حرب السنتين… وبعد

حرب السنتين… وبعد

نهاية الربيع الجميل في لبنان

لأول مرة يخرج الإعلامي عادل مالك، المعروف بحياده وموضوعيته وإحاطته بمختلف جوانب المادة التي يعالجها، عن تحفظه الذي اشتهر به، فيكشف ما عنده من أسرار ومعطيات جمعها خلال حرب السنتين (1970 ـ 1976) بحكم موقعه المميّز في المطبخ الإخباري في تلفزيون لبنان، وعلاقات الثقة الوطيدة برئيس الجمهورية الراحل سليمان فرنجية وسائر القيادات السياسية الفاعلة في تلك الحقبة. فمن خلال روايته لتفاصيل أغفلتها معظم المؤلفات التي كتبت عن تلك المرحلة، كما لتفاصيل ما يكان يدور في الكواليس السياسية ودوائر القرار، قدم عادل مالك ما يمكن تسميته بالصورة الكبرى، جامعًا أجزاء الصورة التي حاولت القراءات المؤدلجة رسمها في سنوات الحرب اللبنانية وبعدها.

كتاب “حرب السنتين وبعد”… للإعلامي مالك، الصادر عن دار سائر المشرق عام 2015، هو أقرب ما يكون الى يوميات شاهد عيّان، والتأريخ الموضوعي والتوثيق الإخباري يسد فجوات عديدة ويضع بين يدي القارئ مجموعة وثائق مهمة أبرزها مشاريع تقسيم لبنان التي جرى إعدادها خلال تلك الحرب وبعدها، والتي تُرخي اليوم بظلالها على منطقة الشرق الأوسط برمتها.

إثر حرب الخامس من حزيران 1967 وما انتهت إليه من كوارث لمصر والعرب، نشأت حركة المقاومة الفلسطينية من منطلق البديل عن فشل جيوش الأنظمة العربية. وعقب أحداث “أيلول الأسود” في الأردن بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية التي كانت تسعى بشكل أو بآخر للاستيلاء على السلطة، حيث طُرح شعار الوطن البديل، تدفق عدد كبير من الفلسطينيين الى لبنان للإفادة من حدوده الجنوبية والانطلاق منها في أعمال فدائية ضد إسرائيل. وكان ذلك خرابًا على لبنان، فمنذ ذلك الحين نشأ التناقض بين “منطق الدولة” و”منطق الدويلة”، حيث مارست العناصر الفلسطينية أقصى الضغوط على السلطة اللبنانية وعلى اللبنانيين بشكل عام.

حيال تعقّد الوضع، ركز رئيس الجمهورية آنذاك شارل حلو على التوصل الى صيغة تسعى الى “تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان”، وقد ذهب لبنان الدولة يومها الى أبعد مما كانت تتصوره المقاومة الفلسطينية، فكانت “اتفاقية القاهرة” في العام 1969 التي شكلت تحوّلاً في تاريخ العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، وخصوصًا لجهة “شرعنة” الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان آنذاك، والسلاح غير الشرعي فيما بعد وحتى هذه الأيام. إذاً منذ ذلك الاتفاق البائس بدأت المقاومة الفلسطينية بمحاولات أخذ لبنان وطناً بديلاً عن وطنها الأصلي، وباتت طريق القدس تمر في جونية.

وجاء يوم 13 نيسان 1975،  اليوم الذي كان ينتظره الفلسطينيون منذ زمن للاستيلاء نهائيًا على السلطة اللبنانية. فبينما كان يقام احتفال تدشين كنيسة جديدة في شارع الشيخ بيار الجميل في منطقة الشياح ـ عين الرمانة يحضره الجميل شخصيًا مع عدد من كوادر حزبه وقاعدته الشعبية، إذ بسيارة “فولسفاكن” مغطاة الرقم تخترق الشارع المذكور، فأوقفها أحد رجال الأمن طالبًا من سائقها “الفدائي الفلسطيني” نزع الغطاء عن رقم السيارة والعودة أدراجه. ولكن ما هي إلا لحظات حتى اجتاحت ذات الشارع سيارة “فيات” مسرعة ومغطاة الرقم أيضًا وفي داخلها أربعة مسلحين ووراءها باص في داخله 20 مسلحًا عائدين من مهرجان فلسطيني، وأخذوا يطلقون النار على جموع المؤمنين المصلين، مما أدى الى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى بينهم شهيد المقاومة المسيحية الأول جوزف أبو عاصي المسؤول الكتائبي آنذاك في عين الرمانة “قلعة الصمود”.

ليل ذلك الأحد الحزين عُقد اجتماع في بيروت برئاسة كمال جنبلاط للأحزاب اليسارية التي كانت تسعى للانقلاب على النظام اللبناني والقضاء على صيغة العيش المشترك القائمة منذ الاستقلال الأول عام 1943. صدر عن ذلك الاجتماع بيان يدعو الى عزل حزب “الكتائب”. وكأنه كان المطلوب حينها من حزب “الكتائب” الاعتراف بجريمة لم يرتكبها. فمنطقة عين الرمانة تعرضت لاجتياح المسلحين الفلسطينيين، وأهل تلك المنطقة هم الذين هبّوا للدفاع عن وجودهم ووجود منطقتهم الحرة.

في اليوم الثالث لبداية الحرب اللبنانية، وبينما نطاق الاشتباكات يتسع ليشمل مناطق مختلفة من بيروت وضواحيها، مما أدى الى سقوط أكثر من 200 قتيل، قام الشيخ بيار الجميل “بتمثيلية” لتنفيس الوضع المتفجر، فقد قام إبن بكفيا بتسليم شخصين من حزبه مع وعد قاطع أخذه من رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية بإخراجهم بعد فترة وجيزة.

يوم 15 أيار 1975 قدم رئيس الحكومة آنذاك رشيد الصلح استقالته الى الرئيس فرنجية وراحت تظهر في الأجواء معالم توقعات وتكهنات توحي بأن الجو يحمل في طياته وبين غيومه الملبّدة حدثاً ما. وصدق الحدث عندما أذاعت أجهزة الإعلام الرسمية مساء 23 أيار وبشكل مفاجئ مراسيم تأليف أول حكومة عسكرية في تاريخ لبنان مكوّنة من ثمانية عسكريين ومدني واحد برئاسة العميد أول المتقاعد نور الدين الرفاعي. إلا أن هذه الحكومة التي لم تسبق مراسيم تأليفها أي استشارات نيابية كتلك التي ينص عليها الدستور، قدم رئيسها استقالته بعد 3 أيام على ولادتها بناءً على طلب الفريق التقدمي ـ الإسلامي الذي اتخذ بعد اجتماع له مع وزير الخارجية السورية آنذاك عبد الحليم خدام، قرارًا بتسمية رشيد كرامي دون سواه لتأليف الحكومة الجديدة.

كان الرئيس فرنجية معارضًا لفكرة إسناد مهمة التأليف لكرامي، ولكن بعد اتصالات وصل مداها الى عواصم العالم العربي إقتنع إبن زغرتا بإسناد المهمة لجاره إبن طرابلس، فصدر مرسوم التكليف يوم 28 أيار 1975. أما مرسوم التأليف فصدر يوم 6 تموز. وانقضى شهر تموز والقسم الأكبر من شهر آب في ذلك العام في أجواء تتجاذبها تيارات التهدئة وتيارات التوتر، خصوصًا عندما بدأت الجهات اليسارية تدعو الى الاستفادة من ظروف الاشتباكات الدامية التي وقعت، والعمل على إعادة النظر بالقوانين وتفاصيل المشاركة في الحكم وتطبيق اتفاق القاهرة، في الوقت الذي فتحت فيه الحكومة الجديدة الحوار مع الدول العربية لدعم الموقف الداخلي المتمثل بالحوار السياسي.

