رأى عضو كتلة حزب “القوات اللبنانية” النائب ايلي كيروز ان موقفه المبدئي من القضاء العسكري لم يبدأ مع إصدار المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت “حكمها السياسي” في ملف الوزير السابق ميشال سماحة، الذي اعترف بالصوت والصورة بأن الرئيس السوري بشّار الأسد واللواء علي المملوك كانا على الأقل على علمٍ بما يخطط له من أعمال تفجير وقتل وفتنة. ولقد قال رضوان السّيد في مقالة في الشرق الأوسط إن حدث إخلاء سبيل ميشال سماحة يثبت المزيد من استهداف السنّة في لبنان بعد محاولة قتل أكبر عدد منهم، با إن موقفي من القضاء العسكري، كما موقف حزب القوات اللبنانية، يعود الى اعتناقنا فلسفة حقوق الإنسان، والى حرصنا على كرامة الإنسان وحرياته الأساسية التي هي منحة من الله وليست مطلقاً منّة من أي فرد أو حزب أو حكومة أو نظام.لقد طرحنا هذا الملف منذ العام 2013. ويأتي طرحنا ليمثل في الأساس نوعاً من الرفض لشكل معيّن من أشكال القضاء الذي تتم ممارسته في لبنان منذ عقود والذي يميل الى جعل القضاء العسكري أحد أشكال المحاسبة السريعة خارج نطاق القضاء العادي، مما يسمح بكل بساطة بوجود سلطة شبه قضائية موازية وتعلو على المبادئ الاساسية لحكم القانون”.
وأشار في مداخلة خلال المؤتمر الذي عقد في معراب بعنوان: “القضاء العسكري: أي حقوق؟! أي عدالة؟!“: الى أنه “يقتضي توضيح مسألة أساسية، وهي أن الموقف من القضاء العسكري لا علاقة له ولا ينسحب على الموقف من الجيش اللبناني ودوره في الحياة الوطنية. إن الحديث عن إلغاء القضاء العسكري لا يعني المسّ بالجيش، ولكنه يرمي الى إبعاد اسم المؤسسة العسكرية عن أي شبهة غير صحيحة يمكنها أن تعتري أداء بعض العناصر العسكرية. إن الموقف من القضاء العسكري هو موقف مع الإنسان ومع الحرية ومع العدالة. وهو موقف يهدف الى الفصل الصريح والواضح بين السلطة القضائية التي نصّ عليها الدستور في المادة 20 والتي تقيم العدالة، والقوى العسكرية التي تتبع السلطة التنفيذية والتي تتولى الأمن، بعيداً عن الأخذ بمذهب الجيش Le Culte De l’armée في الحياة السياسية كما هو الحال في الأنظمة الديكتاتورية.”
وأكّد أن “القضاء العسكري لا يتوافق مع مبادئ المحاكمة العادلة ومفاهيم حقوق الإنسان. ويتميّز بالخصائص – الشوائب العشر التالية:
1- تقييد حقوق الدفاع: المحامي في القضاء العسكري ليس بالضرورة رجل قانون، خلافاً للمبادئ الدولية المتعلقة باستقلالية القضاء.
2- غياب التعليل في الأحكام.
3- غياب العلنية في المحاكمات.
4- التكوين غير القضائي للمحاكم العسكرية.
5- غياب الإستقلالية وعدم التوافق مع مبدأ فصل السلطات.
6- غياب الدرجة الثانية في التحقيق العسكري الإبتدائي.
7- إنحصار الصلاحية بدعوى الحق العام دون دعوى الحق الشخصي.
8- امتداد الإختصاص العسكري الى المدنيين في حال النزاع بينهم وبين عسكريين.
9- عدم خضوع القضاء العسكري لسلطة التفتيش القضائي وإشراف مجلس القضاء الأعلى ورقابة وزارة العدل.
10- التغطية على ما يُرتَكب من انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان على يد الضابطة العدلية العسكرية ومديرية المخابرات في الجيش اللبناني. وإني أدعو الى وقف التعذيب في مراكز الإحتجاز اللبنانية والى وقف التراخي الذي يمارسه القضاء اللبناني في رقابته على أداء الضابطة العدلية. وتجدر الإشارة الى أن تعداد أفراد الضابطة العدلية وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 38 منه لم يشمل أو يذكر حتى عناصر وضباط مديرية المخابرات في الجيش اللبناني الذين لا يملكون بالتالي لا الصفة ولا الصلاحية لممارسة مهام الضابطة العدلية وبشكل يتجاوز الأصول القانونية.”
وأردف:”بعد مرور سبعين سنة على صدور قانون العقوبات العسكرية، في العام 1946، الذي كان وما زال القانون الوحيد الذي ضيّق صلاحيات المحاكم العسكرية. وبعد مرور ثمانٍ وأربعين سنة على صدور قانون القضاء العسكري رقم 24/68، والذي عزّز بشكل كبير صلاحيات القضاء العسكري، مُخضِعاً جميع رجال القوى المسلحة، بمن فيهم المماثلين للعسكريين، لسلطته، وذلك من أجل الجرائم الواقعة عليهم أو المُرتَكبة من قِبَلِهم أثناء الوظيفة أو خارجها بعد أن ألغى قانون العقوبات العسكري وقانون إنشاء محكمة التمييز العسكرية. وبعد أن توالت المراحل القانونية، وشهد القانون اللبناني تمدداً للقضاء العسكري وتوسعاً في صلاحياته، فإن السؤال – الإشكالية هو: أيّ قضاء عسكري يريد بعد اللبنانيون؟ أي قضاء عسكري يريد بعد القادة والمحامون والحقوقيون والمثقفون وجمعيات حقوق الإنسان؟ هل نريد بعد قضاءً عسكرياً بصلاحيات واسعة كما يفكّر البعض ويكون موازياً للقضاء العادي؟ هل نريد قضاءً عسكرياً يخضع للسياسات الحكومية ويديره مباشرة وزير الدفاع الوطني والسلطة العسكرية العليا في الجيش اللبناني كما ينص القانون 24/68؟ أي مكان نريد أن يتّخذ االقضاء العسكري في فضائنا القضائي والمدني؟ في جمهوريتنا وعدالتنا؟ وهل نريد بعد “القضاء الإستثناء” ولا نريد “القضاء الطبيعي” ؟ وهل نريد أن يتسيّد الإستثناء؟ وهل نريد بعد أن نعدّل القانون الحالي لتكريس الصلاحيات الموجودة أو لإعطاء المزيد من الصلاحيات للقضاء العسكري بحجّة الجرائم الشديدة الخطورة وبحجّة حماية الأمن اللبناني وبحجّة مكافحة الإرهاب والتطرّف؟ إن الإعتداءات الإرهابية أو المخاطر الإرهابية لا يمكن أن تشكّل حجّةً أو أساساً لإنشاء قضاءٍ إستثنائي مخالف لأدنى القواعد الأساسية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان والحريات العامة واستقلال المحاكم. كما أنه لا يمكن القول أن القضاء العسكري هو أكثر حرصاً من القضاء العدلي على حسن تطبيق القانون وحماية مؤسسات الدولة وعدم المسّ بأمنها الداخلي والخارجي”.
ولفت كيروز الى أنه “في التجربة المقارنة، قامت الحكومات المتعاقبة في العديد من الدول الأوروبية والعربية بتعديل قوانينها المتعلقة بصلاحيات المحاكم العسكرية ونقل هذه الصلاحيات الى المحاكم العدلية. من هنا لا يمكن إلا أن نكون منسجمين مع أنفسنا بعد أن عرَّف لبنان بنفسه بموجب دستوره على “أنه عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.
وتطرق الى موضوع “الخشية من المحاكم العسكرية والمطالبات بإعادة النظر في صلاحياتها”، فتوقف عند موقف الرئيس فؤاد شهابمنها فقال:”لسنا في هذا التوجّه أول المطالبين بإلغاء القضاء العسكري كقضاءٍ استثنائي وبإعادة النظر في صلاحياته: إن الخشية من المحاكم العسكرية رافقت وجودها. ولقد عبّر عن هذه الخشية الرئيس- العسكري فؤاد شهاب الذي خشي من الدور المُعطى للمحاكم العسكرية. ورغب في حصر دور هذه المحاكم بمراقبة الإنضباط العسكري والصرامة في الإمتثال للقوانين العسكرية. كما عبّر بوضوح عن الخشية من افتئات المحاكم العسكرية على المواطنين المدنيين وهم من فئة غير العسكريين، والذين هم خارج المؤسسة العسكرية وخارج قوانينها. ومن أجل تشكيل ضمانة بسيطة في هذا المجال، جرى في عهده تعيين قاضٍ مدني في المحكمة العسكرية. ولقد توالت منذ العام 1997 المطالبات بإلغاء المحاكم العسكرية وبإعادة النظر في صلاحياتها. وسأذكر على التوالي : لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الشبكة الأورو – متوسطية لحقوق الإنسان، اللجنة النيابية لحقوق الإنسان، نقابة المحامين في بيروت وجمعيات حقوق الإنسان”.
واوضح ان “لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عبّرت في توصياتها الى الحكومة اللبنانية في نيسان 1997 عن قلقها إزاء توسّع الصلاحيات التي تتمتع بها المحاكم العسكرية في لبنان. فلقد أصدرت اللجنة تقريراً بعنوان “ملاحظات ختامية” ورد في فقرته الثالثة عشرة ما يلي : “تبدي اللجنة قلقاً حيال الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها المحاكم العسكرية في لبنان، خاصة وأنها تتجاوز حدود المسائل التأديبية لتطال المدنيين. وهي أيضاً قلقة بشأن الأصول التي تتبعها تلك المحاكم كما بشأن عدم وجود رقابة المحاكم العادية على أعمالها وأحكامها. وينبغي على الدولة المتعاقدة، أي لبنان، أن تعيد النظر في صلاحيات المحاكم العسكرية وتنقلها الى المحاكم المدنية في جميع المحاكمات التي تتعلق بالمدنيين أو بحالات انتهاك حقوق الإنسان التي يقترفها العسكريون”.
واستطرد :”في تقريره الصادر عام 2010، سجّل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته التاسعة في جنيف في 2 أيلول وجود نقص في آليات المساءلة والشفافية فيما يتعلق بالآليات القضائية الخاصة بالمجلس العدلي والمحاكم العسكرية. وقال التقرير: ” وتتمتع المحاكم العسكرية باختصاصات واسعة تتجاوز نطاق المسائل التأديبية. فهي تحاكم أيضاً المدنيين مما يشكل مخالفة للمعايير الدولية المتعلقة بإقامة العدل”. وأوصى مجلس حقوق الإنسان لبنان بأن يواصل جهوده من أجل ضمان وجود جهاز مستقل يضم قضاة قادرين على صون “المبادئ والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما دعت الشبكة الأورو- متوسطية لحقوق الإنسان في تقرير صادر عنها في شباط 2010 الى إلغاء المحاكم العسكرية وتحويل صلاحياتها الى المحاكم العادية. كما دعت، ولحين إلغائها، الى تقليص صلاحياتها على نحو لا يمكّنها من محاكمة مدنيين في أي ظرف كان. وطالبت بوضع المحاكم العسكرية تحت رقابة مجلس القضاء الأعلى وإشراف”.
وتابع:”أصدرت اللجنة النيابية لحقوق الإنسان، وفي إطار متابعة الخطة الوطنية لحقوق الإنسان التوصية التالية : “حصر صلاحية المحكمة العسكرية في القضايا المسلكية والتأديبية للعسكريين من دون أن يشمل اختصاصها المدنيين، كما طالبت نقابة المحامين في بيروت، وفي موقف ينسجم مع موقفها القديم، “بالحدّ من اختصاصات المحاكم الإستثنائية كجعل اختصاص المحكمة العسكرية يقتصر على القضايا التأديبية المتعلقة بالجيش فحسب”. كذلك فإن نقيب المحامين السابق الوزير شكيب قرطباوي كان قد ذكّر في أواسط التسعينيات، ويوم كان نقيباً لمحامي بيروت “أن القضاء العدلي هو القضاء العادي والأساسي، وأن القضاء العسكري هو قضاء خاص يجب أن تكون صلاحياته محصورة بالشؤون العسكرية فقط ولا يجوز التوسّع في تحديد هذه الصلاحيات. ودعت جمعيات حقوق الإنسان كَ”Justicia” و “ألِف” و أُمَم بحصر الإختصاص القضائي للمحاكم العسكرية في الجرائم ذات الطبيعة العسكرية البحتة التي يرتكبها العسكريون.
