#adsense

12 نيسان…

حجم الخط

في 13 نيسان 1975 كان عمر الجمهورية اللبنانية المستقلة 32 عاماً فقط. ومع ذلك انفجرت. لم تكن تلك المرة الأولى التي تدخل فيها هذه الجمهورية الحرب. في العام 1958 كانت تجربة الثورة التي بدأت في أيار وحسمها إنزال قوات المارينز على شواطئ الأوزاعي في 15 تموز وقد استمر حتى 25 تشرين الأول بعدما أمن انتقال الرئاسة من الرئيس كميل شمعون إلى الرئيس فؤاد شهاب بالتفاهم بين الرئيسين الأميركي والمصري إيزنهاور وعبد الناصر في 23 أيلول. ببنادق حرب 1958 بدأت حرب 1975. اليوم بعد 41 عاماً يستمر الشعور عند اللبنانيين وكأن هذه الحرب لم تنتهِ بعد. كأننا لا نزال نعيش في 12 نيسان  بانتظار الإنفجار الكبير في اليوم التالي.

كأن الحرب التي شنت على لبنان لا تزال مستمرة. شكل لبنان الكبير الذي أعلنه الجنرال غورو من قصر الصنوبر في أول أيلول 1920 الوطن الحلم في العالم العربي. على مدى 23 عاماً بنى الإنتداب الفرنسي أسس الدولة الحديثة التي لا تزال بعض معالمها باقية حتى اليوم في الإدارة والمحاكم والدستور والثكنات العسكرية والمستشفيات والمؤسسات الخاصة. صحيح أن المسيحيين أخذوا الواجهة في رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش والتمثيل النيابي ولكن ما سمي امتيازات أعطيت لهم لم يكن في الواقع إلا امتيازات أعطيت للوطن الجديد من أجل أن يكون مميزاً في العالم العربي وعنواناً للدولة الحديثة التي لم يعرفها هذا العالم الخارج من عتمة السلطنة العثمانية التي قسمته ولايات وسناجق.

صحيح أيضاً أن وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا سايكس وبيكو رسما خطوط تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ، في العام 1916 وخلال الحرب العالمية الأولى التي كان يتم فيها قتل اللبنانيين جوعاً، ولكن تقسيم الخرائط تم بعد ذلك بسنوات وبقي لبنان من ضمن الدول الجديدة التي أنشئت تباعاً يمثل الدولة الحلم التي بدأت تشهد نهضة عمرانية وسياحية وصناعية وثقافية.

لم تنهِ ثورة 1958 هذه الدولة الحلم ولكنها صدعتها وأطلقت إشارة الخطر الأولى على حياتها. بنى كميل شمعون خلال ستة أعوام من عهده بين 1952 و1958 المؤسسات الرائدة في دولة الحلم المنشودة. من كازينو لبنان إلى المطار إلى سد القرعون إلى شركات الكهرباء إلى الأوتوسترادات إلى مهرجانات بعلبك والأرز وغيرها. وجاء فؤاد شهاب من بعده ليبني دولة المؤسسات والإدارة وليعطي فسحة جديدة من الأمل باستقرار طويل بينما كانت معظم دول العالم العربي تعيش مراحل القلق والتوتر والإنقلابات والبحث عن الدور ليبقى لبنان بالنسبة إليها الوطن الحلم وواحة الحرية والمتنفس الوحيد. وعلى رغم ذلك بدا للبعض أن هذا اللبنان قابل للكسر وأنه صنيعة الإستعمار.

منذ العام 1965 مع انطلاق الكفاح الفلسطيني المسلح بدأ تدمير الدولة اللبنانية. كان المطلوب تحطيم الوطن الحلم من أجل الوطن البديل الذي يجب وضعه في خدمة الثورة التائهة فوق أراضي الغير. من أجل حفنة من المطالب التغييرية لتحقيق التوازن الطائفي بدأت المغامرة. تصرف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، مدعومًا من القوى اليسارية والإسلامية في لبنان ومن بعض الأنظمة العربية التي كانت ترتدي رداء الثورات الإشتراكية وترفع راية قتال العدو الإسرائيلي، على أساس أنه يتمتع بفائض من القوة وأن بإمكانه أن يسقط الدولة وأن المسيحيين في المقابل يستشعرون الضعف وسيهربون ويتخلون عن دورهم لن يكونوا مستعدين للقتال دفاعًا عن لبنان الجميل لأنهم في ميزان القوى لا قوة لهم. وعلى هذا الأساس عاش لبنان منذ توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969 على قاعدة أنه يعيش في 12 نيسان وأن الحرب ستقع في اليوم التالي. في 2 أيار 1973 سقط دور الجيش اللبناني بعدما خرج المسلحون الفلسطينيون من المخيمات إلى الشوارع. كان واضحاً أن الوطن الجميل يلفظ أنفاسه الأخيرة. لم يستطع الجيش أن يحسم المعركة واستشعر المسيحيون الخطر ليس عليهم فقط بل على هذا الوطن الحلم فبدأوا يتحضرون للمواجهة ليفاجئوا الذين راهنوا على هربهم وفرارهم وإعلان استسلامهم.

