
ليس 13 نيسان مجرّد ساعة تخلٍّ من يوم من شهر من سنة عابرة في روزنامة الزمن، بل إنه ليس مجرّد تاريخ لحدث كغيره من الأحداث في وطن باتت يومياته تراكمُ أحداثٍ أكثر مما هي تعاقبُ العاديات كما يوميات الآخرين. 13 نيسان هدم أحلاما كثيرة وبنى أخرى، غيّر وجه الوطن ووجهة أبنائه. منهم من أضاع الطريق والحق ومنهم من أضاع الحياة لكنه أعاد تحديد الإتجاهات إلى الهدف الصحيح، وأعاد رسم خارطة الحرية بخطوط الدم فلا تمّحى مهما طال الزمن. كثر سقطوا في ذلك اليوم وفي ما جرّ بعده من ويلات، وكثر قاوموا وعانوا، وكثر هادنوا وتهاونوا وتعاونوا مع الطامعين، لكن الحق انتصر وبقي لبنان، وبقيت معه ذكريات من تلك المرحلة كتبت بتفاصيلها يوميات مقاومين ووطن يستحق على الرغم من كل شيء أن نضحّي في سبيله وأن نحيا من أجله.
لم يمر وقت كثير على 13 نيسان حتى اكتشف الناس أن الحرب لم تبدأ في ذلك النهار، هو كان فقط محطة ملتهبة فوق السطح فيما كانت تعتمل تحته آلاف العناصر الدافعة للحرب نفسيا وعقائديا وميدانيا. بالنسبة لفتى يافع لم يبلغ السادسة عشرة من عمره بعد مقيم في قرية الدوق في وسط بلاد البترون لم تكن عين الرمانة – بمعنى الإستقطاب الجماعي – بعيدة عن أعين اللبنانيين المسيحيين تحديدا، وكما أي مسيحي آخر في كل بلدة ومنطقة في لبنان من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى ساحله. جميعنا كان ينصت بقلق إلى أخبار الأهل المراوحة بين السخط والخشية مما كان يحصل قبل سنوات من 13 نيسان. من منّا لم تشغله أخبار اعتداء الفلسطينيين على دير هنا أو إذلالهم لدورية عسكرية هناك أو الإفتراء على عائلة مسالمة هنالك؟ وهل هذا غير وقود وشحن لشعب يتوارث عبر تاريخه مشقات الإضطهاد وملاحم المقاومة وأخبار الإعتداءات؟
عندما يبدأ المصير يشغل بال الصغار أكثر من اللعب، تكون نذر الحرب قد اقتربت. فالغيوم المحمّلة حربا بدأت في التجمع في سمائنا ونحن بعد لم نفقه الحرب ولا ويلاتها. حرب الـ 67، حرب الـ 73، تظاهرات الجامعات وحتى المدارس بين من يؤيد الكفاح المسلح الفلسطيني ومن يرفضه، إتفاق القاهرة، وكان أهلنا يرددون ذلك التعبير المبهم بالنسبة إلينا بشيء من الخشية على المصير، وما كنا نعرف منه إلا تلك الخشية المتعاظمة في عيون الأقربين والأبعدين. يومها قررت اختراق ذاك الجدار الغامض واشتريت نسخة من الإتفاق مع كتبي في مطلع العام الدراسي 1974-1975. أكثرت من توزيع الأسئلة عن اللجوء الفلسطيني والمخيمات ولماذا يؤيدهم نصف اللبنانيين ويختلفون بسببهم مع النصف الآخر… وغير ذلك من التساؤلات والتوجّسات. ليس المهم ما فهمته يومها من خلال هذا الجهد، وبديهي أنني لم أفهم الكثير، بل المهم أن تلك المحطات كانت تشغل بالنا ولم يحلَّ ذاك النيسان بعد. ولم نبلغ نضوجنا بعد.
البدايات والقلق على المصير
وسط ذاك العام الدراسي، في نيسان 1975، حدث ما كان يخشاه الجميع وانطلقت الشرارة التي سمّيت في البداية إشكالا ثم مناوشات ثم حربا استمرت عقودا، ومن قال إنها اليوم باتت من الماضي وليست حاضرة في القلوب وعلى الدروب؟
في نيسان 1975 كنت كباقي أبناء جيلي أتابع دراستي في متوسطة تولا الرسمية في وسط البترون. وكنا صغارا وكبارا قد بلغتنا أخبار ما جرى في ذلك الأحد المشؤوم في عين الرمانة. حاولت البحث عن التفاصيل والإيضاحات لكنها لم تكن كثيرة وربما لم تكن هي بذاتها الأهم بالنسبة إلى الكثيرين بل ما ينتظر البلد والمسيحيين فيه تحديدا بنتيجة تلك الأحداث وماذا علينا أن نفعل؟!
في مدرستي تلك، كنت كلما دخلتُ الإدارة تلفتني صورة رسمية للرئيس كميل شمعون موضوعة إلى الحائط يجانبها العلم اللبناني. وهي نُزعت من مكانها لتحل محلها صورة الرئيس الخلف كون المدرسة دائرة رسمية. ومع أن العهد يومها كان عهد الرئيس سليمان فرنجية، فإن أحدا منا لم يرَ صورة للرئيس فؤاد شهاب أو للرئيس شارل الحلو في ذلك المكان مع صورة الرئيس شمعون. فكان مصدر سرور لنا أن صورة الرئيس – الزعيم ما زالت محفوظة نظرا لما كان له من مكانة في العقل الجماعي للمسيحيين.
كنت يومها مع مجموعة من رفاق الدراسة، نشكل فريقا متضامنا في السرّاء والضرّاء، وداخل المدرسة كما خارجها. ومن حلاوة الصدف أن هؤلاء الرفاق جرفتهم المقاومة جميعا إلى حضنها في ما بعد، ليعودوا ويتفرّقوا في ما تلى ذلك الزمن من محطات ومنعطفات. وكما كانت الهمسات عن المستقبل والمصير بدأت تعلو في قرانا وتشغلنا أكثر، كذلك ساد هذا الجو بين المعلمين والموظفين في المدرسة. وكان ذلك كافيا لدفع المتحمسين من التلاميذ للبحث عن أي رد فعل يعبّر عن رفضهم لما يجري واستيائهم من تلك الممارسات والتصرفات.
يوم الإثنين 14 نيسان الذي تلى مباشرة يوم انطلاق شرارة الحرب، وبعد عودتي من المدرسة إلى البيت، زاد من اضطرابي وشحني أن والدي لم يذهب إلى العمل في ذلك اليوم، وأنه لازم البيت متابعا للأخبار كما أنه بدأ البحث مع آخرين لدى بعض أصدقائه عن قطعة سلاح، وهو الذي كان يعمل في وقته الإضافي في إصلاح أسلحة الصيد وما توفّر لدى قلة من سلاح حربي ويعلم من يمكن أن يسعفه لشراء ما توفّر. وهذا يعني بالنسبة للصغار أن ثمّة خطرا بات يتهدد الجماعة، وأن القلق خرج من القمقم كما خرجت الحرب والتظاهرات التي بدأت تتوسع في مختلف المناطق اللبنانية رفضا للإعتداءات الفلسطينية وطلبا لتدخل الجيش وحماية المواطنين وأمنهم وسيادة الوطن.
لم تمضِ أيام قليلة على هذا الجو حتى قررنا، بعض الرفاق وأنا، خلال إحدى الفرص النهارية ألا ندخل إلى الصف، وحث باقي الرفاق على التضامن معنا والسير بتظاهرة دعما للمسيحيين المستهدفين في عين الرمانة ورفضا لممارسات الفلسطينيين وبعض الأحزاب اللبنانية المتعاطفة معهم. وهكذا كان، حيث لاقت دعوتنا قبولا من التلاميذ، لكن العقدة في نيل موافقة الإدارة، ومن يجرؤ على مفاتحة المعنيين بما ننوي القيام به. إلى أن قرّ الرأي على أن نقوم بذلك أنا وتلميذين آخرين. وعند دخولنا الإدارة، وكما العادة استرعت انتباهي أكثر هذه المرّة صورة الرئيس شمعون والعلم، واكتملت فرحتنا عندما لم تبد الإدارة رفضا قاطعا للفكرة وما لبثت أن منحتنا الإذن بعد تشجيع من بعض المعلمين، بشرط العودة بعدها لمتابعة الدروس، وهكذا كان.
عندذلك، سارعت فورا إلى تناول صورة الرئيس شمعون ورفعها وحَمِلَ طالب آخر العلم اللبناني، وخرجنا باندفاع داعين التلاميذ إلى السير معنا فلبّوا في معظمهم وكان لافتا بالنسبة إلينا أن عددا من المعلمين رافقونا متظاهرين ومبدين سخطهم مما كان بدأ يتوسع في بيروت من أحداث وضحايا. فشكلت تلك التظاهرة العفوية الصغيرة أول تجربة عملية لنا في رفض ذلك الواقع سلميا والدفاع عن الوجود والأمن والحرية…

من نيسان إلى نيسان
بعد انقضاء عام على انطلاق شرارة الحرب كانت رحاها قد اسفرت عن 13 ألف قتيل و40 ألف جريح. ولم تعد محصورة في العاصمة بل سرعان ما انتقلت إلى مناطق أخرى ومنها الشمال حيث شهدت قرى في الكورة والبترون ومنها بلدة شكا معارك بين المقاومة اللبنانية والفلسطينيين الذين فتحوا جبهة الشمال لتخفيف الضغط عن مخيم تل الزعتر وغيره من المخيمات التي كانت بدأت تسقط الواحد تلو الآخر.
عند تجمّع هذه الأجواء وفي صيف العام 1975 كان لا بد من خطوة عملية تتناسب مع تطور الأحداث. وكانت وحدات الجيش اللبناني المتخذة من المدينة الكشفية في وسط البترون ثكنة لها بدأت تدريب الراغبين من أبناء المنطقة، فالتحقنا أنا وعدد من الشبان بالتدريب هناك من دون علم الأهل مخافة أن يعارضوا ذلك. أنا أبلغت بذلك شقيقي الأكبر وهو كان أنهى للتو خدمة الإحتياط في الجيش وبدأ المشاركة في معارك الأسواق في بيروت، فما كان من تشجيعه لنا أنا وأخي الثاني إلا زيادة اندفاعنا للإنخراط أكثر مع آخرين في ما صار لاحقا المقاومة اللبنانية.
التدريب في المدينة الكشفية كان في الغالب نظريا أكثر منه عملي ومتقطعا أحيانا، بحيث كنا نذهب في النهار ونعود الى مساء الى البيت، فلم يؤهلنا للمشاركة على الجبهات خصوصا أنه لم تكن لدينا أسلحة حتى البدائي منها. والبندقية الوحيدة التي اشتراها والدي باتت رفيقة أخي حيث ينتقل على الجبهات. لكن ذلك لم يمنعنا أنا والرفاق من تأمين الحراسة الليلية في قريتنا الدوق التي كانت الحرب تقترب منها شيئا فشيئا، حتى باتت جبهة وخط نار ودفعت كما سواها ضريبة الدم. وكنا نتناوب الحراسة ببندقية واحدة لكل خفيرين يسلمانها للنوبة التالية وهي تسلمها بدورها للتي تلي لنعيدها في الصباح إلى رئيس قسم الكتائب في القرية. مهمة الحراسة هذه كنا بدأناها في المدينة الكشفية حيث استعان الجيش بمجموعة من المتدربين بعد اضطراره لنقل قسم كبير من وحداته الى أمكنة أخرى.
في هذه الأثناء وهذا الجو المشحون علمنا أن سيارة محملة بالأسلحة الفردية تجوب القرية وتعرض على الأهالي الشراء بنصف السعر لتشجيع المسيحيين على التسلح. وعلمنا من أحد رجال القرية ممن اشتروا بندقية أن البائع معروف منه شخصيا وهو مسؤول في حزب الوطنيين الأحرار. لكن والدي كان في العمل مما فوّت علي فرصة امتلاك بندقية تجعلني أكثر تهيؤا للإلتحاق بمن سبقونا إلى عملية الدفاع تلك، خصوصا أن العديد من الأمور كانت بدأت تتضح أكثر في ذهننا سواء على الصعيد السياسي أو الميداني، وبدأت تنضج أكثر فكرة الإلتحاق بتلك المسيرة. فقريتي التي انسحب إليها المقاتلون من قرى وبلدات البترون الساحلية بعد دخول القوات السورية إليها، باتت أشبه بثكنة عسكرية، وهذا ما وضعنا جميعا في قلب الحدث.
أما أول مشاركة ميدانية لي أو مهمة شبه عسكرية فكانت في صيف العام 1976 عندما سألني مفوض القوى النظامية في إقليم البترون الكتائبي يومها الرفيق بطرس سابا ما إذا كنت أحسن قيادة السيارة؟ ولما أجبته بنعم طلب إلي التوجه إلى بلدة دريا القريبة كوني مدني وغير معروف من السوريين، بهدف استطلاع حجم القوات السورية التي دخلت القرية وإذا أمكن معرفة نقاط تمركزها. فنفّذت على الفور وأبلغته بحصيلة الجولة، وكانت مكافأتي بعد ذلك بندقية كلاشنيكوف وبعض الطلقات من ضمن مجموعة شباب تسلموا أسلحة من قيادة منطقة البترون. وانصرفت بعدها إلى حياة جديدة ويوميات مختلفة وأحلام تبدلّت من لعبة الحرب إلى الحرب الحقيقية.

ميفوق المحطة التالية
مع انتهاء المرحلة المتوسطة كنت مضطرا إلى الإنتقال إلى ثانوية ميفوق لمتابع دراستي. تأخرت بداية ذلك العام الدراسي بسبب لجوء مجموعة من شباب الشمال إلى دير ميفوق وإقامتهم في مبنى الثانوية الملاصق بعد تهجيرهم من قراهم. وبعد إخلاء الطبقات المخصصة للدراسة وانطلاق الدروس فوجئ الجميع أن تلك المدرسة باتت تشبه الثكنة. ولم يطل خوف الأهالي والمعلمين من أن يؤثر ذلك على الجو الأكاديمي في الثانوية حتى لمسوا مدى انضباط تلك المجموعات بعدما بلغتهم تأكيدات من قائدها “الحكيم” أنه لن يدع أي أمر يؤثر على متابعة الدروس في جو ملائم ريثما يكون تم تحضير دير القطارة القريب والإنتقال إليه.
لا نكشف سرا إذا قلنا أنه عند اقتراب إخلاء الثانوية كنا جميعا نتمنّى ألا يتم ذلك. فذلك “الحكيم” الذي كنا نسمع عنه ولم نعرفه من قبل كان يجمع رفاقه في الباحة الخلفية للثانوية ويلقي فيهم محاضرات في تاريخ لبنان والإضطهاد الذي تعرّض له المسيحيون وكيف قاوموا عبر التاريخ. كان يقصد توقيت تلك المحاضرات أثناء الدروس حتى يكون الملعب خاليا ولا يؤثر ذلك على حرّية حركة الطلاب وصفائهم كما وعد. لكن مع الوقت باتت تلك المحاضرات تستقطب ليس الطلاب فقط بل الأساتذة. وعندما بدأنا نرى أن بعض أساتذتنا يشارك فيها وكذلك بعض الطلاب من صفوف أعلى صرنا نتخلف عن حضور الدروس والبقاء في الملعب لمتابعة هذا المقاوم الشمالي الذي راح يشعل في من يتابعه روح النضال والثقة بالنفس ومعرفة الماضي بما يسهّل تحديد خيارات المستقبل.
وبعد انتقال تلك المجموعة وقائدها إلى القطارة، بدأت تعمل في شكل أكثر تنظيما. وما هي إلا شهور حتى انتهى العام الدراسي، فبدأت مجموعات كبيرة من شباب المنطقة تلتحق بمجموعة شباب الشمال للتدرب وكنت واحدا منهم خصوصا أن الحرب باتت واقعا ولم تعد مجرّد أخبار واردة أو متواترة من مناطق بعيدة. والنار بدأت تلفح الجميع ولم يعد الوقت متاحا للتردد أو للإختيار. هناك تعرفنا على ميشال تامر (جيمي) وفرانسوا معراوي وميلاد العلماوي وآخرين ممن كنا نتوق للعمل معا درءا لمزيد من ممارسات المسلحين الفلسطينيين والقوات السورية.
ومن هناك اتخذت حياتنا جميعا اتجاهات أخرى. لم يعد الكتاب وحيدا، صارت البندقية رفيقته الدائمة أو هو رفيقها الدائم لا فرق. وما عادت الكتابة بالحبر وحده بل بالحبر والرصاص والدم. وثمّة قائل أنها طالما كانت هي الأصدق في كتابة التاريخ.