#adsense

البطل النادر الذي يلتقط اللحظة لا البندقية

حجم الخط

في “13 نيسان”، ماتت أشياء كثيرة، وأشياء كثيرة كان يجب أن تولد ولم تولد بعد.

مات نظام، وماتت أوهام، وأحلام كثيرة كان يجب أن تولد ولم تولد بعد.

واحد وأربعون عاماً والموت متواصل. ولن تتوقف أمواج الموت ما لم يُخلقْ نظام جديد. عهد جديد.

وحده نظام جديد يمكنه أن يعيد تدفق نهر الحياة. كل عناوين ما قبل “13 نيسان”، تموت ولا شيء يحل محلها. كل منارةٍ تنطفئ من تلك الحقبة، لا يحل محلها منارة جديدة. ذلك أن قيام منارات جديدة يستلزم نظاماً جديداً يرعاها، وبيئة ملائمة تحتضنها، وتجارب فكرية تخوضها. وبما أننا قتلنا نظامنا القديم، و”نظام الطائف” مات جنيناً، فلا شيء جميلاً ولِدَ، وحَلَّ محلَّ كل جميل مات.

الذي قتلناه قبل أوانه، على علاته، أعطى أشياء جميلة جداً. أعطوني اسم اديب مات، وجاء، بعد العام 1975، نظير له. مخايل نعيمة؟ يوسف حبشي الأشقر؟ جبران؟ أعطوني اسم شاعر يضاهي شهرة سعيد عقل، وأنسي الحاج وجوزيف حرب.

فيلمون وهبه مَنْ على كعبه؟ زكي ناصيف مَنْ مِنْ مدرسته؟ عاصي ومنصور. عبد الغني شعبان.

رحلوا ووراءهم الفراغ الكبير. حتى من لا يزالون على قيد الحياة هم مناراتٌ ولدَتْ أيام النظام القديم. أمين معلوف. زياد الرحباني. مرسيل خليفة.

حتى النظام السيء يأتي بالعباقرة لينتقدوه ولينقضوه. وأبشع حال هي حالنا، إذ مات نظامنا ولم يترك وريثاً أو بديلا. هو الخواء نعيشه منذ رفعنا البخور على نية من مات، ولم نسمع صيحةً لمولودٍ جديد. ومما يزيد في قتامة الصورة أن “الطائف” توقف قلبه منذ ربع قرن، وهناك من لا يزال يضع على صدر الميت جهاز الصدمات الكهربائية، ويضرب ويضرب. ومع كل ضربة يزداد الميت موتاً!

ما كان أحسننا لو طُبِّقَ الطائف، ولو لعشر سنين. لو طُبِّقَ نصاً وروحاً لعهد رئاسي أو لعهدين، لكان ترك لنا مجال الغضب منه. والثورة عليه. لكان أنبت أدباء وشعراء مرحلته. ولكن من تعاسة حظنا أننا حُرمنا من “المنيح والوحيش”. ونُكابر. ونُكابر. ونرفض الاعتراف بالواقع وبالوقائع. وموقفنا من النظام الميت كموقفنا من أشياء كثيرة، ابتلعها ذلك النظام ونرفض تصديق عقولنا وأحيانا عيوننا. لدينا معتقلون في سوريا وفي ليبيا. من يجرؤ على إعلان “احتمال” أنهم ماتوا وأصبحوا شهداء؟ في ظل الخواء، حتى الاحتمالات ممنوعة. لا بل صاحبها شيطاني النزعة وشرير وخائن.

في “13 نيسان” كانت البطولة تلقائية. وعند خطر القتل أو التشريد، يسهل إيجاد الأبطال. لكن القتل والتشريد أقل خطراً من إنعدام الجاذبية في النظام. هذه حالنا الحاضرة. والأبطال في هذه الحال نادرون، لأن التقاط اللحظة التاريخية أصعب كثيراً من التقاط بندقية صيد أو مدفع رشاش.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل