ما زالوا هناك يقرفصون في قعر الجحيم ينتظرون يدا. لوهلة نخرج عن منظومة الايمان لنقول أن حتى الله نسيهم، لعل وهج النار عندهم أقوى من سطوة الحب عند الله؟ من يعرف ما حالهم؟ أين هم؟ ما يفعلون؟ ما حلّ بهم؟ أين الويل من حياتهم؟ أو لنعكس السؤال، أين حياتهم من ذاك الويل، هم ما غيرهم أولئك المنسيون في قعر ضمير الإنسانية، المفقودون في معتقلات الأسد؟
صار عمرا يا زمن، مقياس العمر زمن الحياة، زمن الحياة مقياس الحرية، إذن هم أموات ولو كانوا على قيد الأنفاس، قل جعلوهم أمواتا يتنفسون بقايا حياة. من يعرف أين هم وكيف صاروا؟ أُدخلوا شبابا في عز العمر الى ذاك الجحيم وصاروا الآن كهولا، إذا كانوا ما زالوا في مفكرة الأحياء. ليس المجرم من خطفهم وأغرقهم في هول العذاب وحسب، المجرم الأكبر هنا بيننا، يلبس قناع الدولة الأم ولا هو دولة ولا هو أم، ليس المجرم من احتلنا وزرع يومياتنا وحشيته التي لا تقارب وتخلفه البشري الذي يقارع وحوش الغاب، المجرم من جعل من الوحش وحشا ووقف يتفرّج عليه ذليلا صامتا خائفا مترددا، وكلما سمع مواء قطة شاردة ظنها زئير أسد فيهرع الى مخبئه في الذل، يحني رأسه في عتم الأصفاد ويصرخ متوسلا “أمرك سيدنا”، ويغرق شبابنا في صراخ التعذيب والمزيد منه على مدار الأيام. هذه دولتنا العليّة، هكذا تعاطفت مع مفقوديها في قبر السفّاح، لا سجون عنده إنما قبور، لا معتقلين إنما أرقام بشر يسيرون كال’لات بما تبقّى لديهم من أنفاس وما تبقّى إلا القليل.
عشرون ثلاثون أربعون عاما وأكثر، منذ انطلاقة صفارة 13 نيسان ذاك، وقوافل المفقودين تتراكم في أصفاد المجهول المعلوم. كم مفقودا في لبنان أتعرف دولتنا الكريمة؟ كم مخطوفا في معتقلات آل الأسد “الكرام” هل أحصت عددهم يوما؟ كم مات منهم تحت وطأة التعذيب هل حاولت أن تتخايل الوضع خصوصا بعدما تكشّفت رائحة المقابر الجماعية في المزّة وسواها والتي قيل إن فيها ما فيها من لبنانيين؟ كم بقي منهم من أحياء هل سألت مرة يا عالم تلك الدولة الداشرة الغائبة عن أبنائها ولو سؤالا، سؤالا واحدا لتكسر مزراب عين الدمع ذاك في وجوه أهاليهم ومن تبقى منهم على قيد الانتظار؟ هل فعلت يوما شيئا من كل تلك البدهيات ولا نسأل عما هو أبعد وأهم أي القيام بخطوة ما، لا سمح الله، خطوة ما، أي خطوة يا دولة الخطوات العرجاء المنكوبة بالفشل؟
منذ أعوام نُصبت أمام باب الاسكوا خيمة أهالي المعتقلين والمفقودين في السجون السورية، يمر العمر هناك أسير الانتظار، هذا عذاب من نوع آخر، هذا اضطهاد فاقع من دولة لأبنائها، صار الاضطهاد مزدوجا، من دولة احتلتنا عمرا واعتقلت شبابنا وعمرنا، ودولة محسوبة علينا انها دولتنا تقف من حين لأخر، إذا كان الطقس مشمسا، مع الأهالي وتطلق ببغائيا صيحات الاستنكار، ويتناوب من يسمَون بالمسؤولين على منبر الأهل معلنين التضامن الانتخابي الموقت، ثم يغيبون في الكذب والتواطوء، والأهل يتناوبون على الألم، كل منهم يحمل ألم الآخر كما يحمل صورة إبن أو زجا أو أخ، وعلى درب الانتظار سُرقت أعمار الكثير منهم، ماتت الست فيوليت على الطريق وهي تنتظر ابنها وابنتها أن يعودا ولم يفعلا، كانت الخيمة ملجأها الوحيد لتشعر أن ثمة من يذكر بعد في دولة النسيان والنكران تلك، أن لها فلذات أكباد تتقطّع على غيابها، كانت الخيمة باب الأمل الوحيد لتبقى الأمهات في ذاكرة الوطن، كي لا يتناسى الوطن صدى الصرخات التي على رغم كل الضجيج واليأس ومفرقعات الهزائم، ما زالت تصل أصواتهم بالأعجوبة الينا، وكأن الرب يريد أن يجعلهم تلك إلابرة التي تنكز ضمير غائب من وقت لآخر فيصرخ من وجع عابر، ولا يلبث أن يعود الى عادة النسيان وما العمل إذن؟
الدولة الأم التي تماهت عبر مسؤوليها بنكران وجودهم، ما زالت تجلس الى الرف تراقب غبار العنكبوت ينسج فوق وجوههم بيوت النسيان، وكلما نكروا يأتي من يدحض الأكذوبة فيخرج أحدهم فجأة ليثبت أن ما زال لدينا هناك المئات والمئات من رجالنا، لكن الدولة لا تسمع ولا ترى وغير معنية، إذ لم تجرؤ حتى اللحظة على المطالبة بهم بشكل رسمي لا عبر وزاراتها، الداخلية أو الخارجية أو أي وزارة أخرى، ولا عبر المؤسسات الدولية أو الانسانية أو الأهلية التي تعنى بهذا الملف، لم تتجرأ على توجيه مجرّد سؤال للدولة السورية، وتحديدا لبشار الأسد لمعرفة مصيرهم، تنتظر على قارعة الإهمال من يتولى عنها هذا الملف الإنساني الشائك الخطير، رغم أن عددا كبيرا ممن خرجوا من معتقلات التعذيب، دونوا أسماء وقدموا براهين عن وجود رفاق لهم في سجون متعددة، سواء في تدمر أو المزة أو سواها، وحتى اللحظة ما زال بعض الأسرى المحررين يتابع قضايا رفاقه ويلاحق أي طيف منهم يشير الى وجود آخرين ولا يتوانى عن التبليغ عن أي معلومة جديدة في هذا الإطار، علّها تكون السراج الذي يضيىء زاروبا من طريق الظلام ذاك، ولكن لا من يستجيب كالعادة.
منذ 13 نيسان 1975، تراكم عدد المفقودين في لبنان وخصوصا أيام حكم الميليشيات، بعضهم عاد بعضهم مات وعرف أين وكيف إلا من دخلوا سوريا تلك، سوريا التي قيل يوما ما انها “شقيقة” جعلت من شبابنا وقود الموت، تعلّمت بهم أحدث وسائل التعذيب والوحشية، لا أنسى من كان يسمى بعميد الأسرى في السجون الإسرائيلية سمير القنطار، نحكي هنا عن دولة عدوة رسميا وبامتياز، أسرت إسرائيل القنطار لسنين فخرج من سجنها متخرّجا بدرجة دكتوراه، تعلم وتزوج وأنجب ومارس ما يعتبره السجّان الإسرائيلي حقا من حقوقه كأسير، بينما يخرج شبابنا، إذا خرجوا، من المعتقلات السورية أشباه بشر غذاؤهم الأصلي جرذانا ميتة وأرز مبلول من بول بشري وحش، ويعودون بعقل ملتبس لفرط الضربات التي تلقوها على مدى السنين، هذا سجن “الشقيقة” وطبعا بامتياز.
وينن؟ لا أحد يعلم، وين أصواتن؟ لا تسألوا ذاك السفاح إذ لا يُسأل وحش عن إنسان، إنما اسألوا الدولة التي وعلى مر السنين وبما لا يقبل الجدل، أثبتت أنها هي الوحش الرابض بيننا، ولولا هذه الحقيقة لما كان لدينا عندهم مفقودون وأسرى بهذا العدد الهائل، ولما تجرأت دولة على التطاول من الأساس علينا واستباحتنا بهذا الشكل الوحشي، على مرأى الدولة وبعض ناسها الأوفياء الذين يصفقون أنهم سجلوا علينا انتصارا، في حين أنهم سجلوا على الإنسانية أبشع الهزائم، هزيمة الإنسان فيهم…
وينن؟ نحن نعرف أنهم هناك، كلنا هناك معهم في معتقل الضمير، أعطهم ربي، إذا ما زلت تذكرهم، أعطهم قوة بعد علهم يتحررون من ذاك القبر إما بالحرية الفعلية أو بالموت، نعم بالموت، إذ هو أشرف وأنقى من أن يبقوا في ذاك المعتقل أسرى الوحش بينما الله هو الحرية والسعادة، وحسبنا الوحيد في ملفهم هو الله ولا أحد سواه…
