسط سيطرته على أراض جديدة، وفي عهده تحولت نينوى إلى عاصمة للإمبراطورية الآشورية. وقد جاء تصوير الثور المجنح وعضلاته البارزة بمثابة تجسيد لطموحات سنحاريب الإمبراطورية. قبل تدمير التمثال، عمد مقاتلو “داعش” لتحطيم الوجه باستخدام مثقاب يعمل بضغط الهواء.
اللافت أن هذا الثور المجنح حمل معه تاريًخا ليس للملوك فحسب، وإنما كذلك لأناس عاديين، حيث لاحظ علماء الآثار شبكات من الخطوط محفورة على التمثال، وخلصوا إلى أنها بقايا رقعة شطرنج، ربما كانت النسخة القديمة من اللعبة، التي ظهرت في بلاد الرافدين، وتعرف باسم “المربعات العشرين”، والتي لا تزال صورة منها تمارس داخل العراق حتى يومنا هذا. وربما لجأ الآشوريون لهذه اللعبة عندما كانوا يشعرون بالملل خلال نوبات عملهم. وبهذا، فإنهم تركوا على سطح عمل سياسي مهيب، بصمة تشير لحياة أكثر بساطة.
وعليه، فإنه ينبغي أن نتوقف عن النظر إلى المواقع الأثرية المعرضة لخطر التدمير، أو التي تعرضت للدمار بالفعل داخل الشرق الأوسط، بوصفها مجرد مناطق حجرية تعود لتاريخ سحيق أصابه الجمود. ورغم أنه من المهم بالتأكيد، محاولة إعادة تشكيلها على نحو رقمي، وطرح صورها داخل الحواضر الغربية الكبرى، فإن هذه الجهود ستبقى بلا معنى حقيقي، إذا أغفلنا حقيقة كيف أن الآثار ظلت حاضرة في حياة العراقيين والسوريين، حتى طالتها يد التخريب والدمار المظلمة.