وأعلن كيروز “لقد تقدمنا من المجلس النيابي في 22/4/2013 باقتراح قانون مُرفق بأسبابه الموجبة ويرمي الى تعديل قانون العقوبات العسكرية – قانون القضاء العسكري. لقد أردنا من خلال هذا الإقتراح حصر إختصاص القضاء العسكري بالجرائم العسكرية بحصر المعنى ومنع أي امتداد للإختصاص العسكري الى المدنيين. لقد أحيل الإقتراح الى الحكومة لإبداء الرأي منذ العام 2013 من دون أي رأي من الحكومة لغاية اليوم. ولم يحوّل الإقتراح الى لجنة الإدارة والعدل النيابية إلا في 23/1/2016. لقد شكّل الإقتراح محاولة للإقتراب من موضوع القضاء العسكري بكل تعقيداته انطلاقاً من الأسباب الموجبة التالية والتي تتفوّق على الإقتراح بحد ذاته:
- إن محاكمة العسكري أمام قضاءٍ عسكري مؤلف بغالبيته من ضباط عسكريين، تشكل حصانة غير مبرّرة لهذا العسكري وتؤلف استثناءً مناقضاً للمبادئ الجزائية العامة وتحمل اعتداءً على مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون والعدالة.
- إن محاكمة المدني أمام القضاء العسكري بأي صفة لا تستقيم ومفهوم العدالة وتشكّل مسّاً بحقوق الإنسان وبمبدأ القضاء الطبيعي وبمبادئ المحاكمة العادلة نظراً لعدم توفّر ضمانات محاكمة عادلة وشروط ممارسة حق الدفاع وحقوق الإدعاء الشخصي.
- إن محاكمة العسكري أمام القضاء العادي تجعله يتمتّع أسوة بغيره من المتقاضين بكل الحقوق والضمانات المتعلقة بحقوق الدفاع والإدعاء.
– ومن أبرز ميّزات الإقتراح:
- حصر اختصاص المحاكم العسكرية بالجرائم العسكرية وهي: جرائم التملّص من الواجبات العسكرية والجرائم المُخِلّة بالإنضباط العسكري والجرائم المُخِلّة بالشرف والواجب وجرائم سلاحي الجوّ والبحرية.
- توقف العمل في المحاكم العسكرية وإلغاء صلاحياتها الخارجة عن نطاق اختصاصها ونقل عديدها من العسكريين الى القطع والوحدات العسكرية بموجب قرارات تصدر عن قيادة الجيش.
- إحالة الدعاوى والشكاوى الخارجة عن نطاق الإختصاص العسكري والتي ما زالت قيد الملاحقة أو التحقيق أو المحاكمة أمام أجهزة القضاء العسكري الى المراجع القضائية العدلية المختصة التي تسير بها من النقطة التي وصلت إليها.
- يعهد بالدفاع عن العسكري المُحال أمام القضاء العسكري، إذا لم يكلّف محامياً للدفاع عنه، الى أحد المحامين المسجلين في نقابتي المحامين في كل من بيروت وطرابلس.
ويؤدي الإقتراح الى تعديل صلاحيات القضاء العسكري، خاصةً إزاء المدنيين والى حصر اختصاصه بالجرائم العسكرية البحتة”.
وختم كيروز:”لن نُقفل هذا الملف وسنتابع ما أسميه نضالنا، نحن المقموعون، نحن المقهورون، في حقبة الوصاية السورية، في كنف جمهورية الرعب. لا ننسى في القوات اللبنانية تجربة الإعتقال. لا ننسى تجربة التحقيق. لا ننسى تجربة المحاكمات. لا ننسى تجربة التعذيب. ولا ننسى مطحنة التعذيب التي تحوّل الإنسان الى مجرد حطام. لقد شكلت تجربتنا مع القمع مدعاةً للتماهي مع كل إنسان تُنتَهك حقوقه ومع كل المظلومين في كل الأرض. إن حزب القوات اللبنانية يناضل من أجل جمهورية عادلة لا تتكرر فيها انتهاكات حقوق الإنسان. وفي الخلاصة، أقول إن الظُلم أفظع من القتل.”