لم تكن هناك صعوبة في تغطية حرب إسقاط الوطن الحلم بشعارات كثيرة جاهزة. كان من السهل اتهام المسيحيين بأنهم متآمرون على القضية الفلسطينية ومتعاملون مع العدو الإسرائيلي وأنهم يشكلون طابوراً خامساً وفئويون وطائفيون وانعزاليون وتقسيميون وبالتالي يجب التخلص منهم. في ظل كل هذا الوضع وعلى رغم الإمكانات المتواضعة لم يتأخر المسيحيون في التوجه نحو جبهات القتال. عندما بدأت أحداث صيدا في بداية العام 1975 كان القرار بالقضاء على دولة 1943 متخذاً ولم تكن بوسطة عين الرمانة إلا الحادث الذي أطلق الشرارة. لم يقم المسلحون الفلسطينيون أي اعتبار لخصوصية المنطقة واعتقدوا أن بإمكانهم استباحة كل شيء. الناس والمعتقدات والممتلكات. ما كان يحصل في تلك المرحلة يتكرر اليوم في صورة أخرى. كما كان الفلسطينيون يتصرفون، يتصرف “حزب الله” من منطلق شعوره بغطرسة القوة وبقدرته على استباحة الخصوصيات. الفلسطينيون ومن معهم تصرفوا على أساس حماية ثورتهم والحزب يتصرف على أساس حماية ثورته. الفلسطينيون تصرفوا على قاعدة أن السلاح يحمي السلاح. و”حزب الله” طبق هذه القاعدة أيضاً.

على مدى 15 عاماً من الحروب العسكرية استمر تدمير الوطن الحلم وعلى رغم ذلك كان في كل مرحلة يعلن قيامته وأن في استطاعته أن يعود حلماً لكل اللبنانيين. ودائماً في هذه الحروب كان الحضور المسيحي هو الهدف. الفصائل الفلسطينية تصرفت على هذا الأساس وبعدها أخذ النظام السوري هذه المهمة وحول الوطن الحلم وطن الساحة ودولة المزرعة والفساد.

في العام 1982 رسم بشير الجميل قائد “القوات اللبنانية” مساحة العودة إلى الوطن الحلم فتم اغتياله. وفي العام 1986 أعاد سمير جعجع رسم هذه الصورة عندما تحولت المناطق الشرقية في ظل “القوات اللبنانية” إلى صورة مصغرة عن هذا الوطن الحلم معطيًا الأمل بأن ثمة إمكانية لقيامة جديدة. كان “لبنان السوري” غارقاً في حروب الزواريب والشوارع وعمليات خطف الأجانب وبيانات حركات الجهاد الإسلامي مع انطلاق “حزب الله” بأسماء كثيرة. منذ بداية الحرب أرادت “القوات اللبنانية” أن تتولى مهمة الدفاع عن الوطن الحلم الجميل. ولأنها فعلت ذلك كانت دائمًا في الواجهة والمواجهة. ولأنها كذلك استمرت الحروب ضدها من أجل منع هذا الوطن الجميل من العودة إلى الحياة. ولذلك استمرت حرب 13 نيسان بأشكال كثيرة وبعناوين كثيرة.

لم يعِ كثيرون ممن شنوا حروب إلغاء الدولة خطورة ما يفعلون. بعد العام 2005 واغتيال الرئيس رفيق الحريري وانطلاق ثورة الأرز و14 آذار كان من المفترض أن تبدأ إعادة بناء هذه الدولة ولكن في المقابل ماذا حصل؟ عطل “حزب الله” بقوته وسلاحه كل هذه المحاولات وعمل على تثبيت صورة “لبنان” الذي أراده مع النظام السوري. كان من المفترض أن يكون تاريخ 14 آذار بديلاً عن 13 نيسان ولكن في الواقع كأن كل الوضع بقي عالقاً عند 12 نيسان. دولة تائهة. لا رئاسة للجمهورية. فساد شامل. إدارات مشلولة. مغانم طائفية. مؤسسات غارقة في المحسوبيات والفوضى وكأنها حصص مذهبية. استقرار هش وتفجيرات أمنية متنقلة. جيش مكلف بمهمات كثيرة ولكنه عاجز عن أن يكون صاحب السلطة الأمنية الواحدة. “حزب الله” بسلاحه وعقيدته يشكل دويلة داخل الدولة ويتصرف كأنه الحاكم الفعلي في السياسة وفي الأمن. هناك حكومة ولكن ليس هناك حكم. هناك مجلس نواب ولكن ليس هناك انتخابات. في لبنان الحلم الجميل كانت الكهرباء 24 على 24 ساعة. في لبنان الحلم الجميل كانت الثورة الفكرية والإقتصادية والسياحية. في لبنان الحلم الجميل كان هناك أمل بحياة أفضل. كان هذا اللبنان حاجة للشرق الأوسط وللعالم العربي وللبنانيين قبل أن يكون حاجة للمسيحيين. أما اليوم وقد تحول الشرق الأوسط إلى بؤر من الحروب والتوترات تبدو الحاجة إلى العودة إلى ذلك اللبنان حلماً وحاجة معاً. من أجل ذلك تصبح مسألة عودة المسيحيين إلى لعب دورهم حاجة وأملاً. من أجل ذلك يجب فهم طبيعة التفاهم بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” ليس من أجل مجلس بلدي في بلدة معينة في لبنان بل من أجل مجلس قيادة لوطن. وطن ليس إلا صورة عن ذلك الحلم الجميل من أجل أن نصبح اليوم قبل الغد في 15 آذار وحتى لا نبقى في 12 نيسان.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل