#adsense

قصة حياة في محيط مخيم تل الزعتر

حجم الخط

قصة حياة في محيط مخيم تل الزعتر

هناك بدأت الحرب قبل الحرب

(د. فادي الأحمر)

سأل شارل صديقه الشاب الخمسيني: لو عاد الزمن الى الوراء، هل تحمل السلاح من جديد وتقاوم؟

أجاب الشاب: أنا اليوم مسالم، ولكني لست مستسلماً. أرفض الحرب. اخشى قساوتها وهمجيتها. لا أريد ان أعيشها من جديد. ولا أريد ان أرى الخوف من جديد في دموع أمي، ولا ان أسمع بكاء شقيقتي الصغيرة. ولكن لكل قرار ظروفه. وإذا ما تكرّرت الظروف بشكل او بآخر ربّما اتّخذ القرار ذاته.

الجواب كان مختصراً على سؤال حول خيار شكّل “الحياة الأولى” لذاك الشاب. ولكنه معبّر جداً. تكلّم بنبرة فيها الكثير من التصميم والألم. تفاجأ شارل. صمت الصديقان لدقائق. ارتشفا آخر الفنجان. ودّعا بعضهما البعض. وانتهى اللقاء الأسبوعي.

ولكن السؤال بقي يجول في فكر ذاك الشاب. إنها قصّة حياة استمرّت سنوات. كان فيها حياة وموت. إصابات وأشلاء. تهجير ودمار. خوف وهلع. حزن ودموع… ولكن كان فيها أيضاً حماس واندفاع. والأهم من كل ذلك التزام بمجتمع وقضية ووطن. وراح ذاك الشاب يطرح السؤال على ذاته: لماذا ترك جامعته واختصاص الهندسة الذي كان قد بدأه وحمل السلاح؟ وهل الظروف هي فقط تلك التي سبقت مباشرة ذاك الخامس والعشرين من آب، يوم التحاقه؟ أم انها تراكم احداث ومواقف ومشاهد… أثّرت في نفسية الشاب وصنعت شخصيته وكانت الدافع لقراره؟ وإذ بالذاكرة تعود الى ذاك الأحد في 13 نيسان 1975.

كان الشاب فتى ابن عشر سنوات برفقة أهله في “الضيعة” لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. وإذ بخبر استنفار الفلسطينيين في مخيم “تل الزعتر” يرِد. وأن الأجواء متوتّرة جداً. حادثة “بوسطة عين الرمانة” كانت قد حصلت. وأقام “الفدائيون” الحواجز. وبدوأ تفتيش المارّة وخطف الكتائبيين منهم. تسمية الفدائي التي كان يفتخر بها الشعب الفلسطيني، كانت تخيف الصبي. تذكّره بـ “معتصم” الذي غالباً ما كان يظهر في “الحي” بلباسه العسكري، حاملاً سلاحه وكامل عتاده الحربي. وكأنه ذاهب لتحرير فلسطين و”القدس”.

فرِح الفتى بتوقّف الدروس وببقائه في “الضيعة”. هنا يمكنه اللعب بحرية في الطبيعة. بينما في منزله المحاذي لمخيم “تل الزعتر” فممنوع عليه ذلك. لم يعلم ان ذاك “الأحد” سيطول. وان العودة الى المنزل لن تكون سريعة. ولم يعِ حينذاك قلق أهله وخوفهم من تكرار تجارب التهجير التي عرفوها قبل العام 1975. فما الذي كان يحدث في “تل الزعتر” قبل اندلاع الحرب؟

بعد اتفاق القاهرة في تشرين الثاني 1969 الذي أطلق حرية العمل الفلسطيني المسلّح بدأ الفلسطينيون يزدادون تسلّحاً ويوسّعون نفوذهم في محيط “تل الزعتر” على حساب المنطقة التي كان يقطنها ذاك الفتى. فهي تحتل موقعاً جغرافياً استراتيجياً مشرفاً على ساحل المتن الشمالي وعلى جزء من بيروت وبخاصة منطقة الأشرفية. حينها بدأ يتّضح أكثر فأكثر ان هدف ياسر عرفات ليس تحرير فلسطين إنما السيطرة على لبنان انطلاقاً من المخيمات التي أصبح “تل الزعتر” الواقع في الضواحي الشمالية – الشرقية لبيروت، واحدًا من قلاعها الحصينة.

في 25 آذار 1970 وقع أوّل صدام عسكري بين الفلسطينيين وحزب الكتائب الذي كان مؤيّداً للقضية الفلسطينية ولكنه معارض شرس للوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان. الشرارة انطلقت من الكحاله اثر إشكال بين ابناء البلدة وفلسطينيين كانوا في موكب تشييع أحد رفاقهم ويشهرون السلاح بشكل استفزازي. توتّرت الأجواء في محيط “تل الزعتر”. خرج الفلسطينيون من المخيم بسلاحهم. فهبّ الرجال لحماية عائلاتهم وأهلهم. صورة الوالد، غير الحزبي، حاملاً السلاح ورابضاً على سطح المنزل طيلة الليل لحماية عائلته، لا تزال حاضرة في ذهن الفتى. وقصّة اختطاف ابن خاله حبيب مع بشير الجميل من قبل الفلسطينيين، على بعد بضعة أمتار من المنزل، ترافقه منذ الصبا. كل ذلك حدث في أسبوع الالآم. ولكن “القيامة” لم تأتِ في ختامه. ففي كل سنة كان الصبي يُهجَّر من منزله لفترة أيام او أسابيع بسبب السلاح الفلسطيني المنتشر في كل مكان، والذي كان يصطدم حيناً مع القوى الأمنية اللبنانية، ويستفز حينا آخر أبناء المنطقة، ويُستهدف أحياناً من قبل سلاح الجو الإسرائيلي.

تلك الأحداث التي عاشها الفتى كانت الطريق المؤدي الى “النفق المظلم” الذي دخل فيه لبنان في 13 نيسان 1975. لم تنتهِ “عطلة نهاية الاسبوع” ذاك الأحد. استمرّت أسابيع وأشهر. سمع خلالها الفتى الكثير عن مآسي الحرب وويلاتها. لعل أبرزها خطف والده ووالدته من قبل الفلسطينيين في مخيم “تل الزعتر” بينما كانا يجلبان بعض الأغراض من المنزل. أوقفهما عناصر من حركة “فتح” لساعات. وضعوهما في غرفتين منفصلتين للتحقيق. وكاد ان يصدر “حكم الإعدام” بحقهما لولا ان الأقوال كانت متطابقة. غادرا المخيّم ولم يعودا…

بعد أيام على سقوط “تل الزعتر” رافق الصبي أهله الى المنزل. شاهد فظاعة الدمار. واشتمّ رائحة الموت. فانطبعت في ذهنه. وراح يتأمل في عيون والده الحسرة على خسارة ما جنَته يداه على مدى سنوات. في تلك النظرات بدأت تنمو بذور قرار لا واعي، ربّما، بحمل السلاح عند الضرورة ضد أي غريب يهدّد أهله ويحتلّ منزله. ولكن قبل ان يكبر الصبي تكرّرت التجربة. بعد سنتين اندلعت “حرب المئة يوم”. سيعي الفتى خلالها أهوال الحرب أكثر من السابق. وسيزداد تصميمه للدفاع عن نفسه وعن أرضه عندما تدعو الحاجة.

بدأت “الجلجلة” الثانية في ليلة قصف غزير قضاها الفتى مع اخوته ووالديه مفترشين الارض في غرفة اعتقدوا أنها آمنة! كان يستيقظ مرتجفاً عند كل انفجار. لم يكن يعلم حينها أن سماع انفجار الصاروخ يعني النجاة منه. وكانت شقيقته الصغرى تقفز فوق ظهره وكأنها لوح خشبي جامد تصرخ من شدّة الخوف… طويلة كانت تلك الليلة، وذكرياتها الى اليوم. نجت العائلة بأعجوبة… وبدأت مرحلة تهجير ثانية احتل خلالها الجيش السوري منزل الفتى. وعاث فيه تدميراً وخرابا…

توالت المعارك وملاحم بطولات الشباب المقاومين… وأصبحت مشاهد المذابح في حرب الجبل أكثر قساوة… لم يستطع الفتى الذي أصبح طالباً جامعياً ان يبقى على هامش الأحداث. قرّر ان يكون فاعلاً فيها…

وها هو الشاب الخمسيني اليوم يشاهد أهوال الحرب السورية. يتابع أحداثها بعين المراقب المتخصّص. فهو كان قد اختار سوريا موضوعاً لأطروحته. وعندما سأله المشرفون عن سبب هذا الاختيار أجاب بأنه أراد ان يفهم سبب الحرب والأهداف الجيوسياسية التي دفعت بالنظام السوري الى احتلال لبنان والهيمنة عليه لسنوات. أما هدفه المساهمة في عدم تكرار الحرب…

وإذ بالحرب تندلع في قلب سوريا. تقتل شعبها. تدمّر منازلها والبنى التحتية. تهجّر الملايين… وبدل ان يكون استقبال اللبنانيين لهم مناسبة للتصالح بين الشعبين، غدت مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية عاملاً لتعميق الحقد بينهما، أو أقلّه بين غالبية الشعب السوري وقسماً من اللبنانيين! وغدا نزوحهم الى لبنان مصدر قلق أمني وجيوستراتيجي لأنه يهدّد بتغيير التركيبة السكانية الطائفية في لبنان التي هي مسألة جيوسياسية بامتياز.

الأحداث التي سبقت 13 نيسان 1975 وبعده بدّلت حياة العديد من أجيال الحرب. بالنسبة لذاك الشاب، كانت وراء اتّخاذه قرار حمل السلاح ومقاومة الغريب الذي تخطّى شروط الضيافة والآخر المحتلّ. فساهمت في خيار “حياته الأولى”!

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل