
لو وقعت الواقعة، لكان لبنان الآن في غير مكان، لما كان في بلاد الارز بقعة الضوء تلك الوحيدة التي تثبت لنا ان رغم كل السوء والانهيارات والمصائب، لبنان ما زال موجوداً وسيبقى. مضت اربعة اعوام على محاولة اغتيال سمير جعجع.
طبعاً لا نكتب لنطالب بكشف خطوط العملية والمخططين والمنفذين وما شابه، نعرف انهم لن يكونوا يوماً في قبضة العدالة لانهم هم من يصنعون في لبنان منظومة “عدالة” خاصة بهم وبنا ويفصّلونها على مقياسهم، ومقياسهم في هذا المجال فضفاض كثيراً. لكن نكتب لنذكّر ان محاولة الاغتيال تلك التي تعرض لها جعجع في عقر داره في معراب في 4 نيسان 2012، أثبتت حجم الامتعاض والخوف من مواقف “القوات اللبنانية”، وان سمير جعجع هو الرقم الاصعب، حجر الزاوية في الاحداث الداخلية التي لا يمكن العبور بها الى أي مكان يشاؤون ما لم يشأ سمير جعجع.
هم يشاؤون الكثير وجعجع يشأ الاكثر بعد، متطلبات جعجع مخيفة، ملحة، مزعجة، تهدم الهياكل فوق رؤوس الكثر. يريد جعجع وطناً حراً كبيراً بحجم رسالة الانجيل التي دونته بين حروفها، شاسعاً لابنائه نظيفاً من الفاسدين والتجار والعملاء. والاهم من ذلك ان جعجع ناضل ويناضل حتى الشهادة ليصل الى هذا الوطن وهذا كثير عليهم، لا يمكن ان يلتقي طرفان على نقيض كبير، والنقيض هنا لبنان. لا يريدون لبنان ذاك، ولا مفهوم المواطنية تلك، ولا شعارات الوطن الحر المستقل وما شابه. والاهم، لا يريدون رجلاً يتحدى ويغالب ويقارع ويفعل المستحيل للتصدي في زمن الانهيارات الكبيرة في كل شيء، وخصوصا المبادئ الوطنية التي يحرصون حتى الموت على انهيارها، وجعجع يعرقل فكان يجب ان يعرقَل.
كان الصباح وكانت شمس نيسان ترخي بدفئها على المكان، وكان جعجع يتمشى في الباحة الخارجية، انحنى صدفة فانلطقت الرصاصات الثلاث التي كان يجب أن تكون قاتلة فخانت مبادئها لتستقر في الحائط واطار النافذة ويا للخيبة! خاب القتلة الذين ربضوا فوق تلة المحيطة، أخطأوا وليس من عادتهم ان يفعلوا وغريب كيف فعلوها هذه المرة. أخطأوا هم من احترفوا القتل في كل مكان، واخطاؤهم في هذا المجال نادرة، فكان الحكيم من بين تلك الاخطاء المميتة التي “ارتكبوها”!
وصلتهم اعنف رسالة ممكن ان يتلقاها قاتل حاقد، ان يد الله حين تريد هي اقوى درع يحمي من خطر الاشرار، التقطتت العناية الالهية الرصاصة لتحيد بها عن هدفها المنشود، ليس حبا بالرجل وحسب، انما رأفة بوطنه الصغير الكبير. هذه كانت رسالة صغيرة، اشارة كبيرة الى ان الرب لا يريد ان يتوقف الرجل عن السعي لحماية وطنه. والاهم من ذلك، هذه رسالة مباشرة فاقعة الى ان الرب يريد ان يبقى لبنان رغم هذيان الشيطان فيه، هي هكذا المعركة الان، حرب ضروس بين الشيطان والسماء، يغلبها بجولات وتصرعه باشارة، الرصاصات الخائبة واحدة من تلك الاشارات الكثيرة…
لم يتوقف القتلة حتى اللحظة عن استهداف سمير جعجع ولن يفعلوا، ولن يتوقف جعجع حتى النهاية عن استهدافهم بالوطن الكبير والحرب مستمرة، هنا ارض وفوق سماء ويد الله اطول من ايادي البشر الذين مهما تجبّروا وتكبّروا وظنوا انهم هم الهة الموت والحياة، ثمة نسمة ربيعية ناعمة تحت شمس نيسان، تخترق فوهة بندقية لتقف بوجه القدر قدراً جباراً يحوّل الموت الى حياة. هنا مار شربل والقديسين يا سادة العبوا بغير حقول الزهر تلك واذهبوا الى حيث تلعبون دائماً في حقول الموت حيث بكم يليق مع تحيات سمير جعجع وشمس نيسان…
بالصور: الذكرى الرابعة على محاولة اغتيال سمير جعجع (تصوير الدو ايوب)
