
كيف يركّز التلميذ على دروسه في المدرسة حين يكون في حال قلق من مشكلات مستمرّة بين والديه؟ أو حين يترك أخاً حديث الولادة، يستحوذ على اهتمام أمّه في غيابه؟ وكيف ينجح مَن يرتعد خوفاً من عقاب الأهل؟
ينهض الطفل صباحاً، يتناول فطوره بسرعة وينطلق إلى المدرسة، حيث يمضي أكثر من ثلث نهاره، 5 أيام في الأسبوع. وبعد عودته، يرتاح قليلاً، ثمّ يبدأ بالقيام بالواجبات المدرسية، التي قد تستمرّ لحين وقت النوم، وغداً عليه أن ينهض باكراً للذهاب إلى المدرسة.
هذا هو النمط الذي يعيش فيه معظم الأطفال لسنوات طويلة. إنّ تعليم الولد وتثقيفه ضروري، ولا غنى عنه، إلّا أنّ المشكلة تكمن في «نوعية الوقت» خلال تواجد الطفل في البيت. هل يحصل على ما يحتاج من حبّ وتفهّم؟ هل يتمّ إشباع حاجته إلى الإستقلالية؟
الحبّ والعناية أولاً
غالباً ما تهتم الأم بالطفل، بدراسته، واجباته المدرسية، المقابلات مع أساتذته، ونتائج امتحاناته. فنراها في فترات الإمتحانات: منهكة، قلقة، متوترة، وتنقل كلّ هذه المشاعر إلى إبنها التلميذ. تقع المصيبة إذا لم تأتِ نتائج امتحاناته على مستوى توقعاتها، فتثور وتصبّ غضبها على طفلها، الذي يحتاج في هذا الوقت تحديداً إلى تفهّمها ومحبتها وحنانها كأم.
فبدل البحث عن سبب الفشل المدرسي للطفل، وإذا كان يحتاج لمساعدة مختصين، أو يعاني من ضعف في قدرات معينة، أو ربما يكمن سبب فشله في العلاقات داخل الأسرة، بين الأم والأب مثلاً، والتي تنعكس على إنتاجه الدراسي، ها هي تعاقبه وتلومه!
يحتاج الطفل «للوقت النوعي» في أجواء البيت، ما يشبع حاجاته للحبّ وللعناية والأمان والإستقرار، قبل إشباع الحاجات للنجاح في المدرسة، التي لا شكّ بأنها على قدر بالغ من الأهمية.
من الضروري مرور الأطفال بالمراحل المتعلقة بالدراسة، كذلك اتّباع النظام، وتحقيق النجاح، إلّا أنّ علاقة الطفل بأهله غالباً ما تتأثر بدفتر علاماته.
فلما لا يستفيد الأهل من وقت تواجد أبنائهم في البيت، وذلك للتقرّب منهم، ما يؤمّن الراحة النفسية المتبادلة.
والأفضل في هذه الأوقات عدم استقبال الضيوف، والإبتعاد عن المكالمات الهاتفية والإنترنت وكلّ ما يشوب شعور الطفل بأنه يستحق اهتمام أهله. وسيساعده ذلك على الإلتزام بالقوانين والنظام من حيث الإلتزام بمواعيد الطعام والراحة والدرس والنوم وغيرها.
صحيح أنّ العلاقة بين الأبوين والطفل يجب أن تكون حازمة، منظّمة، لكن متفهمة ومحفّزة من ناحية أخرى. ليس المطلوب أن يشعر الطفل بعدم محبة أهله له، فالصراخ والعقاب يحوّلان نوعية الوقت مع الأهل إلى متشنّجة، ما يُفقد الطفل الشعور بالأمان والراحة.
قد يكون الفشل أو التراجع الدراسي نتيجة لنوع العلاقة التي تجمع الطفل، بأهله. هذه العلاقات التي قد تؤثر بشكل سلبي، ليس فقط على المستوى الدراسي للطفل، بل تمتدّ إلى جميع مراحل حياته المستقبلية، الخاصة والإجتماعية. وسوف نتناول نماذج من هذه العلاقات، حيث يسود: التسلّط، إشعار الطفل بالذنب، الحماية الزائدة، الإهمال والتدليل.
التسلّط
يبالغ الأهل بالتسلّط لحماية طفلهم، فيتحكّمون في نشاطه، يمنعونه من التصرف بحرية وعفوية، كما يجبرونه على القيام بما لا قدرة له عليه. يُعنَّف الطفل ويُضرب كوسيلة للعقاب، بهدف حثه على التقدم. هم يختارون ملابسه، وأكله وشربه، وحتى أصدقاءه، لأنهم يعرفون ما يناسبه أكثر، وصولاً إلى تحديد الإختصاص الجامعي والشريك المستقبلي له.
هم لا يهدفون إلى أذيّة طفلهم، إلّا أنّ هذا النوع من العلاقة يُنتج أبناء ضعفاء، سريعي الإنصياع، يبحثون دائماً عن قائد يتبعونه. لا قدرة لديهم على إبداء وجهات نظرهم، أو المواجهة والمنافسة. كما تنعدم لديهم المبادرة الفردية، ويتميّزون بالخجل والقلق والخوف من السلطة، ثقتهم بالنفس ضعيفة، يشعرون دائماً بعدم الإنجاز، كما يميلون إلى العنف أحياناً.
إشعار الطفل بالذنب
إنّ لوم الطفل وتحقيره والتقليل من قيمته وأهميته، والتركيز على السلبيات وإهمال الإيجابيات، يؤدّي إلى عدم ثقته بنفسه، التردّد، كما يسعى دائماً إلى إرضاء الغير. وينمو منطوياً لا يحبّ ذاته، ويركز على حسنات الآخرين.
الحماية الزائدة
يحاول الأهل حماية طفلهم بشكل زائد خصوصاً إذا كان «وحيداً»، إذ لم ينجبوا طفلاً آخر. وفي هذه الحال قد يقوم الأهل بمسؤوليات طفلهم، وبواجباته المدرسية، كما قد يختارون أصدقاءه، ويقرّرون حاجته لأساتذة خصوصيين. هم يتدخلون في شؤونه بهدف حمايته.
يتميّز الأبناء في هذه الحالة بشخصية ضعيفة، غير مستقلّة، غير قادرة على تحمّل المسؤولية، تعتمد على الغير. ثقة ضعيفة بالنفس، إحباط، واعتماد على الأم لغاية مراحل متقدمة من الحياة، وذلك لعدم إشباع الفرد حاجته إلى الإستقلالية في طفولته.
الإهمال
يقوم الطفل بما يحلو له، من دون أن يحاسب على عمل سيّئ، ولا يقوم الأهل بتشجيعه في المقابل على إنجاز قام به. قد يكون ذلك بسبب الإنشغال في العمل، أو العلاقات الإجتماعية، أو بسبب أنانية الأهل التي ترسّخ لديهم قناعة بهذه الطريقة بالتعامل.
يفسر الأطفال هذا السلوك برفض أهلهم لهم، فيشعرون بالكراهية، والإهمال، ويبحثون عن الإهتمام والحب والعناية خارج البيت. يتميّز مَن ينشأ على الإهمال، بالعدوانية، العنف، الميل إلى السرقة، وعدم التجاوب مع ما يطلبه الأهل.
التدليل
حيث يترك الأهل الطفل يقوم بما يحلو له، فلا يمنعونه من القيام بتصرفات غير مقبولة. إنه التساهل. فيصبح الطفل أنانياً، غير متعاون، غير قادر على تحمّل المسؤولية، بحاجة دائمة للدعم، سريع الغضب، يريد أن يكون الجميع في خدمته، وغير قابل للإنتقاد، فهو لا يخطئ.
الفشل الدراسي والاجتماعي سببه البيت
لو استبعدنا المسبّبات البيولوجية للفشل أو التراجع الدراسي، لوجدنا أنّ الأسباب الأخرى، جميعها، مرتبطة مباشرةً ببيئة التلميذ، والبيت، حيث العلاقات الأسرية المتبادلة بين أفراد الأسرة، والتي تنعكس جميعها على شخصية الفرد وإنتاجيّته.