شهر أيلول 1975 عُرف بـ”أيلول الأسود” نتيجة الأحداث الدامية التي وقعت في محافظة الشمال، وتحديدًا بين مدينتي زغرتا وطرابلس، وجريمة دير عشاش القبيحة، فقد أصابت تلك الأحداث الصيغة اللبنانية بطعنة في الصميم، وبدا أن التعايش اللبناني قد تآكل من أساسه، وبات كالمنزل بلا سقف.

مع بداية شهر تشرين الأول من عام 1975 كانت كل الاتفاقات التي عُقدت لوقف إطلاق النار قد خُرقت، وعادت البلاد للعيش كرهينة بين القتل والخطف، وجُرِّد زعماء الوطن من أحجامهم، ولازموا منازلهم مع مناصريهم الذين فرضت عليهم الأحداث الإقامة الجبرية. اشتدت في ذلك الوقت أيضًا حدة الحديث السياسي من قبل القوى التقدمية عن وجوب إستقالة رئيس الجمهورية، التي أعطت انعكاسات سلبية على مجريات الأمور ومحاولات التسوية.

تشرين الثاني كان شهر المزيد من التوتر والتشابك والتدخل في أبعاد الأزمة اللبنانية. فمع بدايته استمر التوتر في زحلة والدامور والقنطاري، كما تطورت الأحداث الى وضع العبوات الناسفة أمام المؤسسات الصحافية.

كانون الأول 1975 كان شهر الفتنة بامتياز، فمن يستطيع أن ينسى يوم السبت 6 كانون الأول 1975 الذي بات يُعرف بـ”اليوم الأسود”؟ فعند منتصف ليل ذلك اليوم، نصب مجهولون كميناً لأربعة كتائبيين كانوا يمرون بسيارة على طريق بيت مري ـ الفنار، وأقدموا على قتلهم وقطع أوصالهم بالفأس وإلقاء جثثهم في الفنار، وفي اليوم التالي بعد العثور عليهم تم إبلاغ ذويهم الذين ثارت خواطرهم ومشاعرهم فخرجوا مع مجموعة من حزب “الكتائب” الى الشوارع، وبدأت عملية خطف عدد من الناس الأبرياء وقتل بعضهم انتقامًا.

حلّت الأعياد في ذلك الشهر في أجواء كئيبة قاتمة مثيرة للمشاعر والأحاسيس المختلفة. إستقبل اللبنانيون عام 1976 باستمرار الحوادث الفردية وسيطرة المسلحين على مختلف المناطق الرئيسية في بيروت، وبتزايد حرب البيانات. شهد مطلع ذلك العام الحصار التمويني الذي فُرض على تل الزعتر والذي انعكست مشكلته بشكل سلبي على الوضع الأمني، فتطور الصراع في منطقة الفنادق والأبراج، وتصاعدت العمليات في عاليه وزحلة وطرابلس، كما باتت بيروت تواجه خطرين خطر البرد وفقدان الخبز بسبب النقص في المحروقات، وخطر الدمار والقتل، مما أجبر رشيد كرامي على تقديم استقالته التي لم تؤدِ إلا الى ازدياد الموقف تفجرًا، خصوصًا في بلدة الدامور حيث هُجِّر أهلها وقتل عدد منهم على يد جحافل لواء اليرموك الفلسطيني الذين دخلوا آنذاك من جهة المصنع تحت غطاء سوري…

من أبرز معالم الأحداث الهامة التي شهدها شهر شباط 1976 كانت من دون شك مبادرة الرئيس فرنجية الى إذاعة الوثيقة الدستورية بعد زيارته الى دمشق ولقائه نظيره السوري وصديقه حافظ الأسد، وتضمنت الوثيقة برنامجًا للإصلاح تناول 17 نقطة، وتنفيذ اتفاق القاهرة، وتأكيد عروبة لبنان، والعُرف المتبع بالنسبة الى توزيع الرئاسات الثلاث. كان يمكن لهذه الوثيقة التي ولدت برعاية سورية أن تشكل أسسا لوقف الحرب في لبنان، إلا أن حوادث الخطف والقتل عادت الى نشاطها بزخم أكبر.

مع حلول شهر آذار برزت عوامل التغيير والتطور في مسار الأزمة. أحدٌ لم يكن يتصور أن هذا الشهر سوف يكون مليئاً بعشرات المفاجآت وليس أقلها محاولة انقلاب عسكري بقيادة قائد موقع بيروت العميد عزيز الأحدب يوم 11 آذار 1976، واستمرار هذه المحاولة عدة أشهر لأول مرة في لبنان الذي لم يعرف تاريخه العسكري قيام محاولات كهذه، كون مدرسة الجنرال فؤاد شهاب لم تبنَ على أساس الانقلاب والقمع. كان لانقلاب الأحدب عدة نتائج وخيمة، ولكن أهم ما في ذلك الانقلاب كان كشف النوايا للجهات اليسارية والإسلامية التي ظهرت أنه لا يكفيها أن تأخذ ثمناً للحرب بعض المطالب من النظام، بل أصبح ثمن الحرب قلب النظام بكامله. ولم تعد الحرب حرب تصفية الفلسطينيين بل حرب تكريس سلطتهم على لبنان وتسليمهم زمام الحكم، وأخيرًا وليس آخرًا يمكن القول إنه بعد 11 آذار 1976 بدأت الحرب الحقيقية الشاملة المستمرة في كل زمان ومكان داخل لبنان.

بعد انقلاب 11 آذار مباشرة ذهب وفد كتائبي مؤلف من عضوي المكتب السياسي جورج سعادة وكريم بقرادوني مرتين الى دمشق للاجتماع بحافظ الأسد. أهم ما في هذين الاجتماعين كان ولادة الحل الدستوري القاضي بتعديل المادة 73 من الدستور اللبناني، المادة التي تقضي بإجراء انتخابات رئاسة الجمهورية قبل 6 أشهر من موعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي.

عُقدت جلسة التعديل الدستوري يوم 10 نيسان 1976 في قصر منصور المقر الموقت آنذاك للبرلمان، وتم إقرار التعديل بحضور 90 نائبًا. وتوخيًا للعجلة في إقرار مشروع التعديل وقع رئيس المجلس النيابي آنذاك كامل الأسعد كتاب إحالة القانون الى رئيس الحكومة المستقيلة والمجمدة استقالته رشيد كرامي الذي وقعه وأحاله الى الرئيس فرنجية الذي وقعه بدوره، فاتحًا الباب رسميًا أمام تحديد موعد انتخاب خلف له.

ويوم 8 أيار 1976، عقد مجلس النواب جلسته التاريخية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية في أجواء عسكرية لم تشهدها بيروت من قبل. جرت عملية الاقتراع الأولى بحضور 68 نائبًا نال منها المرشح الأبرز حاكم مصرف لبنان آنذاك الياس سركيس 63 صوتاً مقابل 5 أوراق بيضاء، ثم جرت عملية اقتراع ثانية بعد أن ارتفع الحضور الى 69 نائبًا، أدت الى انتخاب إبن الشبانية المحامي الياس سركيس رئيسًا للجمهورية اللبنانية بأكثرية 66 نائبا.

بانتخاب الياس سركيس رئيسًا انتهى انقلاب عزيز الأحدب الى غير رجعة، وبدأ عهد الاحتلال السوري للبنان الذي دام أكثر من 30 عامًا. ظن البعض أنه بدخول السوري الى جبل لبنان وسحقه للقوات المشتركة اليسارية ـ الفلسطينية وإحكام سيطرته على بيروت والجنوب وانتشاره على معظم أراضي بلاد الأرز، أن الحرب التي سُميت بحرب السنتين قد انتهت، بيد أن الأيام أظهرت أن هذه الحرب لم تكن سوى محطة في حرب طويلة طاحنة استمرت 15 عامًا إضافية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل