
للسنة التاسعة على التوالي يحرم طلاب الجامعة اللبنانية من الحق بالتعبير عن رأيهم وممارسة الديمقراطية، فبعد ثماني سنوات من التعطيل الممنهج للانتخابات الطالبية تحت ذرائع عدة كان آخرها انجاز نظام الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، ها هو مشهد تطيير الانتخابات يعاد استنساخه من جديد وإن بـ”كادر” جديد، ليشكّل الاسفين التاسع الذي يدقه مجلس الجامعة في نعش الديمقراطية الطالبية، التي تسير بخطوات مدروسة في اتجاه مصير أخواتها الاكبر منها من انتخابات رئاسية يدخل تعطيلها عامه الثالث بعد عشرات الأيام، وانتخابات نيابية مغيبة ريثما يكمل المجلس النيابي مهمة اغتصاب السلطة، وانتخابات بلدية لا نعلم ان كانت ستمرّ أم لا…!
بعد الاعلان عن اجراء الانتخابات الطالبية في الجامعة اللبنانية في 22 نيسان الحالي، الموعد الذي تم تحديده بعد الغاء الموعد الاول الذي كان محددًا بتاريخ 6 من الشهر نفسه، عاد وارتأى مجلس الجامعة تأجيل الانتخابات حتى نهاية شهر أيلول القادم، وذلك “لوضع برنامج متكامل يتضمن انجاز نظام الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية” على ان تتم من بعدها الدعوة للانتخابات في بداية العام الدراسي المقبل كما أكد رئيس الجامعة اللبنانية عدنان السيد حسين.
حجة غير منطقية
التأجيل الذي عارضته كل الاحزاب السياسية في الجامعة، رأت فيه “مراوغة” من قبل رئاسة الجامعة التي لم يلمح الطلاب لديها أي نية جدية لإجراء الانتخابات. أما ذريعة انجاز النظام الداخلي للاتحاد قبل اجراء الانتخابات، فلم تكن الا حجة غير منطقية من مجلس الجامعة ورئاستها على حد تعبير الطلاب، والتي كانت بمثابة “الاختباء وراء الإصبع” لا سيما وأن الاحزاب السياسية وقبل ايام قليلة من قرار التأجيل توافقت في بيان مشترك لها على اجراء الانتخابات الطالبية وفق القانون النسبي الذي تم التوافق عليه بالاجماع في العام 2012 على ان يعاد النظر في الاتحاد الطلابي في ما بعد، وذلك لسبب الخلاف على نظامه الداخلي الذي أصابه مرض “الستة وستة مكرر” كحال كل المؤسسات في هذا البلد، والذي يحتم قانونه الاكثري اختيار الرئيس من لون ديني واحد في كل جولة انتخابية.
رفض قاطع
أجمع ممثلو الاحزاب على انعدام النية الجدية لاجراء الانتخابات لدى المعنيين، وعلى رفضهم القاطع لتأجيل الاستحقاق الانتخابي، بمن فيهم الاحزاب التي اتُهم ممثلوها في مجلس الجامعة بالتعطيل، كالتيار الوطني الحر وحركة امل، وتفرقوا في التحاليل والحسابات الداخلية بين بعضهم البعض. كما وتوافقوا على درس تحركات طلابية في اتجاه الضغط على الجامعة لاجراء الانتخابات هذا العام، أو اقلها “اخراج مذكرة تثبت موعد اجراءها بداية العام الجامعي”، وكان أولها ما نفذه طلاب كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية في مدينة رفيق الحريري الجامعية في الحدث، رفضاً لقرار مجلس الجامعة، من وقفة رمزية في باحة الكلية، يوم الجمعة الماضي.
امتداد الفراغ
يرفض شربل الخوري رئيس دائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة طلاب “القوات اللبنانية” باسمه وباسم طلاب “القوات في الجامعة اللبنانية تأجيل الانتخابات “رفضا مطلقاً” ورأى أنه من غير المسموح ان يكون هناك قمع للديمقراطية بهذه الطريقة لطلاب هم مستقبل لبنان، وإذا كانوا لا يسمحون للطلاب بان يمارسوا حقهم بالديمقراطية فكيف لهم ان يبنوا وطنا يستمرون بالتنظير والادعاء بأنه بلد الديمقراطية والحريات… ومن غير المسموح ايضاً امتداد الفراغ الذي ينخر مؤسسات البلد من أكبرها الى أصغرها الى الجامعة اللبنانية المحرومة اليوم من ممارسة الديمقراطية والحياة السياسية كباقي الجامعات الخاصة. كما ويرفض طلاب القوات ربط الانتخابات ببت نظام الاتحاد، لأنه “ربط غير مبرر وشماعة وحجة واهية”.
ويشاركهما الرأي بلال المير مسؤول ملف الجامعة اللبنانية المركزي بقطاع شباب تيار المستقبل، الذي وصف تأجيل الانتخابات الطالبية المتكرر في الجامعة اللبنانية بـ”الجريمة” بحق الطلاب وبحق الجامعة الوطنية وما تمثله، وعن القانون النسبي رفض المير ما أثير عن لسان البعض بان الجامعة فرضته على الطلاب، فـ”الطلاب انفسهم اختاروه واخترنا كأحزاب كبيرة ان نخسر بعض المقاعد ونربح حياة ديمقراطية سليمة ترضي كل الأطراف في قانون يجب ان يطبق على البلد ككل في ما بعد”
“حسابات خاصة”
ولأحمد مهنا مسؤول المنظمات الشبابية في التعبئة التربوية (حزب الله) رأي قاسٍ ايضاً في تأجيل الانتخابات، فاعتبره قرارا مجحفا وظالما بحق اكثر من 30 الف طالب في الجامعة اللبنانية من دون مبررات، فالانتخابات الطالبية ضرورة وحق مكتسب للطلاب ليعبروا عن رأيهم ويحصلوا على حقوقهم، وضرورة للجامعة اللبنانية والنهوض بها، لتحسين واقعها الذي هو في تدهور مستمر. ولا ينكر مهنا أن ما ساهم بتأجيل الانتخابات ان لبعض الاحزاب حساباتها الخاصة، التي يجب ان تعيد النظر بها لان “اللبنانية” بأمس الحاجة للانتخاب بعد تعطيلها للسنة التاسعة على التوالي. فـ”أجيالٌ من الطلاب تعاقبت على الجامعة وتخرجت ولم تمارس حقها الانتخابي، فكيف لنا ان ننشئ ديمقراطية صالحة في البلد وابسط نموذج من الانتخابات والتي هي الانتخابات الطالبية ملغاة” ومن هنا رأى مهنا وجوب تحمل رئيس الجامعة مسؤولياته ودوره بالدعوة للانتخابات دون الرجوع الى التوافق السياسي العام.
عقدة الاتحاد
ويروي فادي عبد النور رئيس دائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة طلاب حزب الكتائب لـ”البلد” قصة الخلاف العالق في عنق اتحاد الطلاب، والذي عبره تُنتخب كل الهيئات التي تخرج من كل الفروع الستة في الجامعة اللبنانية، والذي يمثل كل هذه الهيئات ويكون له رئيس ولجنة. وتكمن عقدة الخلاف في الاتحاد الذي ينتخب على القانون الاكثري في أحادية الطرف السياسي او اللون الديني الذي ينتمي اليه رئيس الاتحاد في كل جولة انتخابية، والتي تفرضها طبيعة القانون الأكثري وطبيعة بعض هيئات الفروع وانتماءاتها، ما يحرم بعض الفروع من التمثل في هذه المعادلة. وبناء على هذه النقاط الخلافية اتفقت كل المنظمات الطلابية أن تؤجل موضوع الاتحاد “كون الأهم هو تجديد الاتنخابات في الجامعة”. وقبل اسبوع واحد اوضحت المنظمات الطلابية كافة في بيان لها التوافق على عدم ربط الانتخابات بالاتحاد الطلابي. الا ان الطلاب تفاجأوا في قرار مجلس الجامعة القاضي بربط الانتخابات بالنظام الداخلي للاتحاد، “عبر عرقلة الانتخاب من بعض الاطراف”. ويؤكد عبد النور فرضية العرقلة من قبل ممثلي التيار الوطني الحر وحركة أمل في مجلس الجامعة، وذلك لأن “حركة امل تسيطر سيطرة كاملة على الفروع المتواجدة فيها، بينما كان حزب الله بعيداً عن أجواء الانتخابات الطلابية ولكن اليوم بعد مرور 8 سنوات أصبح الحزب منخرطًا اكثر في العمل الطلابي والانتخابي وبالتالي وفق القانون الجديد (النسبي) ستخسر الحركة سيطرتها او ستتقلص سيطرتها على بعض الفروع، اما التيار فلا يحبّذ الذهاب للانتخابات اليوم لأنه سيتظهر خلالها حجم الخلاف بين التيار والقوات اللبنانية والذي لم تنعكس عليه التحالفات السياسية الجديد”. ويرى أن مواقف طلاب التيار والحركة المعارضة لتأجيل الانتخابات هي مواقف ظاهرية “لانه في الوقت الذي بدأت فيه الاحزاب السياسية بالتحضير لبرامجها الانتخابية لم يتحرك هذان الطرفان على الارض”.
لا نيّة جدية
الامر الذي ينفيه كل من طلاب التيار وحركة امل، ويكتفي ايلي الخوري مسؤول الجامعة اللبنانية في مكتب الجامعات والمعاهد العليا في التيار الوطني الحر بما ورد في البيان الذي اكد فيه التيار على ان “ممثلي طلاب التيار الوطني الحر كانوا ولا يزالون الداعين الاوائل لإجراء الإنتخابات الطالبية في الجامعة اللبنانية منذ إلغائها عام 2008 وقد ضغطوا بشتى الوسائل لتحقيق هذا الهدف. وإن موقف ممثلي الطلاب في التيار الوطني الحر في الجلسة الأخيرة لمجلس الجامعة الداعي الى ضرورة إقرار قانون الإتحاد الوطني للطلبة ومن ضمنه الفقرة المرتبطة بالمداورة والميثاقية إنما هو دليل إضافي على الحرص على حسن تمثيل كل المكونات في الجامعة اللبنانية”.
أما علاء اللقيس مسؤول المنظمات الشبابية لحركة امل فأكد بدوره رفضه لالغاء الانتخابات، موضحاً أنه بعد الاطلاع على اجتماع مجلس الجامعة تبين لهم ان كل مجلس الجامعة لم يعارض التأجيل بناء على معطيات مسبقة كانت لديهم، و” ما حصل فعلياً هو ان بعض الممثلين المتهمين بتعطيل الانتخابات قاموا بتوجيه أسئلة منطقية في الاجتماع لم يجدوا لها أجوبة مثل تجهيز الكوادر الادارية على عمليات الفرز والاصوات وتدريب الهيئات على القانون النسبي الجديد، علماً ان القانون كان محوّلًا الى لجنة لم تعطِ ملاحظاتها عليه بعد” ويؤكد اللقيس انه لم يكن هناك نية جدية لاجراء الانتخابات ولو كان فعلا هناك نية جدية لكان قرار اجراء او تأجيل الانتخابات ذهب الى التصويت ولكانت حصلت الانتخابات “لان ممثلي حركة امل الخمسة من اصل ثلاثين في المجلس ليسوا بوارد المعارضة واذا سلمنا جدلا انهم عارضوا لما كان صوتهم ليؤثر على قرار الاجماع العام”.
ولا يحمّل نهاد الضاروب مسؤول الجامعة اللبنانية في منظمة الشباب التقدمي اي طرف سياسي تأجيل الانتخابات، ويرى ان ما حصل هو تهرب من مجلس الجامعة من اجراء الانتخابات، وهو تهرب غير مبرر لا سيما بعد الاتفاق على اجراء الانتخابات والبحث في الاتحاد لاحقا من قبل كل الاطراف، ويرى أن طرح الجامعة للانتخابات كان طرحا شكليا لا اكثر ولا اقل، والدليل انهم لم يقوموا بتدريب الكوادر على القانون المتفق عليه (النسبي) منذ العام 2012.
شاهدٌ من أهله
وفي حديث لـ”البلد” مع ممثل أساتذة كلية العلوم في مجلس الجامعة وعضو الهيئة التنفيذية لرابطة الاساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية محمد صميلي، تأكدنا بطريقة غير مباشرة من كلامه، وهو الشاهد من أهل المجلس بأن النية كانت (متزعزعة) تجاه اجراء الانتخابات. ويؤكد صميلي أن لا جو لتطيير الانتخابات وان كان البعض لديه هذا التوجه ولكن لم يتم اعلان ذلك بصراحة، ولكن “العامل الأساس الذي عرقل اجراء الانتخابات هو الفترة القصيرة التي تضع هواجس عند البعض حول اجراء انتخابات جدية وناجحة في كل الفروع”، وبعض اعضاء مجلس الجامعة ارتأوا وجوب انهاء النظام الداخلي للاتحاد قبل الانتخابات لان التمثيل يكون عندها على المستويات الثلاثة بـ”مجلس الفرع ومجلس الكلية ومجلس الجامعة”. ولكن ربط الانتخابات بالاتحاد لم يكن هو التوجه العام للمجلس.
إذاً اختلف الطلاب واتفقوا على وجوب اجراء الانتخابات، واتفق ممثلوهم على تطيير الانتخابات واختلفوا في نسج الذرائع… ويبقى السؤال في حال لم يتم التوافق على القانون الداخلي للاتحاد من يضمن اعادة الحياة الديمقراطية الى الجامعة مع بداية العام الجامعي المقبل؟ وهو الموعد الذي كثرت الاجتهادات حوله وتقاطعت على ان ما من ضامن لإخراج الاتحاد من بوتقة الاكثرية الطائفية في الأجل القريب، وبالتالي ما من ضامن لإجراء الانتخابات الطالبية التي شئنا ام أبينا حولت الجامعة الوطنية الى مشهد مصغّر عن وطنٍ يتناوب زعماؤه على اغتصاب السلطة في مؤسساته على اختلاف احجامها وانواعها…!