تحدث وزير العدل اللواء أشرف ريفي عن “إشكالية القضاء العسكري وحقوق الإنسان”، فقال: “ليست المرة الأولى التي تبادر فيها القوات اللبنانية الى إطلاق النقاشات البناءة في مواضيع رئيسية مفصلية ، فبعد دراسة تداعيات الإتفاق النووي الإيراني على منطقة الشرق الأوسط ، بادرت القوات اللبنانية الى جمع أصحاب الإختصاص والخبرة للبحث في موضوع الارهاب وكيفية مواجهته. واليوم وبدعوة مشكورة من القوات اللبنانية نلتقي وإياكم لنناقش موضوع القضاء الاستثنائي أي المحكمة العسكرية، وهذا الموضوع لم يعد مطروحاً على أجندة الدول المتقدمة منذ زمن بعيد، ولن نجد من خبراء هذه الدول من يحدثنا عن إشكالية القضاء العسكري وحقوق الإنسان، بإعتبار ان تركيبة هذا القضاء والصلاحيات الممنوحة له في هذه الدول تقتصر على محاكمة العسكريين في قضايا ذات طابع عسكري محض. ولم نعد نسمع في بلاد الحريات عن ممارسات المحاكم العسكرية بحق المدنيين لأن مثولهم امام القضاء العسكري بات من المحرمات، فصفحة الحقبات الإستثنائية طويت، وأرسيت دولة المؤسسات على قاعدة توزيع المسؤوليات حسب الإختصاص، وحفظت كرامة الناس وحقوقهم الفردية والجماعية، وهذا ينبع من الإيمان لدى الجماعة بأن المؤسسات وجدت لخدمة الصالح العام، وأن القضاء الذي يدير دفة الميزان هو الضمانة للجميع وأن القضاة وحدهم دون غيرهم المؤهلون للعب هذا الدور إنطلاقاً من أنهم أصحاب الإختصاص، وأنه جرى إعدادهم وتدريبهم ليكونوا منزهين وقادرين على الفصل بين المتقاضين دون تمييز أو تفرقة مع إحترام قواعد المحاكمة العادلة وحق الدفاع، تماماً كما يعتبر الضباط وحدهم القادرون والمؤهلون ، لحفظ الأمن ومكافحة الجريمة والدفاع عن تراب الوطن عند كل إعتداء. هذه القواعد إنتهجتها كل دول العالم دون إستثناء، ومن خرج عنها لمدة مؤقتة ولظرف إستثنائي ما لبث أن عاد إليها كخطوة أولى نحو إعادة الأمور الى نصابها الطبيعي لوضع حجر الأساس لبناء دولة العدالة والقانون.”
وأضاف في كلمة ألقاها في مؤتمر بمعراب تحت عنوان :”القضاء العسكري: أي حقوق؟! أي عدالة؟!“: “دخل لبنان في العام 1958 في ظاهرة الإستثناء، حين عُلق العمل بصورة مؤقتة ببعض مواد قانون العقوبات وإستعيض عنها بمواد أخرى انزلت العقوبات المشددة بكل من يتورط في أعمال إرهابية ، وقد منح التعديل المذكور المحكمة العسكرية صلاحية النظر في كل هذه الجرائم. وجاء قانون القضاء العسكري في العام 1968 ليصب في نفس الإتجاه ودائماً تحت عنوان ضرورة تنظيم هيكلية عمل هذه المحاكم التي كان يجب أن تمارس دورها الموسع بصورة مؤقتة ولمدة زمنية محدودة. وحتى يومنا هذا لم تفلح كل محاولات الحقوقيين والقانونيين والمجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان ، لم تفلح في تقليص صلاحياتها ومن وضع حد لهذا الاستثناء الذي وجد ليكون ظرفياً ومؤقتاً فإذا بالمؤقت يصبح دائماً وبالإستثناء يتحول الى قاعدة.”
ولفت الى أنه “أمام هذا الواقع ، ومنذ ان توليت مهامي في وزارة العدل وضعت نصب عيني ضرورة وضع مشروع قانون لإنشاء محاكم متخصصة في قضايا الإرهاب كما هو الحال في أكثر الدول المتقدمة ، أضع مشروع القانون بتصرف كل القوى الوطنية الحريصة علىالعدالة للعمل على إقراره ، فهذه الدول لم تكتف في وضع حد لظاهرة المحاكم الإستثنائية ، بل مضت قدماً بإتجاه التخصص القضائي ، إن التطور في عالم الجريمة والإرهاب ، يتطلب جهوزية لا يمكن أن تتحقق إلا بالتخصص، فضلاً عن أن ظهور انواع جديدة من الجرائم المركبة والمعقدة كالإتجار بالبشر والجرائم السيبرانية إضافةً الى بعض الظواهر الناجمة عن إنتشار الإرهاب مثل ظاهرة المقاتلين الأجانب التي باتت محور إهتمام وهاجس دول العالم أجمع، جاء ليجعل من التخصص القضائي ضرورةً وحاجة ملحة لتأمين الإستقرار داخل المجتمعات أكثر منه ترفاً حقوقياً او قانونياً، كل هذه العوامل وغيرها فرضت نفسها على طاولة المعنيين في مجالي العدالة الجنائية ومنع الجريمة ، ولهذا تم إنشاء محاكم متخصصة في قضايا الإرهاب والجرائم الكبرى مؤلفة من قضاة يتم إعدادهم للقيام بهذه المهمة.”
وتابع ريفي:”كما تعودنا، ومع كل مرة تنطلق فيها المطالبات بإحترام سيادة القانون وتطبيق معايير العدالة الدولية ، تسارع أبواق المستفيدين من هذه الظاهرة غير الصحية، وعنيت بذلك ظاهرة المحاكم الإستثائية لتدعي الحرص على إستمرار المحكمة العسكرية في ممارسة مهامها. وتنهال الحجج التي لم تعد تقنع أحداً ، فهؤلاء المدافعين عن المحكمة العسكرية لجأوا ويلجأون إلى تبريرات واهية غير منطقية وغير مقنعة ، كتلك التي تلعب على وتر حماية الجيش والحفاظ على تماسكه ودوره الوطني، وفي هذا الشق بالتحديد نقول إن تعزيز دور الجيش لا يكون بمصادرة دوره من خلال خلق ميليشيات حزبية مسلحة تدعي وتزعم الدفاع عن الوطن، وتطعن كل يوم بقدرات الجيش في مواجهة العدو والمخاطر، ونحن المؤمنون بالدولة وبمؤسساتها نكرر صرخاتنا لنقول: أن لا سلاح ولا شرعية إلا لسلاح الجيش اللبناني الذي سيبقى عنوان الشرف والتضحية والوفاء.”
واار ريفي الى أنه “أزاء إفلاس المدافعين عن اداء المحكمة العسكرية وإستمرارها في مصادرة صلاحية القضاء العدلي في الحكم في قضايا الإرهاب والجرائم الكبرى، يبقى من الضروري الوقوف على اداء هذه المحكمة الذي سنستعرض بعض محطاتها لتكتمل الصورة أمام الرأي العام الذي لم يعد يرضى بتغييب رأيه وتهميشه. في هذا الإطار سأكتفى بالإشارة لبعض مما أجمع عليه المراقبون لعمل هذه المحكمة:
1- أن أداء قضاء النيابة العامة والتحقيق في المحكمة العسكرية يسجل مطالعات وقرارات غالباً ما تتضمن بياناً واضحاً لوقائع القضية ، في حين أن اداء قضاء الحكم في هذه المحكمة يناقض ذلك ، حيث تصدر الأحكام دون أي تعليل وعلى شكل نماذج معدة مسبقاً يتم ملىء الفراغ فيها ، وتفسير ذلك بديهي ، فقضاء النيابة والتحقيق مؤلف من قضاة عدليين في حين أن قضاء الحكم مؤلف في غالبيته العظمى من ضباط لا يحملون في غالب الأحيان إجازة في الحقوق.
2- إن مثول المدنيين أمام القضاء العسكري يشكل بإجماع اهل القانون إنتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان.
3- إن أداء المحكمة العسكرية في قضايا هامة ووطنية كان في أكثر الأحيان مخيباً، فلا يمكن أن ننسى الحكم المخفف بحق العميل فايز كرم، ولن ننسى محاكمة قاتل الرائد الشهيد سامر حنا ، وأي تاريخ سيذكر المحكمة العسكرية في قضية سماحة المملوك، وغيرها من الأمثلة .
4- إن تغييب المدعي عن ملف القضية في المحكمة العسكرية يشكل إنتهاكاً فاضحاً لحقوقه بصفته متضرراً من الجريمة وصاحب الحق في التعويض عما لحق به من ضرر علماً أن أي حكم يصدر عن المحكمة العسكرية سيؤثر حكماً على حقوقه التي ينوي المطالبة بها أمام القضاء المدني.
5- لا دور للمتضرر من الجريمة في تحريك دعوى الحق العام على الإطلاق أمام القضاء العسكري بحيث يكون للسلطة ان تقرر إنهاء القضية على طريقتها دون أن يكون للمتضرر من الجريمة أي دور في هذا الشأن. إن هذه النقاط لا تشكل سوى غيض من فيض ممارسات هذه المحكمة، التي باتت تطرح علامات إستفهام حول نوايا المتمسكين ببقائها بالصلاحيات الممنوحة لها خلافاً لمعايير العدالة الدولية وللواقع القضائي في لبنان الذي يوجب إعادة صلاحية الحكم في قضايا الإرهاب والقضايا الكبرى للقضاة وحدهم وفق ما هو عليه الحال في معظم دول العالم.”
#الجمهورية_العادلة في معراب بين صلاحيات المحكمة العسكرية وتأثيرها على المجتمع المدني
وقال ريفي:”لا يخفى عليكم ان ملف محاكمة ميشال سماحة كان احد أسباب استقالتي من الحكومة. لقد شعرت انه يراد لي كوزير للعدل أن احمل وزراً لا يرضاه ضميري، ولا يقبل به اي مخلص لوطنه. فهذه المحاكمة شكلت في محطاتها عاراً على هذه المحكمة التي ارتكبت جريمة بحق الوطن، نعم فهذا العار سيبقى على جبين الجالس على قوس العدالة، اذا تخاذل او جبن أوخضع للترهيب او الترغيب وإذا لم يستدرك فعلته. نعم لقد رفضت أن أغطي هذه الفضيحة، ليس فقط وفاء لدم الشهيد اللواء وسام الحسن، بل حفظاً لدماء أهلنا واولادنا، التي كانوا يريدون لها ان تراق في الافطارت، وفي الكنائس. نعم لقد رفضت في كل مسيرتي اي مساومة على المبادئ. تمسكت دائماً بالدولة والمؤسسات وبالعيش المشترك، واليوم أؤكد على هذا النهج، في مواجهة الدويلة وابواقها.”
وأردف:”اسمحوا لي ونحن نقترب من ذكرى اعتقال الدكتور سمير جعجع ، أن أتوجه بالتحية له وللقوات اللبنانية، ومن هذا المنبر أعلن أننا نعتبره شريكاً استراتيجياً لنا ، ونحن على ثقة أننا وبهذه الشراكة الإسلامية المسيحية الحرة نقيم الدولة التي نحلم بها ، دولة المؤسسات والقانون ، دولة العيش المشترك ، دولة السيادة والإستقلال. يوم أوقف الدكتور جعجع كان لبنان تحت الوصاية السورية الكاملة. لقد سعى النظام السوري يومذاك، للانقضاض على ما تبقى من حرية وسيادة واستقلال، فعمل على إرهاب اللبنانيين بواسطة عملائه، ولا يزال هؤلاء يعملون ويتمادون في مشروعهم ، وفي محاولة منهم لإستمرار دويلتهم . لقد شهدت تلك الحقبة أولى الحلقات من مسلسل السيطرة على لبنان، وفي السياق نفسه يأتي اغتيال شهيد لبنان الكبير الرئيس رفيق الحريري، وشهداء ثورة الارز الابرار، وفي هذا الإطار ايضاً أتى مخطط الاسد مملوك سماحة، الذي اراد منه النظام السوري احداث فتنة طائفية كبرى. نعم ايها السادة استقلت كي لا أكون شاهد زور على نحر العدالة. استقلت كي لا أكون شاهد زور على محاكمات صورية للذين يفجرون الكنائس والمساجد.”
وشدد ريفي على انه “امام خطر استمرار مفاعيل الوصاية، وتهديد مقومات الوطن، لا يمكن لنا بحكم مسؤوليتنا الوطنية والاخلاقية، الا ان نكون جميعاً على قدر ما وضعه اللبنانيون فينا من آمال. الدويلة تفتت سيادة الدولة وهيبتها، وتضرب المؤسسات، وها هي رائحة الفساد تزكم الانوف، وقصر بعبدا فارغ بالقوة القاهرة التي فرضتها الدويلة، واللبنانيون يكادون يفقدون الامل في دولتهم. لهذا نحن مدعوون اليوم جميعاً الى وقفة شجاعة والى نقد ذاتي، والى اعادة اطلاق مسيرة الاستقلال التي صنعها اللبنانيون مسلمين ومسيحيين، فلنعد الى الجذور، فلنعد الى ثوابت الإستقلال المجيدة. فلنعد إلى ثوابت الإنتفاضة السلمية التي حققها شباب وشابات لبنان عام 2005. بذلك ننتصر وينتصر لبنان.”
وختم ريفي:”تحية تقدير وإمتنان للقوات اللبنانية ولرئيسها الدكتور سمير جعجع على هذا اللقاء الوطني، وعلى أمل أن نلتقي وإياكم قريباً على مشهد مغاير لواقعنا الحالي، مشهد الدولة العادلة والقوية، مشهد الدولة المستقلة . دولة المؤسسات .دولة العدالة ، دولة القانون وحقوق الإنسان”.