
أيعقل ان يكون 13 نيسان ما زال حياً في نهج بعض اللبنانيين، فهذا البعض لم يتعلم من التجربة شيئاً وكأن الزمن عند هؤلاء توقف يوم خرج تنين ابتلاع لبنان من جحره ليحاول القضاء على الهوية والكيان والدولة بديلاً عن فلسطين … فلا يزالون يعيشون الماضي…
أيعقل ان يكون 13 نيسان ما زال جاسماً في عقول البعض الذين يستبدلون شعار “طريق فلسطين تمر بجونيه” بشعار “طريق الدولة اللبنانية السيدة الحرة والمستقلة ورئاسة الجمهورية تمر بأزمات وحلول المنطقة”…
يتساءل المرء هل فعلاً 13 نيسان ذكرى نابعة من وجدان واعي ام عادة لا واعية نكررها على ما يقول الفيلسوف برغسون؟ هل استعادة الماضي الاليم تغنينا عن النظر بوعي وادراك الى الحاضر الذي نحن فيه من مأساة وانقسامات وغياب للدولة؟
اترانا بحاجة للتذكير انه: عندما اندلعت الحرب في 13 نيسان 1975 كانت الدولة غائبة لا بل مغيبة – منذ 1973 انكفأت السلطة الشرعية عن ممارسة دورها الوطني ابان محاولة الجيش اللبناني اخماد بزور الانتفاضة الفلسطينية المسلحة في المخيمات واستيقاظ مؤامرة الوطن البديل…
وفي 13 نيسان، انقسم الجيش وانقسمت معه الدولة، وانهارت المؤسسات وحل الامن الذاتي بدل الامن الرسمي. ولا نزال نذكر مع سوانا من سكان منطقة مقاومة وصمود دخلت التاريخ كيف ان عناصر وضباط القوى المسلحة الشرعية انذاك باتوا يبدلون ثيابهم من بذاتهم العسكرية الى لباس مدني للعبور بين عين الرمانة والشياح لأن الهيبة سقطت ولأن الدولة اغمي عليها…
فكان السيبان وكانت استباحة المقدسات وقدس المقدسات: لبنان الدولة والكيان والاستقلال، فانقض الجميع على الحمل المذبوح هذا الوطن المستضعف بضعف ولاء ابنائه له والمستفرد لغياب من يدافع عن عرضه وشرفه. وقد بيع بأبخس الاثمان في اسواق النخاسة الدولية والاقليمية انذاك كبيع النبي يوسف على يد اخوته وابناء بيته للفراعنة…
وطن حيطه كان “واطي”…
شرفه كان في الوحل…
شعبه في تشتت وتعددية ولاءات…
فكانت القسمة وكان الانقسام: شرقية وغربية… وجيش تحرير من هنا وميليشيات شعبية من هناك… ومنظمات تحرير، فأحزاب ودويلات وسلاح غير شرعي مقابل سلاح غير شرعي… فوضى ودمار وخراب وانقسام وعنف وتقتيل…
فيما لا رئيس ولا حكومة ولا برلمان ولا قوانين ولا سلطة ولا قوى شرعية تضبط الاوضاع وتحكم السيطرة لمنع الاسوأ لا بل لمنع المحظور الاعظم… فكان الاعظم…
في خضم الظلمات ومن عمق المأساة الوطنية والام وطن وشعب ويأس من الاتكال على شقيق او صديق، انبرت حفنة من اللبنانيين الاحرار بقيادات حرة كقتال داوود مع المارد غوليات، مارد المؤامرة الدولية الكونية على لبنان لاراحة اسرائيل على الطريقة الكسنجرية وانهاء القضية الفلسطينية المحقة والمشروعة على حسابه… فكانت المنازلة مع انحراف البوصلة والتحييد عن القضية المركزية…
منازلة اعادت عقارب العزة والكرامة الى الدوران…
منازلة اوقفت المؤامرة المتوحشة الآتية على رأس اسطول “دين براون” الاميركي لتهجير المسيحيين اللبنانيين المقاومين للمؤامرة من الكسليك… يومها قالها لنا ذاك المبعوث الديبلوماسي اللائق واللبق: عندما تتعبون قولوا لنا لنأتي ونأخذكم…
فلم نتعب ولم نكل ولم نستسلم… الا ان استسلم العالم وتعب من عناد شعب عشق الحرية حتى الثمالة والكرامة والارض حتى الاستشهاد…
ذاكرة لا تنتسى وارادة وعزم لا يلينان … هذا هو نحن … المقاومة اللبنانية … من البشير الى سمير … مروراً بشهدائنا القديسين… على صورة يوحنا مارون وصخور قنوبين والبطاركة المقاومين متخذين من لاهوت الارض والحرية ذخيرة الايمان بالجذور…
فاليوم وامام استمرار بزور 13 نيسان متجدد…
بلا رئيس للجمهورية
بلا دولة فاعلة وقادرة
بلا مؤسسات دستورية ورقابية قادرة وملتزمة الدستور والمصالح العليا للدولة
بلا مناعة وطنية بفعل تبعية قسم من اللبنانيين للخارج وارتهان اجنداته للمحاور الاقليمية المتصارعة
بلا ولاء للوطن بل لاوطان اخرى
حيث الدولة دويلات نفسية قبل ان تكون جغرافية
وحيث التجاذبات تطغى على التصارحات
وحيث الحوارات اصوات صارخة في برية غربة اللبنانيين عن بعضهم وعن بلدهم…
وحيث الامل مفقود باستعادة زمام المبادرة وطنياً ووحدة وطنية محكمة وصلبة تواجه العواصف العاتية… ان لم تستيقظ العقول والضمائر لدى الجميع…
فنسأل ومعنا يسأل المواطن القلق: ترى هل لا يزال 13 نيسان هنا وإن بحلة جديدة؟