
لكي لا يتحوَل الواحد منَا اسماً من دون بلاد، مرفوضاً في كل الشوارع والشواطئ، مسحوقاً تحت عنوان “لاجئ”، متجوَلاً في كفن صدئ ينزف رماداً، حطاماً مطروداً من كل الوجوه، يغوص في لحمه طعم الموت المفاجئ، ويجعلون من جراحه معرضاً…
لكي لا نكتب الرسائل من المنفى، ونتمتم مراثي الحنين، وتمطر علينا الشمس صمتاً وشوكاً، وتركض فينا أنهار السراب، وتعبرنا أنياب الأغلال الباردة، فيصبح حزننا جريئاً، يلحس من دمنا، و يضمَد جراحنا بالجراح…
لكي لا نصبح دمعة يصفعها اليأس وهي تترجَى يباساً هجرته ريَات الندى، مساحتنا شلاَل الأسلاك، وحياتنا مواسم ألغام، ضاع منا جواز المرور الى الفرح فطمرَنا وحل الأرض…
لكي لا يغدو حلمنا خيمة، تهاجم العتمة أنفاسنا، يكسر جباهنا الذلَ، نقع ركاماً أمام الخبز الموعود، ونذبل على أبواب وكالات الغوث…
لكي لا نصبح وقف الشيطان، شعباً حجريَ الملمح، لا نصدَق أنَ اليوم الثالث موجود نعتاد الكفن المملوء ثقوباً، نقفز في المجهول منهوكين كلما أشرقت جلجلتنا مع كل صباح…
لكي لا تصبح أيَامنا سمَاً يُزهق في أطفالنا قدوم العيد، يستدعي مشهدُ القبور باستمرار مشهدَ قبورٍ آخر، نقرأ خلاصات الحق المزيَف من دون استيعاب، ولا يخطر في بالنا إلاَ العدم…
لكي لا يصبح الربيع في حياتنا ذكرى، ويصبح واحدنا نقشاً منسياً في حجر ضريح، في صدرنا يُزرَع الدمار، وتعدَنا المدنيَة من عاهات التاريخ…
لكي نبقى ويبقى معنا الوطن وفينا، كان الثالث عشر من نيسان الذي عشنا فيه على بركة البطولة، وكتبنا في مشاويرها القواميس ليرتفع لبنان معنا الى مرتبة الملوكيَة النادرة التي زلزلت أعواد الموت.
الثالث عشر من نيسان شَدَّ لبنان الى السماء كما الفلذة الصخرية، فحكم بينهما تلازم لا ينهيه إلاّ الأبد.
فيا شهداء العزّة في الثالث عشر من نيسان وبعده، يا مَن تقيمون حيث نورانية الحق والخير، لكم بين كلَ نبضة ونبضة تذكار، فمَن تعوَد سُكنى القلوب لا يموت أبداً.