
مرة جديدة تضرب الطبقة الحاكمة عرض الحائط بالدستور ونصوصه واحكامه وروحيته، والمؤسف ان من يسير في هذه الجريمة هم المؤتمنون برلمانياً وتشريعياً ودستورياً على كلمة الشعب وارادة الشعب.
عدنا اذا الى مقولة تشريع الضرورة متناسين ان من يستطيع الكثير يستطيع القليل – والقليل جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية اولا – اذ يكفي التلاعب بالدستور ويكفي تدوير زوايا مسقطة للدستور ويكفي تلاعب بنظام دستوري متكامل لا يصح الاستمرار في اعتباره وجهة نظر لا بل خيار من بين الحخيارات المتاحة لتمرير مصالح مزرعة لا مصالح وطن ودولة.
اولاً: كيف يجوز لاحد ان يتكلم عن اعمال نص المادة (32) من الدستور المتعلقة بانعقاد العقدين العاديين لمجلس النواب – ويقفز فوق احكام المادة (74) من الدستور التي نصت بوضوح على اعتبار المجلس منعقداً فوراً وبحكم القانون في حال خلو سدة الرئاسة – لا بل كيف يقفزون فوق نص المادة (75) من الدستور التي نصت بوضوح على اعتبار المجلس الملتئم لانتخاب رئيس للجمهورية هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية الى حين انتخاب رئيس للجمهورية بدليل استخدام النص جملة (دون مناقشة او اي عمل اخر)؟
ثانياً: كيف يمكن لمجلس نواب الامة ان يبرر للرأي العام ان بامكانه الانعقاد لبدعة سموها “لتشريع الضرورة” تماماً كبدعة الديمقراطية التوافقية ولا يمكنه الانعقاد لانتخاب رئيس للجمهورية؟ لا بل كيف يمكن لمجلس نواب الامة ان يبرر للرأي العام او ان يشرح لنا ان بامكانه انتقاء من النصوص ما يناسب التوليفة السياسية القائمة على ” شرشحة ” الدستور وجعله اقل من اداة ولا بل “ممسحة” تستخدم حين نريد محو قباحات ونرميها حين لا نريد الالتزام باستحقاقاتها والتزاماتها وان يكون هذا التصرف دستوريا؟
ثالثاً: ان اخطر ما يحصل حالياً في ظل هذا المجهول الدستوري والمؤسساتي – ومنذ غياب رئيس الجمهورية – ان الحكومة وقسما كبيرا من الطبقة السياسية باتوا معتادين على غياب الرئيس من خلال ما ابتدع من اليات “رئاسية” مهرطقة في عمل الحكومة ومن اليات “تشريعية” مهرطقة في مجلس النواب. فمع 24 رئيس جمهورية … ومع اطلاق بدع كمثل ” تشريع الضرورة ” وسواها، بات لكل عقدة اجتهاد…
فالدولة يجب ان تستمر ولو بغياب الرئيس… حتى ولو بعيدا عن الدستور ومتطلباته ونصوصه واحكامه… منطق ” بلطجي ” لم يعرف لبنان مثال له على مر تاريخه وحتى في احلك ظروفه سابقا…
رابعاً: سواء كنا امام تشريع عادي او تشريع ضرورة، فإن الدستور لم يقر الا بالتشريع بصورته والياته الطبيعية. وفي يقيننا ان المشرع الدستوري لم يكن في باله يوماً ان يصل لبنان الى وضع يصبح من يحكمه باسم دستوره الى هذا الحد من الجهل وواللامبالاة به، الا ان النصوص الدستورية، وان كانت اشارتنا اليها لن تقدم ولن تؤخر على ما يبدو في “نقزة ضمير المسؤولين”، اتت على تحديد اليات تشريعية ليس اقلها اصدار القوانين في المادة (56) من الدستور. فاذا كان مجلس الوزراء قد وضع الية عجيبة غريبة لاصدار المراسيم وطلب نشرها بدل رئيس الجمهورية لا بل لادارة دفة البلاد برمتها بغياب رئيس جمهورية، فهل نصل الى حد يتولى مجلس الوزراء اصدار التشريعات وهي صلاحية اساسية لرئيس الجمهورية بحسب النص المشار اليه اعلاه؟
ممارسة حق طلب اعادة النظر في قانون – بحسب نص المادة (57) من الدستور هل يتولاها ببدعة هرطوقين ايضا مجلس الوزراء ان قرر احد الوزراء – الرئيس جمهورية اعادة النظر ام انه ستقوم القيامة وتنقسم الحكومة ونقع في ازمة وطنية عندها؟
كيف يمكن التوفيق دستورياً وقانونياً وتشريعياً بين صلاحيات رئيس الجمهورية غير المسؤول دستورياً وصلاحيات حكومة مسؤولة امام الشعب… اقله نظرياً كي نقبل بدمج دائم للصلاحيات في جسم واحد متناقض الطبيعة والصلاحيات؟
خامساً: البعض يقول ان السير بالحد الادنى من التفاهمات وتدوير الزوايا والتشريع افضل من الشلل الكلي الى حين انتخاب رئيس وعودة الصحة الدستورية الى الحياة الوطنية – ونحن نقول كما يقول احد الفلاسفة ” ان الفضيلة ام كل الرزائل ” – فبهذا المنطق نسترخص لانفسنا تبرير الفراغ وسقوط الدولة والدستور وجعل التفاهمات تحل محل الدستور لتخلق سوابق عرفية ليصبح مباحا في المستقبل البناء عليه… فنكون من الباطل خلقنا قواعد ليعود ويبنى على الشيء مقتضاه … ثم اذا كان من الممكن القفز فوق غياب رئيس للجمهورية لمدة طويلة، فمن يضمن لنا ان لا يصل البعض الى حد القفز فوق الوطن كله وخير دليل على ذلك تورط فريق لبناني في ازكات المنطقة رغما عن لبنان والشعب والمصالح الوطنية العليا؟
استباحة وتسيب لا مثيل لهما يعيشها الوطن والنظام والدستور، هذا الذي حري بنا بعد اليوم تلقيبه بفقيد الامة… لا بل فقيد منطق الدولة والمؤسسات…