المطران أندره حداد: من مخيمات الرجولة الى حصار زحلة
قال لي قائد الجيش: هل تسلحتم؟ يجب أن تشتروا سلاحًا
(من كتاب: “أنقذتهم من قلب العاصفة”)
.jpg)
بين روم وزحلة
طيلة اقامتي في زحلة كنت اذهب في نهاية كل اسبوع، الى بلدتي روم التي ذاقت التهجير والتشرد. فأقيم القداس للشعب وأحيي سهرات إنجيلية وأؤسس حركات تجمع الشبيبة حول المسيح. وتمكنت بمساعدة كاريتاس ومنظمة فرسان مالطة، من تأسيس مستوصف متطور في البلدة واستقدمت ثلاث راهبات من البيزنسون للعمل فيه. وعملت على تنفيذ اصلاحات وتجديدات في كنيسة البلدة، وساهمت كثيرا في توحيد كلمة المسيحيين فنظمت اقامة قداس واحد في كل من كنيستي البلدة بالدور، مرة عند الكاثوليك ومرة عند الموارنة ويحضره الجميع معا. وما يزال هذا التدبير ساري المفعول الى ايامنا هذه.
سنة 1981 كنت مقيما في المركز المخلصي في حوش الامراء مسؤولا عن دار الصداقة، المؤسسة المخلصية الاجتماعية التي كانت في بداية تأسيسها، في شقة مستأجرة في بناية قبلان القريبة من مركزنا، وتضم حوالي 15 ولدا من الايتام او من الحالات الاجتماعية. كما كنت أساعد كاهن الرعية والمؤسس الاول الاب حنا سليمان في بعض أعمال رعوية. وكان ان حدثت في المدة الأخيرة مناوشات بين شباب الأحزاب المسيحية وبين الجيش السوري المتمركز حول المدينة. وكأن كل شيء كان معدا للانفجار في أية لحظة.
في اواخر شهر آذار 1981 ذهبت كالعادة في نهاية الاسبوع الى روم لاتابع النشاطات ولمحو آثار التهجير. وعندما رجعت في مطلع الاسبوع الى زحلة، ومعي راهبة مخلصية قادمة لتزور اهلها، وصلت الى مطعم الهبر فوجدت عشرات الشباب والسيارات من زحلة متجمعة وممنوع عودتها الى المدينة، سألت فاخبرت ان ما كنا نخافه على زحلة قد بدأ: حصار من الجيش السوري، وقصف مدفعي عشوائي ومنع خروج المواطنين من منازلهم. وعندما أيقنت ان لا إمكانية للدخول الى زحلة قفلت راجعا حزينا الى بلدتي روم.
عدت الى روم واقمت هناك، وحاولت اجراء مصالحة بين أبناء البلدة المسيحيين والشيعة. أتاني بعدها أحد عناصر المخابرات السورية، وكان قريبا لقائد المنطقة السوري، وقال لي: “يجب عليك ان تغادر البلدة لأن هناك نية لاغتيالك”. فهمت ان مبادرتي للمصالحة غير مرضي عنها. فغادرت الى دير المخلص حيث قضيت يومين مع الأب عصام رئيس المدرسة، انتقلت بعدها الى دير مار الياس في جعيتا حيث يقيم طلاب الاكليريكية الكبرى، ومن هناك شاركت في تحضير اعتصام الزحليين على طريق القصر الجمهوري لفك الحصار عن زحلة. وكان يرافقني ويقود سيارتي الأب عبدالله عاصي رفيق النضال.
.jpg)
الاعتصام على طريق القصر الجمهوري
والذي اطلق فكرة الاعتصام على الطريق هو بعض كهنة وراهبات من أبناء زحلة رأوا ان هذه الحركة النسكية بما فيها من إماتة وحرمان وافتراش الأرض والصلاة الدامعة المتألمة لا بد انها تحرك العواطف الإنسانية عند قيادة الجيش السوري الذي يحاصر المدينة حصارا محكما دقيقا، ويقصف من دون هوادة البيوت والمؤسسات والشوارع ويمنع المواطنين من الخروج من المدينة. لدى انتشار اخبار هذا الحصار ومعاناة المواطنين تحرك الزحليون المقيمون خارج زحلة وألفوا وفدا كبيرا من كهنة ورهبان وراهبات وعلمانيين وتوجهوا نحو القصر الجمهوري لمقابلة الرئيس الياس سركيس واطلاعه على الواقع المؤلم وطلب تدخله لفك الحصار. فاعتذر الرئيس عن مقابلة الوفد بكامله وطلب ان ينتدبوا لجنة مصغرة تمثلهم وتنقل طلباتهم الى فخامته. فاخترنا للجنة السادة الآباء: الأب إيلي صادر رئيسا للوفد، الأب سليمان حجار نائبا، الأب صليبي اسطفان، الأب يوحنا خوند (الناسك) والأب جوزف شربل، الأخت كلود مرسيل بصيبص فكتبت نصا تفصيليا يشرح موقفنا انه احتجاج سلمي، نرفعه لرئيس جمهوريتنا وهو بدوره ينقله الى العالم شارحا الوضع المأساوي في زحلة. وسلمت هذه الرسالة الى رئيس الوفد الأب إيلي صادر فقرأها وقدمها للرئيس.
.jpg)
نص الرسالة:
“نحن مجموعة من الراهبات والرهبان والكهنة من أبناء زحلة والبقاع، نعمل خارج زحلة لأجل بناء الإنسان، كل إنسان، في مختلف أنحاء لبنان.
وأهلنا وأبناؤنا وأصدقاؤنا داخل زحلة منذ واحد وسبعين يوما، محاصرون بالحديد والنار، يقاسون أشد الآلام، وشبح الرعب اليومي والموت المفاجئ والبطيء يهدم في نفوسهم كل أمل بالحياة الهادئة الهانئة، وبناء الإنسان الحر الكريم.
جئنا الى قصر الرئاسة الأولى في الوطن، بيت كل لبناني، الى رئيس بلادنا رمز الشرعية اللبنانية، نعتصم عنده ومعه، بعد ان تهدمت بيوتنا، ونستصرخه بصمتنا بعد ان بحّت اصواتنا ونحن نستصرخ ضمير العالم، ونصلي معه بحرارة الى رب الحياة خالق البشر جميعا وديّانهم على أعمالهم. إنه أملنا الوحيد الأبقى.
وكما موسى قديما على الجبل، لن نغادر جبل بعبدا الا لننطلق جميعا، برعاية صاحب الفخامة رئيس البلاد، الى مدينتنا الحبيبة زحلة والى جبل سيدة زحلة والبقاع نؤدي معا صلاة الشكر، وقد أخرست أصوات المدافع، وفتحت الطرقات، وملأت البسمات المشرقة وجوه أطفالنا الأبرياء، وعادت الحياة الناشطة الى شوارعنا وساحاتنا والى جميع أرجاء الوطن الحبيب الجريح، من دون خوف من قنص او قصف، وقد خيّم السلام على مدينة السلام وفي جميع أرجاء وطن المحبة والسلام.
نحن رسل محبة وسلام وغفران ومصالحة. جل ما نطلبه، لنا ولشعبنا، ان نمارس حقنا بالحياة والحرية والكرامة والأمان والسلام، في ظل سلطتنا الشرعية اللبنانية الأصيلة الواحدة”.
راهبات ورهبان وكهنة زحلة والبقاع.
وكان جواب الرئيس مثيرا للإحباط إذ قال: “ليس بمقدوري ان أعمل شيئا لفك الحصار عن زحلة”.
.jpg)
خرجت اللجنة مستاءة وأبلغت سائر أعضاء الوفد بجواب الرئيس، وكانت ردة الفعل العفوية بأن قرر الوفد ان يبقى على مفرق القصر الجمهوري معتصما حتى فك الحصار. وقد استمر الاعتصام مع كل تفاصيل متاعبه، كالنوم على الطريق، مدة 21 يوما. ودخل على الخط ضباط زحليون كلفهم الرئيس ان يمنعوا الوفد من التقدم الى القصر الجمهوري.
ومن أجمل ما يذكر في هذه اللحظات المؤثرة أن بعض الجنود حاولوا اللجوء الى القوة وطلبوا إخلاء الطريق فأجابهم الرهبان بتلاوة السلام الملائكي بصوت مرتفع فاغرورقت عيون الجنود بالدموع وتوقفوا عن مضايقة المعتصمين، وكان لي دور كبير في تغذية هذا الاعتصام وحماية المعتصمين ونقل قضيتهم الى كل وسائل الإعلام. وتعاونت يومها مع كاهن فاضل وعلاّمة من رهبان الكسليك هو الأب اسطفان صقر ومع كاهن نشيط هو الأب إيلي صادر. فكنا نصدر البيان تلو البيان نصف الآلام التي يقاسيها أبناء زحلة من جراء الحصار ونذكر بالقتلى الذين يتساقطون بالعشرات، كما حضّرت معهما زيارة للسفير البابوي لوتشيانو أنجلوني المقيم في حريصا، فذهبت إليه مع الكاهن البقاعي الأب عبدالله عاصي وشرحت له وضع المعتصمين، كهنة ورهبانا وراهبات وعلمانيين. وقلت اذا كانوا يفترشون الأرض فهم يتشبهون بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان كلما وصل الى بلد يقبّل التراب تأكيدا لمحبته لهذا البلد.
كان رئيس الجمهورية الاستاذ الياس سركيس أول المتألمين من حصار زحلة ولكنه كان عاجزا عن فك الحصار وإيقاف القصف والخراب. وكانت تدمي قلبه إقامتنا مدة حوالي 21 يوما على مفترق القصر، نأكل ونشرب ونصلي ونحتفل بالقداس وننام على الزفت. وكان يطلب من كل زائريه ان يقنعونا بإخلاء الطريق.
ذات مرة طلب الرئيس سركيس من المطران اغناطيوس زيادة مطران بيروت للموارنة ان يتدخل ويقنعنا بإخلاء الطريق. رجع المطران من زيارته للرئيس وتوقف عندنا وسأل: “أين تقيمون القداس وأين تضعون القربان؟” ولما علم أننا نحتفل بالقداس على الطريق ويحضره زحليون كثيرون وغير زحليين ويتناولون القربان المقدس غضب جدا وقال: “وأين تضعون القربان”؟ فقال له الأب يوحنا خوند (الحبيس) “إنه في صدري”. صرخ به المطران “إنك كافر، إصعد معي الى السيارة”. وأخذه الى الكنيسة في مدرسة الحكمة حيث يقيم المطران، فقرع الجرس واجتمع الكهنة وأجبر الأب خوند على الركوع وطلب الاستغفار لأنه حسب رأي المطران دنّس القربان المقدس.
واستمر الاعتصام حتى رُفع الحصار عن زحلة في آخر يوم من شهر حزيران. وقد دام هذا الحصار على المدينة مدة ثلاثة اشهر كاملة من أول نيسان الى آخر حزيران 1981.
وعدت مع العائدين الى مركزي في حوش الأمراء ورأيت الخراب الكبير في الأبنية وسائر البنى التحتية. كما زرت مدافن الشهداء الشباب أبنائي وأصدقائي في المدينة وأقمت صلوات حارة ممزوجة بدموع ساخنة. وشاركت في كل الأعمال والمبادرات والاجتماعات لمحو آثار هذه الحرب المدمرة وعودة الحياة الى كل المرافق والمؤسسات.
.jpg)
الدعوة الى إنقاذ الوطن
*مخيمات الرجولة
كانت حادثة عين الرمانة شرارة أشعلت كل ما كان يُحضّر لدى الأحزاب المسيحية من استعدادات لمواجهة مطامع الفلسطينيين وأحزاب اليسار في السيطرة على لبنان ووضع نظام جديد للحكم. وكان الشباب المسيحي بنوع خاص يتدرب على حمل السلاح واستعماله لمواجهة هذا المخطط. وكان لرجال الدين والأديار دور فاعل في هذا الموضوع. أما فكرة التدريب عندي فقد بدأت يوم زارني صديق من المختارة إسمه يوسف سركيس وكان على علاقة جيدة مع مخابرات الجيش، طالبًا أن ننشئ مخيمًا لتدريب الشباب، قلت له: لا يمكنني أخذ القرار بمفردي وعليّ مراجعة السلطة الرهبانية. بعد المراجعة وافق بعض المدبرين أما الرئيس العام فكان مترددًا.
ولكننا سرنا بالفكرة وأسميناها “مخيمات الرجولة”. كان يتم فيها تثقيف فكري وديني واجتماعي، إضافة الى تدريبات عسكرية ورماية. وكانت قيادة الجيش عبر جول بستاني رئيس المخابرات تساعدنا في ذلك. ثم طورنا الفكرة الى مخيمات صيفية تتضمن تثقيفاً دينيًا وتدريبات وزيارات الى مواقع أثرية وإحياء سهرات شعبية في القرى المجاورة تبرز أثناءها المواهب التي يملكها بعض أعضاء المخيم: غناء ـ تمثيل ـ فكاهة إلخ… وكان الممثل الشهير اليوم غسان اسطفان إبن جون يحيي المخيمات بالمتثيليات القصيرة الفكاهية التي كان يقدمها في المخيم. وهكذا بدأ مشروع حياته: التمثيل.
*كبسة المخيم
ذات يوم وفيما شباب المخيم غارقون في نشاطاتهم شعروا أن قوة عسكرية تتحرك لمداهمتهم. ولما كنت بعيدًا عنهم أصفّي بعض أشغال في الدير اختاروا أسلم الطرق أي الاختباء بين الأحراج المحيطة بالمخيم. واستطاع البعض منهم الوصول الى الدير لإبلاغي ما جرى. فقمت بسرعة باتجاه المخيم وفوجئت بالضابط قائد فرقة المداهمة واقفاً على الطريق العام. توقفت وسلمت عليه ورحبت به ودعوته أن يأتي معي الى الدير لأننا نحترم السلك العسكري وتكريمه واجب. ولما أظهر بعض التمنع قلت له “أنا أعرف ما هي مهمتك فتفضل لنتفاهم على رواق”. وكان رئيسًا لفصيلة الدامور وهو ضابط ممتاز خريج دورات في أميركا يدعى عبد الكريم ابراهيم.
ولما دخلنا مكتبي صارحته وصارحني بالحقيقة أن المخيم في الدير يثير تساؤلات كثيرة. فشرحت له وضعنا في المنطقة وخوف الناس من التدريبات المتواصلة التي يجريها كمال جنبلاط. ثم فتحت له خزانة فيها أنواع الأسلحة التي نتدرب عليها. وقلت له اعمل تقريرًا واقعيًا بما رأيت، ونحن لن نتوقف إلا عندما يطبق القانون على الجميع. وهكذا تفارقنا بسلام ومحبة. وعرفت في ما بعد من مؤهل، أمين سر في سرية بعبدا إبن بلدتنا أن التقرير كُتب وكما قلت للضابط.
وأذكر أن الشيخ بشير الجميل جاء لزيارتنا أوائل العام 1975 وكان يعلم أننا ندرب الشباب على حمل السلاح وغير ذلك. وبعد إطلاعه على ما نعمل قال: لقد سبقتمونا في استعداداتكم ويبدو أنكم تحضرتكم قبلنا. وعلم أنني بصدد تنظيم ندوة في بيت الشباب عنوانها: “الأزمة اللبنانية: أسبابها ونتائجها” وكان بين المحاضرين عن حزب “الكتائب” المحامي كريم بقرادوني، وعن الحزب “الشيوعي” موريس نهرا وعن الحزب “الديمقراطي” باسم الجسر (الذي لم يحضر) وعن “حركة المحرومين” السيد حسين الحسيني، وكان سيدير الندوة جورج جبران من مزرعة المطحنة (إبن أخ القاضي يوسف جبران).
.jpg)
فبادر الشيخ بشير وسألني: لماذا اخترتم كريم بقرادوني عن حزب “الكتائب” ويمكن أن نرسل شخصًا آخر ملتزمًا عقائديًا أكثر منه. وعلى كل حال، أقترح عليك إلغاء الندوة كلها خصوصًا وأن بين المحاضرين شيوعي، وهو لا يسمح لنا بطرح وجهة نظرنا عنده. قلت له: أنا لديّ مبدأ يقوم على عدم تربية الشباب على اتجاه واحد، بل فتح الآفاق لهم كي يسمعوا الجميع ويكوّنوا خياراتهم في ما بعد. لم يكن موافقاً على الندوة ولا على الأشخاص وتحديدًا على كريم بقرادوني.
وأذكر أنه في مرة أخرى طلب مني مسؤولون من حزب “الكتائب”، وكان بينهم فؤاد الشرتوني وأمين الجميل أن يمضوا ليلتين في بيت الشباب ولم يوضحوا النشاط الذي سيقومون به. وفوجئنا أنهم قاموا بمناورة عسكرية ليلية ضجت بها كل المنطقة. كانوا حوالى الخمسين شابًا. وقد كتبوا شعارات على الجدران. بعد “الكتائب” جاء “الاشتراكيون” كذلك الى بيت الشباب. وعندما قرأوا الشعارات الكتائبية قامت قيامتهم وبدأوا يقولون إن أبونا أندره كتائبي وجاء بالكتائب الى الدير. كان لدينا تلميذ اشتراكي من المختارة وهو الذي كان وراء فكرة مخيم الاشتراكيين. وعلى اعتراض الاشتراكيين أوضحنا أن بيت الشباب مفتوح للجميع وليس حكرًا على أحد.
*من أين السلاح
وانتشر خبر مخيمات الرجولة وتكاثر عدد الشباب الراغبين في التدريب على السلاح. لكن السلاح غير موجود. وكان لنا لقاء اجتماعي في زحلة على مائدة الأب أثناسيوس نصورة في 18 كانون الثاني 1975 ضم الجنرال جان نجيم قائد الجيش اللبناني والرئيس العام للرهبانية المخلصية الأرشمندريت أديب بدوي ومدبريه الأربعة، وأنا واحد منهم، أعطانا جوابًا لسؤالنا من أين السلاح؟
وخلال الأحاديث سألني الجنرال نجيم: “هل تسلحتم لمواجهة الخطر المستقبلي؟” أجبته بالنفي. وعندما سأل عن السبب قلت له: “الرؤساء في الرهبنة يرفضون ذلك”. قال لي: “أنتظر زيارتك في وزارة الدفاع وسنرى ماذا يمكن أن نفعل”. ذهبت الى وزارة الدفاع حيث التقيته وشرح لي بالتفصيل الأخطار المحدقة بالوطن. هذا كان قبل بدء الحرب عام 1975. قال يومها: “يجب أن تشتروا سلاحًا”، فقلت له: “لا أحد قادر على شراء السلاح. وأنتم تقومون بتبديل السلاح الفرنسي الذي لدى الجيش بسلاح أميركي فلماذا لا تقدمونه لنا (البارودة أم الزر الأبيض)”. قال: “سندرس الموضوع ونقرر ما يمكن عمله”. بعد مدة وصلتنا كمية من السلاح الخفيف (كرابين وستن).
وعندما بدأت الأحداث مع بوسطة عين الرمانة في نيسان 1975، اتصلوا بي من مخابرات الجيش وسألوني: “هل وزعت الأسلحة؟” قلت: “إننا ننتظر أوامركم”. فقالوا: “وزع الأسلحة ذبسرعة ونحن سنرسل دبابات لحمايتكم في الدير والمنطقة”. فأرسلنا الى كل قرية من القرى المحيطة بدير المخلص كمية من البواريد (مجموع ما وصلنا كان حوالى 700 بارودة). ونظرًا لوجود طلاب مسلمين في المدرسة ومنتظمين في الحركات اليسارية فقد انتشر الخبر سريعًا أن الأب أندره يوزع الأسلحة، مما أدى الى استياء الفلسطينيين وكمال جنبلاط مني. بعد ذلك انقسم الجيش، فبدأنا نفكر في المصير وعلى من سنتكل وكيف سنتدبر أمورنا.
وفي محاولة لامتصاص نقمة الفلسطينيين علينا قمنا أنا وأخي أبو عجاج رئيس بلدية روم ومجموعة من شباب المنطقة ذوي الميول اليسارية، بتنظيم لقاء كبير في بلدتنا روم حول المطران غريغوريوس حجار إبن البلدة ومطران فلسطين، والذي كان يدعو العرب الى التشبث بأرضهم وعدم بيعها لأحد، بل كان يسافر الى أوروبا ويجلب مساعدات للمزارعين في فلسطين ولذلك سمي مطران العرب وفلسطين.
وعندما ذهب أخي ميلاد الى صيدا ليدعو القيادات الفلسطينية الى المشاركة في اللقاء، وعند ذكره إسمي وأنني أحد المتحدثين في اللقاء، أبدوا موقفاً عدائيًا ورافضًا لأنني في نظرهم عدو للقضية الفلسطينية. فهدّأ ميلاد من روعهم ودعاهم لزيارتي في دير المخلص حيث كنت رئيسًا للمدرسة. وجاء باثنين منهم كي يتعرفوا إليّ. كان لدي موتوسكيل ماركة “هوندا”، وعندما شاهداه قالا إن هذا الخوري هو غير شكل. تكلمت معهما وقلت لهما: أنتم تقيمون حفلات في السينما في صيدا وتشتمون الدولة اللبنانية والجيش، وتتحدثون عن فلسطين. فهل ممنوع علينا نحن أن نؤيد جيشنا ودولتنا ونحمي ذاتنا؟ ثم هل أنتم خائفون من هذه الكارابين والبواريد التي لدينا؟ وهل تعلمون أن نائب صيدا معروف سعد كان يأتي بشبابه الى أراضي الدير في مرج بسري لتدريبهم، ولم يكن لدينا أي حساسية تجاه ذلك، لأننا نعتبر أبناء صيدا أهلنا. فلماذا موقفكم السلبي هذا منا بسبب السلاح؟ وبالنتيجة تفهما الوضع، وذهبت معهما الى صيدا لمقابلة مصطفى سعد وتفاهمنا معه حيث أبلغته أن سلاحنا هو سلاحكم. ونحن على استعداد لحل كل المشاكل التي تحدث معكم، وهدفنا العيش بسلام مع بعضنا البعض. ولكن على رغم التفاهم مع الفلسطينيين، فإن المسؤول عن جيش لبنان العربي (البوتاري) في صيدا، وبعد انقسام الجيش اللبناني، أرسل طالبًا مني زيارته في ثكنة الجيش في صيدا، وكان جوابي: “من يرغب بزيارتي أهلاً وسهلاً به في دير المخلص، وأنا غير مستعد لزيارة أحد”. وهذا أدى الى الاستياء مني وتحضير خطوة سلبية تجاهنا في الدير.
.jpg)