#adsense

حلقة في مسلسل تفكيك الدولة

حجم الخط

لم يكن 13 نيسان 1975 سوى حلقة بسيطة في مسلسل تفكيك الدولة وإسقاطها. مسلسلٌ لا نزال نعيش فصوله المحبوكة، التي، وإن كُنّا نجهل مخرجها أو مخرجيها الحقيقيين، إلاّ إننا نلعب، نحن كلبنانيين، أدوار البطولة فيها. قصة يعيشها جيلنا منذ نصف قرن.

 

قبل نصف قرن بالضبط، وعلى مقاعد المدرسة الحربية في حينه (الكلية الحربية اليوم)، كنا نصغي بتلهُّف وغموض إلى أحد قادة المدرسة الذي يردد لنا مراراً: “أمامكم أيام سوداء مثل الزفت”. كنا في العشرينات؛ كنا نجهل مغزى هذه العبارات، التي لم يستتبعها يوماً بتفسير واضح. لكنني أدركت بعد مغادرة “جحيم” المدرسة الحربية (طبعاً المقصود بكلمة جحيم قساوة التدريب) والإنتقال إلى الميدان العسكري وواقع الحياة؛ أن الغموض الذي كان يُغلّف تلك العبارات الرمادية مرده إلى غموض الدولة اللبنانية، التي اعتقدنا ونحن في العشرينات من العمر على مقاعد المدرسة الحربية، إنها تمثل لنا قمة العدالة والحرية والمساواة… وإن جيشها هو سيف العدالة والفصل بين الحق والباطل.

المحطة الأولى في التأسيس ل 13 نيسان 1975 كانت حرب حزيران عام 1967 ونتائجها الكارثية على دول الطوق؛ عندما احتلت إسرائيل الجولان السوري والضفة الغربية من الجيشين الأردني والسوري، وقطاع غزة وصحراء سيناء من الجيش المصري. وهكذا أصبحت مساحة الأرض التي تسيطر عليها إسرائيل، تساوي أربعة أضعاف مساحة فلسطين التاريخية. كان رد الفعل العربي تجاه لبنان، الذي لم يشارك في تلك الحرب ولم يخسر جزءاً من أرضه، كارثية. وكأنه كان المطلوب من لبنان أن يدخل حرباً خاسرة، ويفقد قسماً من أرضه للإحتلال؛ مع إن الدول العربية اكتفت بإعطائه دور دولة مساندة وليس دولة مواجهة. رد الفعل كان أشبه بشقيقين، خسر أحدهما ولده في ظروف معينة؛ فكان رد فعله التهجُّم على أخيه وإتهامه بالخيانة لأنه لم يخسر ولده هو في نفس الظرف؛ ليتعادلا في الخسارة والأخوة والمحبة والتضامن.

عملياً، أقرت الدول العربية بهزيمتها العسكرية الكلاسيكية؛ فاستعاضت عن الحروب الكلاسيكية بتشجيع العمل المسلح الفلسطيني. ووقع الخيار على الشقيقين الأضعف: لبنان والأردن، للإنطلاق من أراضيهما لتحرير فلسطين.

طبعاً كمراقب عسكري في حينه لما تقوم به الفصائل الفلسطينية، أدركت أنه ليس باستطاعة الكفاح المسلح الفلسطيني الذي تترأسه منظمة التحرير الفلسطينية، تحرير شبر واحد من أرض فلسطين المحتلة، إذ كثيراً ما كان هؤلاء المكلفين بالتسلل إلى داخل أرض فلسطين يتعمّدون المرور قرب مراكز الجيش اللبناني العسكرية على الحدود، لاستدراج هذه الأخيرة إلى اعتقالهم وإعادة تسليمهم إلى قياداتهم للإفلات من تنفيذ المهمات الموكلة إليهم. وطبعاً بوجودي على الخط الأمامي على الحدود، كنت شاهداً ومنفذاً لكثير من هذه العمليات. ويوم ينجح أي فصيل في استهداف “أوتوكار” ينقل طلاباً إسرائيليين إلى المدرسة، بصاروخ يطلق من الأرض اللبنانية، يأتي ردُّ العدو خلال دقائق بقصف عشرات القرى في منطقة الجنوب؛ وذلك في إحدى العمليات التي كنت شاهداً على حصولها. وحتى يوم زارني ياسر عرفات في مركزي، وبشكل سرّي تماماً من دون أن يكون لي علم بهويته، إذ أجريت له جولة أفق على الأرض المحتلة؛ فوجئت في اليوم التالي، بهجوم إسرائيلي على المركز، ما أدى إلى استشهاد ضابط وسقوط عدد من الجرحى.

 

الأهم من ذلك كلِّه؛ أن المواطنين اللبنانيين في الجنوب، وعلى الرغم من عدم جدية الفلسطينيين في كفاحهم المسلح، بدأوا ينظرون إلى الجيش اللبناني كجيش غريب يحتل أرضهم؛ إذ كنا عندما نمر في بلدات الجنوب (بنت جبيل مثلاً)، كان المواطنون يرمقوننا شذراً، ويرشقوننا أحياناً بالشتائم… أدركنا في حينه أن الكفاح المسلح سيطر على الساحة الجنوبية بحفنات من الدولارات؛ ما أدى إلى تكثيف الإشتباكات بين الجيش والمنظمات الفلسطينية، وحتى اللبنانية التي كانت تدور في فلك المنظمة؛ فوق معظم السحات اللبنانية، من دون أن تنجح، لا اتفاقية “ملكارت” ولا اتفاقية القاهرة في ضبط فصائل منظمة التحرير الفلسطينية؛ خصوصاً أن أحزاباً لبنانية ذات طابع شيوعي أو إشتراكي أو قومي أو يساري… كانت تتهم الدولة اللبنانية بأنها حليفة الأمبريالية والصهيونية والإستعمار… ويجب إسقاطها بمساعدة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها العسكرية التي تحولت إلى جيش فئة من اللبنانيين.

محطة بارزة سبقت أحداث 13 نيسان 1975. عندما قام كومندوس إسرائيلي بقيادة الملازم الأول يهودا باراك (أصبح لاحقاً رئيساً لوزراء إسرائيل ) ليل 9/10 نيسان 1973 باغتيال ثلاثة مسؤولين من القيادات الفلسطينية في شارع فردان (كمال ناصر، كمال عدوان ومحمد يوسف النجّار)؛ فأقدم الفلسطينيون على اختطاف ضباط وعسكريين معزولين، وهاجموا مراكز الجيش، محملين مسؤولية أمن هؤلاء للدولة اللبنانية، التي تجهل تحركاتهم وأماكن سكنهم… وسقط للجيش كثير من الشهداء في عملية الغدر هذه. وكالعادة وقف “اليسار” اللبناني إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية.

لكن المفاجأة الكبرى حصلت يوم الثاني من أيار، أي بعد ثلاثة أسابيع من عملية الإغتيال. فبينما كان العسكريون في ثكنة هنري شهاب في الأوزاعي، يتابعون نشاطاتهم اليومية في ساحات الثكنة من تدريب وأعمال يومية… انهمرت عشرات صواريخ الكاتيوشا فوق رؤوسهم من دون سابق إنذار، فاستشهد نحو اثني عشر جندياً خلال دقائق، كما أصيب عشرات آخرون. ردت القيادة العسكرية باحتلال التلال المشرفة على مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة مع المدينة الرياضية تمهيداً للدخول إليها بدعم من سلاح الجو. لكن رئيس الجمهورية أوقف الهجوم تحت ضغط سفراء الدول العربية.

بعد أحداث 1973 أيقن اللبنانيون أن الدولة تفككت، وأن لبنانيين كثرًا يساهمون في تفكيكها وهدمها لمصالح شخصية وفئوية، بإشراف مباشر من النظام السوري. وأيقنوا في حينه، بأن عليهم التسلُّح لحماية أنفسهم.

كمؤشر على تفكك الدولة وزوال هيبتها، غالباً ما كنا نتلقى الأمر من القيادة، بعدم ارتداء اللباس العسكري أثناء الإنتقال من الثكنة إلى المنزل، لئلا نتعرض للخطف من قبل الحواجز الفلسطينية “الطيارة”. فكانت آخر مظاهر التفكك والسقوط أن يخشى العسكري ارتداء بزته العسكرية داخل وطنه. فأدركنا في حينه أن “سيفنا” أصبح من خشب، ومناشير الميليشيات الفلسطينية و”اليسار” اللبناني تمعن فيه تقطيعاً، ولا بد له يوماً من أن يتحطّم. وهكذا انكسر “السيف” بعد أقل من عام.

