كان خبرا عاديا من تلفزيون لبنان
وقوع بعض الحوادث في عين الرمانة ومباشرة التحقيق
بقلم عادل مالك (من مقدمة كتابه “حرب السنتين وبعد…”)

هذا الكتاب ” حرب السنتين وبعد…” ولماذا الآن؟
13 نيسان (أبريل) من العام 1975
أذكر جيدا انه كان يوم أحد بداية فصل الربيع في لبنان.
كنت في مبنى “تلفزيون لبنان والمشرق” القائم في منطقة الحازمية (إحدى ضواحي العاصمة اللبنانية بيروت) المتوهجة والساحرة في ذلك الزمان.
كنت اعمل منذ الصباح على إعداد نشرة الأخبار، وكنا في تلك الفترة نعتمد على الأخبار العالمية التي تصل إلينا عبر وكالات الأنباء المحدودة، في حين ان الأخبار المحلية كانت تأتينا، ولو بشكل مختصر، من الوكالة الوطنية للأنباء.
مع انتصاف النهار رنّ جرس الهاتف في مكتبي، وكان المتحدث أحد الأصدقاء وقد بدا في صوته قلق واضح وهو يسأل: “هل تعلم ما الذي حدث في منطقة عين الرمانة؟”.
.jpg)
أجبت بالنفي. وعندها قال لي: “هناك حادث كبير في محلة عين الرمانة، حيث يسمع إطلاق النيران بكثافة.” وأضاف: “بلغني أن اطلاق النار استهدف أحد الباصات (البوسطة) وكان يمرّ من منطقة الشياح المجاورة محمّلا بالركاب.”
وقاطعت محدّثي سائلا: “هل من ضحايا؟ ومن هم الذين كانوا داخل الباص؟”
أجابني: “إن المعلومات الدقيقة حول ما جرى لا تزال غير معروفة حتى اللحظة، وكل ما علمت هو ان البوسطة كانت تنقل عددا من الفلسطينيين المتوجهين الى منطقة مخيم تل الزعتر.”
وانتهت المكالمة بيني وبين الصديق لأسارع على الفور الى إجراء الاتصالات والاستفسار عما حدث، فإذا بأخبار تتوالى لتحكي التفاصيل الآتية:
كان رئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل يحضر قداسا في كنيسة عين الرمانة، وبعد انتهاء مراسم الصلاة، سُمعت أصوات نيران كثيفة تتعالى في أرجاء تلك المنطقة، ليتضح في ما بعد ان ضحية ذلك الحادث هو أحد شبان المحلة من عائلة أبو عاصي. ثم توالت معلومات بعض شهود العيان ليتضح ما يأتي:
في تلك الأثناء صادف مرور البوسطة التي تحمل عددا من اللاجئين الفلسطينيين، فتعرّض الموكب لإطلاق نار كثيف “من جهة غير محددة بالضبط”، ما أدّى الى سقوط العديد من ركاب تلك الحافلة بين قتيل وجريح. وعلينا الإشارة هنا الى ان الفترة التي نتحدث عنها، لم تكن وسائل الاتصال متوافرة بسهولة خلالها. وتكشّف الأمر بعد ذلك عن المأساة الكبيرة لتُعرف في ما بعد بحادث “بوسطة عين الرمانة”.
وانتظرت ورود أيّ معلومة من مصدر رسمي عمّا جرى من جانب الوكالة الوطنية للأنباء أو غيرها، ولكن دون جدوى.
.jpg)
أتذكر ان رئيس الجمهورية اللبنانية الرئيس سليمان فرنجية كان يرقد في أحد أسرة مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت إثر خضوعه لعملية جراحية، عندما بدأت الأخبار عن “موقعة عين الرمانة” تُنشر بالتواتر. وحتى ذلك الحين، لم يصدر أي جهاز رسمي معلومة أو خبرا يوضح أو يكشف ما الذي جرى في عين الرمانة.
حاولت بشتى الوسائل معرفة حقيقة ما جرى، ولكن حالة من الوجوم سادت العاصمة بيروت والضواحي وسائر المناطق اللبنانية.
كان موعد نشرة الأخبار التلفزيونية يقترب، وليس لديّ سوى بعض الأخبار المحلية العادية والكثير من الأخبار العالمية عن الحرب في فيتنام التي كانت مستعرة في تلك الفترة. ووقعت في الإحراج المهني: كيف يمكن الظهور على الشاشة الصغيرة وتقديم نشرة الأخبار دون الإشارة الى ما حدث. وأذكر أنني بينما كنت في طريقي الى الاستوديو، وردني اتصال من الوكالة الوطنية للاأنباء، وجرى إبلاغي بخبر مقتضب جدا، تحدّث عن “وقوع بعض الحوادث في منطقة عين الرمانة، وان السلطات المختصة باشرت التحقيق لكشف ملابسات ما حدث؟”
.jpg)
وصدرت الصحف المحلية صبيحة اليوم التالي وهي تحمل العنوان الرئيسي العريض (أو المانشيت كما نسميه بلغتنا المهنيّة): “مجزرة بوسطة عين الرمانة وسقوط أكثر من ثلاثة وعشرين ضحية فلسطينية وعدد من الجرحى من ركاب البوسطة.”
وبدأت تداعيات هذا الحادث بالانتشار بسرعة مذهلة في مختلف الأوساط اللبنانية، وأدت الى حال من الاستنفار داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
كان حادث عين الرمانة بداية انطلاق الحرب اللبنانية – الفلسطينية. وبرزت خطوط التماس الأولى (الشياح – عين الرمانة) وبقيت خمسة عشر عاما ويزيد من أكثر الحروب الأهلية شراسة وفداحة. وبدأ ذلك منذ ذلك الوقت تكريس التقسيم بين “بيروت االشرقية” و “بيروت الغربية.”
ومع مرور الزمن بدت جبهة الشياح – عين الرمانة كأنها موقع ستالينغراد في الحرب المدمرة بين الجيش السوفياتي والقوات النازية.

رافق اندلاع أقسى المعارك وشراستها حرب الاتهامات المتبادلة بين “الجانب المسيحي” من جهة و “الفريق الإسلامي” والفلسطيني في الجانب الاخر، ليتضح لاحقا ان لبنان سقط في واحدة من أقذر أنواع الحروب، تداخل فيها العديد من العوامل والعناصر، والتي سنعرض لها بالتفصيل في الفصول الآتية.
هذا الأمر يوصلني للحديث عن مضمون هذا الكتاب. ففي رغبة صادقة وواضحة، أضع أمام قرّاء “حرب السنتين وبعد…” العديد من الوثائق المعلوماتية وذات الارتباط المباشر والوثيق بالهاوية التي سقط فيها الوطن، بل ومن أسقطه فيها.
لقد آليت على نفسي في كافة مراحل حياتي المهنية ان احترم عقل المواطن أينما كان والى أي جهة انتمى، وان أضع أمامه الحقائق المجرّدة، وأترك لهذا القارئ الرغبة في ممارسة حرية التحليل، وهو الأمر المنطلق من المدرسة التي نهلت منها العلم والمعرفة في مجال الإعلام والتي تقوم على عدم المزج بين الخبر والتعليق، أو بين المعلومات المجرّدة والآراء الشخصية، مع الإشارة الى أنني اسجّل رأيي الشخصي في هذه القضية أو تلك دون ممارسة أي ضغط أو قمع فكريّ على كل باحث عن الحقيقة، في ظروف مصيرية ضاع معها في الحروب اللبنانية منذ منتصف القرن الماضي ووصولا الى العام 2015، وهو الذي يكتب وينشر في هذا الكتاب.
لذلك فإنني أقدّم هذا الكتاب على انه كتاب معلومات وليس كتاب موقف او انحياز.
حرب من؟
حرب من تلك التي اندلعت في الثالث عشر من نيسان (أبريل) من العام 1975، حتى يومنا هذا؟
نطرح العديد من التساؤلات علّنا نتوصّل في نهاية الأمر الى بعض الحقائق.
هل هي حرب أميركا هنري كيسنجر؟

أم هي حرب إسرائيل في سعي لإعادة رسم خارطة المنطقة والقضاء على التعايش المسيحي – الإسلامي وضربه في العمق وفي الصميم لضمان استمرارية النظام العنصري في إسرائيل؟
لقد كان لبنان مضرب مثل في الصيغة التي جمعت ثمانية عشر مذهبا في إناء وطني واحد، لنكتشف لاحقا ان التعايش بين اللبنانيين على اختلاف توجهاتهم كان نعمة ثم تحوّل الى نقمة.
إنها حرب هؤلاء جميعا مع أمور أخرى، لأن ما ابتلي به لبنان كان غريبا وفريدا، كغرابة وفرادة الوضع اللبناني.
ان الأعجوبة التي سيّرت لبنان “عين الله ترعاه” تواصلت على مدى ثلاثة عقود ويزيد قليلا، ثم توقفت فعالية هذه الأعجوبة في حينه، وصار على لبنان ان يعيش قضية ألا وهي “القضية اللبنانية”، وصار على اللبنانيين ان يفكّروا في بناء الوطن، وفي بناء الدولة اللبنانية.
كانت أخبار “حرب السنتين” معروفة وشائعة، بل إنّ البعض “بشّر” بها قبل ان تقع.
عميد الكتلة الوطنية الأستاذ ريمون إده قال لي إنه تلقى معلومات عن “قبرصة لبنان” قبل بداية مسلسل الأحداث. كذلك قال لي الزعيم كمال جنبلاط إن سفير دولة كبرى أبلغه “أن الأحداث التي بدأت في لبنان لن تنتهي قبل سنتين على الأقل.” وهذا ما حدث بالفعل.

مسؤول عربي كبير أبلغ بعض اللبنانيين ان يأخذوا علما بعدم الإقدام على أيّ مشروع يقع خارج حدود منطقة الزهراني في جنوب لبنان “لأنه ليس مؤكدا ان يبقى الجنوب منطقة لبنانية”!
وبالإضافة الى ذلك، وفي لقاء خاص مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وبعد اندلاع الحريق اللبناني الأخير بوقت قصير، قال لي بالحرف: .. “في لبنان كارثة أفظع من كارثة فلسطين.”.. وقال بانفعال شديد : “ألا تكفينا فلسطين واحدة؟”
وحيال ما سمعت منه عن تصوّراته للأوضاع في لبنان والمنطقة، بدا لي لاحقا وكأنه كان يقرأ من كتاب.
سألت : “هل من خطوة محددة لوقف التدهور الخطير؟”
قال : “سجِّل لديك. إنني على استعداد تام للتوجه الى بيروت وتأمين اللقاء بين الرئيس سليمان فرنجية وياسر عرفات، ولن أغادر بيروت قبل التوصّل الى حلّ للوضع الإشكالي الكبير، وهذا ما يجب ان يتم في أقرب فرصة، قبل فوات الأوان.”
وفعلا.. فات الأوان.
وإذا بالوضع المتفجّر في لبنان لا ينتهي بسنتين.
وإذا بـ “القبرصة” تسود كحالة تقسيمية، واقعية ونفسية ولو أنها لم تكن معلنة من ناحية القانون الدولي.
وإذا بالجنوب اللبناني تجتاحه إسرائيل وتعربد وتعبث بجغرافية جزء أساسي من خارطته العزيزة على لبنان.
وإذا بنزوح اللبنانيين في الجنوب يشكل كارثة أكثر فداحة من فلسطين في العام 1948.
في الغد، وفي الآتي من الأزمات، عندما سنروي لأبنائنا ولأحفادنا سيرة الحرب القذرة، ولو بأسلوب مخفف او ملطّف أو تحت تأثير عامل النسيان، قد يتهمنا الأبناء بأننا نبالغ في وصف الصور البشعة وشراسة الحرب. إن ما حدث فاق كل تصوّر، وليس من الطبيعي، مهما مارس الإنسان رقابة ذاتية على نفسه، ان يكون في موقع المحايد وهو يرى وطنه يذبح وينحر على مرأى الجميع.

هل نحسد الجيل الذي لم تكتب له معايشة هذه الحرب؟ نخشى إذا نحن “حسدناه” أن يدفع هذا الجيل إيّاه ثمنا آخر وهو العيش في أجواء النتائج التي أفرزتها هذه الحرب بحد ذاتها الى مرحلة ما بعد الحرب.. هذا إذا انتهت الحرب فعلا.
وهنا أصارح الجميع بما أنا فيه وعليه: والمشكلة تتلخّص في طرح أوجه المقارنة بين أين كنا في ذلك الزمن الجميل وما نحن عليه اليوم.
لقد كان لبنان الجوهرة التي ألقيت في سلّة النفايات، وعندما افتقدها اللبنانيون الحقيقيون بانت معالم الأزمة.
انتهت الحرب فعلا واستمر اللبنانيون يبحثون عنها بإلحاح شديد وفي ضوء مصباح ديوجين، لكن عبثا كان البحث والتفتيش. لقد ضاعت الجوهرة وابتلعتها بصمات الحرب الطاحنة.
إن لبنان في الحرب، كما في السلم، لا شيء فيه يبلغ نهاية حتى ولو كان الامر بحجم وخطورة حرب السنتين.