لم تحترم منظمة التحرير أيًا من الإتفاقات التي كانت تُصاغ نظرياً لضبط الساحة اللبنانية، التي تتناتش السلطة عليها دولتان: رسمية إسمها الحكومة اللبنانية المفككة والعاجزة، وثورية فلسطينية غريبة تستبيح كل المحرمات بتأييد من بعض فئات المواطنين اللبنانيين. فكانت تنقلات الوحدات العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عبر المدن والبلدات اللبنانية، ظاهرة تماماً؛ حتى أنها كانت تتعمّد تحدّي المواطنين اللبنانيين، وأصبح الكفاح المسلح جيشاً شبه رسمي لفئة من اللبنانيين، يفضِّلونه على الجيش اللبناني: “سيف الدولة”. وبدل أن يهتم “الجيش الفلسطيني” بالتسلل إلى الأرض المحتلة لقتال إسرائيل داخل فلسطين، أصبح منظمة إرهابية تخطف الطائرات المدنية وتفجرها؛ ومنظمة عسكرية في لبنان تعمل على إسقاط الدولة وتتخذ منها ملاذاً وقاعدة للإنطلاق في أعمالها الإرهابية، مستطيبة اتخاذ لبنان كوطن بديل عن فلسطين. وكان تصريح صلاح خلف “أبو أياد” الرجل الثاني في حركة “فتح” “طريق فلسطين تمر في جونيه”، خير تعبير عن أن لبنان تحوَّل إلى وطن بديل للفلسطينيين.

لم تكن حادثة عين الرمانة في 13 نيسان 1975 مصادفة في تاريخ التحوُّل الكبير. فانتقال الفلسطينيين من مخيمي جسر الباشا وتل الزعتر إلى مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة وبالعكس، كان من الأسهل أن يحصل عبر تقاطع  غاليري سمعان. لكن تعمُّدهم المرور داخل عين الرمانة، قرب كنيسة سيدة الخلاص التي كان الشيخ بيار الجميل رئيس حزب “الكتائب” يشارك في القداس فيها، لم يكن بريئاً؛ بل كان مدبراً. فأتهموا حزب الكتائب بالحادث، وتطورت الأحداث إلى قصف عين الرمانة بصواريخ الكاتيوشا، وإعلاناً لبدء مرحلة جديدة وحاسمة في الحرب اللبنانية. بينما تبيّن، وبعد عشرات السنين، أن الكتائب براء من تلك الحادثة، وأن المخططين للوطن البديل هم الذين خططوا للعملية ونفذوها.

 

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، لا يزال تاريخ 13 نيسان 1975 محطة في تاريخ غربة وطن. الفلسطيني أسِف واعتذر من اللبنانيين، على لسان ياسر عرفات، عن الإساءة للشعب اللبناني الذي احتضن مواطنيه وقضيتهم طيلة عقود. والنظام السوري، الذي شجّع في الأساس ورعى منظمة التحرير، ثم حلَّ محلها لاحقاً يلفظ اليوم أنفاسه من دون أن يقرَّ بخطيئته التاريخية. ويبدو أنه سلّم راية تفكيك الدولة إلى إيران التي استهوتها فكرة الهيمنة والتسلُّط؛ واستسهلتها بوجود فريق يؤمن لها هذه الهيمنة. وهكذا شكلت حادثة عين الرمانة  بداية حرب لم تنتهِ بعد.

كثيرون من القادة اللبنانيين، من الذين دعموا منظمة التحرير الفلسطينية لإسقاط الدولة، وبينهم البعثي والشيوعي واليساري، واللي “فتحوا على حسابن”…، يدعون أنهم فوجئوا، بعد رحيل عرفات عن لبنان، بأن النظام السوري استغلهم في عملية تفكيك الدولة، ولم يترك لهم منها إلاّ الهيكل العظمي؛ فأعربوا عن ندمهم بعد فوات الأوان، متوسلين الغفران من الذين قدموا أغلى التضحيات، متناسين أن الإخلاص للوطن ليس “وجبة غبّ الطلب”؛ فراحوا يؤلفون الكتب للتوبة. لكن هذه الكتب تبقى الشاهد التاريخي على “جرائمهم” في التعاون مع الغريب لتفكيك وطنهم، ويستمر مكانهم “مميزاً جداً” في ذاكرة الأحرار من مواطنيهم.

وهكذا يستمر لبنان مصلوباً منذ نصف قرن، على أطماع الغرباء وجهل أبنائه؛ ولا تزال عين الرمانة تائهة تبحث عن استقرار، ولا تزال مقاعد المدرسة الحربية تردد ما حذّر منه الأوائل بعد خمسين عاماً من الحروب والتجارب المرة “أمامكم أيام سوداء مثل الزفت”. فمتى تنتقل حادثة عين الرمانة من قلب الحدث كما هي اليوم، إلى محفوظات التاريخ؟ إنه رهنٌ بوعي اللبنانيين.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل