13 نيسان… كانوا هناك

13 نيسان 1975. تعددت الروايات والحقيقة واحدة: ليست بوسطة عين الرمانة البداية ولا اتفاق الطائف النهاية. من استقلّ البوسطة ذاك اليوم لم يكن يدرك أنها الحرب الملعونة التي سيخوض غمارها دفاعا عن أرض وشعب وبيت. فكر أنها مسألة مناوشات عادية، أحداث عابرة  تنتهي مع تراجع التنظيمات الفلسطينية المسلحة إلى مواقعها، إلى خطوطها غير الأمامية، إلى مخيماتها. تماما كما حصل في العام 1969 و1973. لكن ما حصل “كان متل الكذب”.

فجأة صارت حدود الوطن “شرقية” و”غربية”، والسواتر الترابية التي كانت تشقع عالية حددت مسار ذاك التاريخ الملعون وتحول مسار تاريخ ذاك الطفل الذي كان يلهو بالطابة ويخطط لمستقبل علمي باهر فصار الحكاية في كتب التاريخ والجغرافيا وحتى في إطارات الصور المكللة بالشرائط البيض…

13 نيسان 1975 “لو لم تمر تلك البوسطة في عين الرمانة”. كثر تمنوا ذلك، أو فكروا أنها كانت قصة بوسطة، لكن ليس بعدما صارت الكذبة حقيقة وصاروا جزءا من تلك الرواية الملعونة التي أثبتت أنها لم تكن البداية إنما لحظة قرار وساعة الصفر. فكيف يروي بعض ممن عايش تلك اللحظة الملعونة وصار جزءا منها، تاريخ عمر مر في حرب قيل إنها انتهت لكن في حساباتهم “13 نيسان مكمل”. ما هي العبرة التي يحملونها اليوم؟ مقاتلون، معوقون شهود على شهداء رفاق.. يروون ويشهدون ان نيسان لا يحتمل أكثر من كذبة.

ثمة من يقول إنها كانت البداية لشرارة الحرب اللبنانية. وكانت روايتان واحدة كتائبية وأخرى فلسطينية وثالثهما رواية رسمية كما أوردها وزير الإعلام آنذاك محمود عمار.

في الرواية الرسمية: “انه قرابة الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم (13 نيسان) وفي محلة عين الرمانة حصل خلاف بين لبناني ينتمي إلى إحدى التنظيمات الفدائية مع بعض أبناء المحلة، ما أدى إلى إصابة اللبناني الفدائي بجروح ونقله إلى المستشفى. وبعد فترة وجيزة مرت سيارة من نوع فيات في المحلة نفسها، فتبادل ركابها إطلاق النار مع المسلحين الذين انتشروا في الشارع نفسه، فنتج عن ذلك مقتل اللبناني جوزف أبو عاصي. توتر الجو في المحلة. وصودف مرور سيارة أوتوبيس تقل فدائيين. فأطلقت عليهم النيران وقتل معظم ركابها وبعض العابرين. وبلغ عدد القتلى 22 قتيلا”.

وفي الرواية “الكتائبية” كما وردت في الصحف أنه “عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر الأحد 13 نيسان، وبينما كان يحتفل بتدشين كنيسة في شارع الشيخ بيار الجميل في عين الرمانة، إذا بسيارة فولسفاغن مغطاة الرقم تخترق الشارع فأوقفها أحد رجال الأمن محاولا الإستفسار من سائقها عن سبب تغطية رقم سيارته، فإجابه بأنه فدائي وينتمي إلى إحدى التنظيمات، فطلب منه رجل الأمن أن ينزع الغطاء عن رقم سيارته ويعود أدراجه. وبعد لحظات اجتاحت الشارع سيارة فيات مسرعة ومغطاة الرقم أيضا وفي داخلها أربعة مسلحين ووراءها أوتوبيس في داخله 20 مسلحا وأخذوا يطلقون النار على جموع المصلين، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم الرفيق جوزف أبو عاصي”. وبحسب روايات الصحف التي نقلتها عن مصادر في حزب الكتائب “أن سيارة الفيات قطعت الطريق بسرعة وأطلق من فيها النار من أسلحة رشاشة فقتل جوزف أبو عاصي وأنطوان ميشال الحسيني وجرح عدد من الأشخاص الذين كانوا يتواجدون في المحلة وفرت سيارة الفولسفاغن بدورها فيما كان المسلحون في داخلها يطلقون النار بغزارة في اتجاه المواطنين بهدف ترويعهم”.

أما الرواية الفلسطينية فوردت على الشكل التالي نقلا عن مصدر مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية وفيها: “قرابة الساعة الواحدة بعد الظهر، وفي المحلة نفسها وأثناء مرور أحدى سيارات الباص التي تقل عددا من المواطنين الفلسطينيين الذين شاركوا في أحد الإحتفالات، تعرضت السيارة التي كانت في طريقها إلى تل الزعتر لإطلاق نار كثيف من كمائن نصبتها عناصر تابعة لحزب الكتائب بتدبير مسبق”. ولم تأت الرواية على ذكر عدد القتلى الذين سقطوا ولا على استشهاد جوزف أبو عاصي وأنطوان ميشال الحسيني…

جورج سعد: الحرب بلشت ب 1969

تعددت الروايات والحقيقة واحدة: بعد صبيحة 13 نيسان 1975 لم يعد لبنان نفسه، ولم تعد الحياة كما كانت عليه قبل هذا التاريخ. ثمة من يتذكر  وثمة من لا يريد ان يتذكر ما قبل وما بعد هذا التاريخ الذي جعل من لبنان وطنا تتحكم به قرارات الدول وأطماعها الجغرافية في وقت كان رائدا في صناعة التاريخ. وثمة من يقول ويجزم أن الحرب كانت مطبوخة والبوسطة ذريعة. جورج سعد كان في عمر ال 16 عندما وقعت حادثة بوسطة عين الرمانة. لكنه كان شبه مهيأ لذاك التاريخ، هو الذي بدأ يتدرب على حمل البندقية منذ العام 1969 على خلفية إشكال أمني حصل آنذاك بين مسلحين تابعين لتنظيمات فلسطينية وعناصر في حزب الكتائب “من يومها حسِّينا إنو في شي بدّو يصير وبلشنا نتحضر لها اليوم المشؤوم”.

حبل الذاكرة ليس قصيرا، لكن الواضح ان جورج الذي كان يقيم في منطقة الدكوانة كان شاهدا على سلسلة حوادث كانت تحصل بين الكتائب والفلسطينيين الذين كانوا يتسللون من مخيم تل الزعتر:”في العام 1973 حصل إشكال أمني بين مفوض القوى النظامية إبراهيم جدعون وأبو الموت الفلسطيني امام بناية الشامي التي كانت تفصل بين الدكوانة وتل الزعتر. فقتل أبو الموت وأصيب جدعون في عينه. وفي اليوم التالي شن الفلسطينيون هجوما على منطقة الدكوانة وكانت المعركة الأولى التي أشارك فيها كمقاتل في صفوف القوى النظامية. اذكر ان المواجهة حصلت امام كنيسة مار جرجس القديمة وكان برفقتي شاب من آل مسعود من منطقة الفنار. والمضحك المبكي أنني اضعت جعبتي في تلك المعركة فركضنا إلى محور مدرسة راهبات الأنطونية المجاورة للكنيسة واضطر رفيقي ان يمدني برصاصات من جعبته لتلقيم بندقيتي التي كانت من نوع سلافيا كنت اشتريتها من خرجيتي بسعر 300 ليرة لبنانية. كنا امام خيارين: إما أن نتقدم ونصد الهجوم او نتراجع ونخلي الساح لمسلحي التنظيمات الفلسطينية ليعبثوا بالناس والمحرمات. وبعد ساعتين تمكنا من صد الهجوم وإجبار المسلحين على العودة إلى ما وراء خطوطهم المرسومة عند حدود مخيم تل الزعتر. ولم تهدأ الأوضاع بشكل نهائي إلا بعد وصول فرقة من الدرك اللبناني”.

عندما اندلعت شرارة الحرب في 13 نيسان 1975 كان جورج في بيته في منطقة الدكوانة. فتوجه نحو منطقة عين الرمانة وكان المشهد الذي لا يزال مطبوعا في ذاكرته. “قالولنا إنو مرافقو للشيخ بيار جوزف أبو عاصي انقتل ب عين الرمانة. رحنا لموقع الجريمة. هونيك شفنا القتلى بالبوسطة وكان عندي شعور إنو فتحت الحرب لأنو كنا بجوا من عام 1973 بس ما توقعنا إنو تطول اكثر من شهر او شهرين. كنا امام خيار واحد الدفاع عن بيوتنا. وبلحظة حسينا إنو خلص القرار اتخذ بعدم التراجع وإلا منكون سلمنا مناطقنا المسيحية لمسلحي التنظيمات الفلسطينية”.

عندما عاد جورج إلى منطقة الدكوانة كانت بدأت تتوضح معالم حدسه من خلال خطوط التماس التي ارتسمت. فجأة تبدل المشهد. متاريس أكياس الرمل ارتفعت امام البنايات . بالنسبة إلى جورج كانت قصة حياة او موت. هو لم يدخل في لعبة الحرب صدفة. خياره كان واضحا كما كل الشباب المسيحي الذي حمل البندقية أو بارودة الصيد التي كان يخبئها والده في الخزانة دفاعا عن أهله وأرضه وبيته. ويضيف محاولا إفراغ ما في ذاكرته من صور ومحطات:” في صيف 1975 غادرت جبهة الدكوانة التي كنت اتنقل على محاورها إلى منطقة النعص حيث كنا نحضر لمخيمات تدريب…وانطلق عمل المقاومة حتى بات مزروعا على كل الجبهات. وبين جولة تدريب للشباب على الحرب التي باتت مكشوفة المعالم وأخرى كان يعود إلى جبهة بيته في الدكوانه. ويضيف جورج: “في نهاية العام 1978 وصل سلاح المضاد وكانت انتهت حرب السنتين التي كلفتنا الكثير من الشهداء والضحايا لكننا تمكنا من تحرير مناطقنا من جزمة المحتل السوري”.

حبل الذكريات يطول في ذاكرة ذاك المقاتل الذي خاض المعارك على كل الجبهات لا سيما بعدما انخرط في صفوف “القوات اللبنانية” عام 1978: “بس بلشت حرب زحلة كنت بالدكوانه. وصلتنا إخبارية انو الشباب بحاجة لسلاح والإمكانيات ضئيلة جدا بسبب الحصار والقصف. يومها أخذت على عاتقي مسؤولية نقل الذخيرة وقدرت وصل للشباب نحو 100 قذيفة B7 ونص مليون خرطوشة و120 قذيفة هاون 82  بنقلة واحدة بواسطة سيارة فان هيدا عدا عن المعدات الصغيرة. وبس وصلت الذخيرة تفاجأوا الشباب وسألوا الشوفور كيف قدرت توصل لهون؟ ما صدقوا. كنا مجانين وما تفرق معنا. ما كنا نخاف إلا من ربنا”.

بوسطة عين الرمانة مرت ذاك الثالث عشر من نيسان فهل انتهت الحرب في حسابات من حملوا السلاح دفاعا عن ارضهم واهلهم؟ “اكيد الحرب ما خلصت. صحيح ما كنا مقدرين إنو راح تمتد لأكتر من 15 سنة بس كنا محضرين حالنا ل 13 نيسان. وكان التوقيت ب العام 1975 ولهلق ما خلصت. وما راح تخلص الا بأعجوبة. حاربنا الفلسطيني والسوري واليوم عم نتحضر للعدو الجديد اللي زاحف تحت ستارة “داعش”. وكل من يعتدي على ارضنا ويسعى إلى تهديد وجودنا هو عدو لنا ولن أتأخر لحظة عن حمل السلاح من جديد للدفاع عن مبادئي كما فعلت في ال1975″.

فادي عازار: كنا عارفين انو البداية

ثمة من كان طفلا يلهو بالعاب الضيعة عندما اندلعت شرارة 13 نيسان 1975 ومنهم من فتح عينيه على وطن مشرع على حروب وأطماع الآخرين على أرضه ليجد نفسه في لحظة ما لاعبا أساسيا في هذه اللعبة المدمرة. فادي عازار كان في منزله في رياق عندما دخل المسلحون بحثا عن قطعة سلاح لوالده الذي كان عسكريا في الجيش اللبناني وعندما حاولت والدته صدهم صفعها احدهم على خدها فكان القرار بالنزول إلى بيروت لمقاومة كل محتل ومعتدٍ على الأرض وكرامة أهله” بس بلشت الحرب كنا عارفين انو هاي البداية بس ما توقعنا إنو يكون اتخذ القرار بإشعال فتيل الحرب اللبنانية” فادي لم يصدق كما الكثير من الشباب انها بداية الحرب إلا عندما صار جزءا منها.”عندما اندلعت الحرب كنا أمام خيارين: إما ان نبقى او نرحل. فكان الخيار في حمل السلاح دفاعا عن وجودنا ولولا ذلك لكنا إما اهل ذمة او مهجرين في اصقاع الأرض”.

لم يندم فادي لحظة على عمر امضاه على الجبهات “صحيح ان الثمن كان غاليا جدا شهداء ومعوقين ومفقودين لكن ثمن السلم اغلى من الحرب”. وهل انتهت الحرب ؟ “اكيد لأ. فالحرب التي نخوضها اليوم أصعب وأكثر دقة لأننا نقاوم بالمبادئ والفكر والقيم والرهان على الدولة أولا وآخرا. الحرب لم تنتهِ لكن اللاعبين تغيروا”.

في التحقيق الذي أجري مع سائق البوسطة أوضح أنه سلك الطريق بتوجيه من أحد رجال الشرطة البلدية. فمن هو هذا الشرطي البلدي وما قصة وجوده في ذلك الموقع؟

يقول الدكتور فريد الخازن في كتابه “تفكك أوصال الدولة اللبنانية “(صفحة 381) أنه لم تعرف هوية ذلك الشرطي البلدي إطلاقاً ولا أحد عرف كيف وجد في تلك النقطة وكيف أختفى منها فجأة، كما لو كان شبحاً. وبقي سرّه لغزاً من ألغاز الحرب اللبنانية”.

حاولت السلطات اللبنانية أن تذهب في التحقيق إلى عمق الأحداث، لا الوقوف عند مظاهرها. فتبين لها أن منتصر أحمد ناصر راكب سيارة الفولكسفاغن، الذي افتعل المشكل هو من إحدى القرى الجنوبية وينتمي إلى جبهة التحرير العربية المدعومة من العراق، كذلك معظم ركاب البوسطة.

وفي كتابه “المكتب الثاني حاكم في الظل” (صفحة 497) يقول الصحافي نقولا ناصيف: وفيما خص سيارة الفيات التي كانت تقل المسلحين الأربعة، التي أطلقت النار على جوزف أبو عاصي ومن معه، فهي بقيت مجهولة الهوية، لأن الجريح الذي نقل منها إلى مستشفى القدس، اختفت آثاره، ولم يعرف من هو، وبالتالي إلى أي فصيل فلسطيني ينتمي، بل هل ينتمي أصلاً إلى المقاومة؟ وإصطدم التحقيق بجدار تهريب الدليل، الذي قد يكون مفتاحاً لمعرفة منشأ الحادثة.

بيار ناصيف: مقاومة مستمرة على كرسيه المتحرك

تلك الرواية نسردها امام بيار ناصيف الذي أصيب في 8 أيلول 1976 في منطقة الأسواق مما أدى إلى إصابته بالشلل التام. لكن مقاومة بيار لم تتوقف عند حدث الإعاقة واستمر على كرسيه المتنقل يقاوم ويشغل حاليا منصب نائب رئيس رابطة كروس كرود. يسمع الرواية ويتذكر”كان يوم شؤم . كان عمري 16 سنة بس صارت حادثة بوسطة عين الرمانة سكرت الكتاب حطيت الشنطة بإحدى زوايا البيت وحملت البارودة ونزلت عالشارع تا دافع عن أرضي وأهلي”. عندما حمل بيار السلاح او “جفت الصيد” بحسب روايته لم يكن مدربا على حمل السلاح ولا على أي من الفنون القتالية. توجه إلى أقرب مركز ل”التنظيم” ونزل مع الشباب إلى جبهة الأسواق وهناك تعلم كيفية تلقيم البارودة ولاحقا المدفع لكن فترة نضاله على الجبهات كانت قصيرة جدا. وغادرها محمولا على أكتاف الشباب بعد إصابته في منطقة الأسواق ويروي “كنا مفكرين إنو المعركة اللي انفتحت على خلفية حادثة بوسطة عين الرمانة ما راح تستمر أكتر من شهر ومنرجع ع حياتنا الطبيعية ومدارسنا. شهر ورا شهر عرفنا إنو القرار بالحرب اتخذ. وكان امامنا خيار واحد نوقف بوج الفلسطيني وكل التنظيمات المسلحة وأقسمنا إنو نضل ع الجبهات وما نتراجع ولو ما كان في مقاومة مسيحية ما كان بقي مسيحي بالمناطق اللبنانية”.

يسكت بيار عندما يتذكر رفاقه الذين استشهدوا معه على الجبهات. وفي كل مرة كان ورفاقه يجددون القسم بأن لا يتراجعوا كرمال هالشهدا اللي راحوا. ولا ينسى مشهد رفيقين له استشهدا بعد قتلهما بوحشية بواسطة الفراعة في منطقة الحدث. “كنا بدير السيدة بالحدث بداية العام 1976 عم نقاوم جحافل المسلحين من فلسطينيين وصوماليين وجنسيات أخرى فجأة بقرب ع الباب وبشوف رفيقين كانوا معي مقتولين بالفراعات بطريقة وحشية. من يومها ما عدت طلعت ع البيت إلا ل طمن امي وأهلي عليي. صارت الجبهة بيتي والمتراس تختي”.

قبل يومين من إصابته كان بيار على جبهة غاليري سمعان وتعرض لإصابة في الكتف.  دخل المستشفى، ضمد جرحه، وخرج منها مباشرة إلى الجبهة “ومش أنا وحدي ما حدا كان يغيب عن الجبهة إلا في حال الإستشهاد أو الإصابات البليغة”. بعد شهر على إصابته في منطقة الأسواق نقل بيار إلى مستشفى ضهر الباشق وهناك ادرك أنه أصيب بالشلل التام “بالبداية ما بنكر إنو الصدمة كانت كبيرة بعدين استوعبت الواقع الجديد بفضل المساندة النفسية والجسدية بمعهد بيت شباب وكانوا المراسلين الأجانب اللي يجوا ع معهد بيت شباب يستغربوا من روح المقاومة والعنفوان عند الشباب المصابين باعاقات بمعهد بيت شباب وهني جايين بخلفية انو في عدد من المعوقين اقدموا على الإنتحار”.

خيار بيار في الإستمرار في المقاومة استمر على الكرسي “مرة اتصلت بأحد الرفاق وطلبت منو يجي لعندي وياخدني ع جبهة الأسواق. ما صدق. فكرني عم هلوس. بس وصلت لهونيك انصدموا الشباب اللي كانوا ع الجبهة مع انو كلن كانو ما بيعرفوني. سألوني شو جايي اعمل هون ومش خايف اتعرض لرصاصة قناص او للموت؟ ضحكت وقلتللن”اللي سبقوني ع درب الشهادة مش اهم  مني. ولليوم مستعد استشهد كرمال كل نقطة دم شهيد سقط”. وهل شعرت في لحظة ما بالندم او الخيبة عند انتهاء الحرب؟ مقاطعا “مين قال خلصت الحرب؟ الحرب مكملة لإثبات وجودنا وراح نضل نقاوم. وبعتبر إنو مسؤوليتي صارت أكبر لأنو عم قاوم بروح الإيمان وحب البقاء”. وحده مشهد المتاريس لا يعيد إلى بيار ذكرى الحرب “لأنو لبنان كلو صار جبهات مفتوحة والناس ممترسة على بعضا. حتى عبارة شرقية وغربية ما بتنقزني ولا بتستفز ذاكرتي لأنو صار في 100 شرقية و100 غربية وبعدك عم تسأليني إذا خلصت الحرب؟ نحنا دفعنا ثمن الحرب من دمنا، خلي المسؤولين بهالبلد يدفعو الثمن من ضميرن”.

ماري خوري: 13 نيسان لحظة صمود وشرف

“آمنت بلبنان والقضية ، التزمت، ناضلت أصبت حزنت يئست تمردت على الواقع شعرت انو الحياة انتهت طموحاتي احلامي تبخرت… لكن الصليب اللي كان من نصيبي قادني للمصلوب… واختبرت انو الحياة مسيرة نضال وتحدي وتا نمشيا علينا انو نتسلح بالإرادة”. كلمات قدمت بها ماري خوري كتابها الجديد “شظايا الورود” الذي تروي فيه سيرة فتاة ولدت في أحضان طبيعة قرية البيرة الشوفية وكانت لديها أحلام أوسع من “وسع السما” التي كانت تنام وتحلم تحت زرقتها ونجومها البراقة ليلا. إلى ان استيقظت ذات يوم على 13 نيسان 1975 “هايدي كانت لحظة الصمود بوج المؤامرة اللي كانت عم تنكتب ويتخطط لإلا لتهجير المسيحيين من لبنان. نعم 13 نيسان كانت بداية حرب، بس الأهم إنو كانت النقطة المفصلية اللي على أساسا كان بدو يتحدد مصير لبنان: إما بقاؤه او زواله. وبقي بفضل المقاومة اللي وقفت بوج الفلسطيني والسوري والإسرائيلي واليوم بوج “حزب الله”.

من على كرسيها المتحرك في بيت شباب حيث تعيش ماري خوري منذ إصابتها في حرب الجبل تقاوم. حتى عبارة مقاومة لا تختصر سيرة حياتها ونضالها كيف لا وهي التي وقفت في وجه ذاك المسلح الذي كان يتربص لها امام بيتها بعدما كشف له المخبرون إسم ومكان إقامة تلك الفتاة التي انتسبت إلى سلاح الإشارة في “القوات اللبنانية” في مركز البيرة في الشوف. أراد ان يذلها ان يجعلها تفشي بأسماء رفاقها في سلاح الإشارة، لكنها التزمت الصمت. حاول ان يقترب، ان يمد يده على خصلات شعرها، فصدته بقوة. فغضب وانهال عليها بالشتائم وبدأ يصرخ في وجهها. استجمعت قواها ونظرت اليه بعنفوان وقالت: “انا مسيحية من البيرة شو فيك تعمل؟” فثار في وجهها وبدأ يصرخ ويهددها باطلاق النار. أجابته “قوص” فأطلق رصاصته على بعد أقل من متر فاخترقت العنق. ومن تلك اللحظة كانت ولادة ماري الثانية.

تقول ماري: “ما كان متوقع انو حادثة 13 نيسان راح تكون بداية الحرب اللبنانية لا بل الحروب اللي انفتحت علينا. يومها بذكر انو خفت وبكيت بس نزلو اخوتي على بيروت تا يدافعو عن ارضنا مع الشباب. بس للتاريخ كلمة حق إنو هايديك الحرب كانت الأشرف .كان في قضية نبقى او نرحّل.. وكرمال هالقضية انتسبت لسلاح الإشارة ب”القوات اللبنانية” لأنو كان بدي دافع عن ضيعتي ومنطقتي ووجودي المسيحي. بس حرب الجبل كانت الأشرس لأنو كان في مؤامرة كبيرة ودمار وتهجير”.

الثمن الذي دفعته ماري كان باهظا. فالشلل الذي أصيبت به كان كاملا “بس ما ندمت ولا لحظة صحيح إنو صليبي كبير بس ما بدي ربح حالي وغيري جميلة إنو صرت معوقة انا حملت السلاح عن إيمان وقناعة لأنو إذا كل انسان كان بدو يتهرب تا يربح حالو ما كان في شي اسمو مقاومة ولا وجود مسيحي. انا صرت معوقة بس بعدني عايشي غيري كتار استشهدوا ولإلن بيعود الفضل ببقاءنا اليوم بالوطن”.

ماذا بقي من 13 نيسان في ذاكرة ماري خوري؟ “أساسا الحرب ما خلصت يمكن تغيرو اللاعبين وبدل الفلسطيني والسوري اليوم في “حزب الله” واللي عم بيصير اليوم بيثبت هالشي. بس الأكيد إنو ما في قرار بإشعال الحرب والأهم إنو تعلمنا إنو ما في فريق بيقدر يلغي الآخر بهالوطن وكل فريق بدو يسيطر عالبلد راح يلاقي الآخر بوجو”.

عندما تغمض ماري عينيها وتعود إلى لحظة اندلاع شرارة الحرب تستعيد شعور الخوف الذي تملكها “صحيح إنو كانت لحظة صمود وبطولة بس كمان كان في خوف ع اللي منحبن… وشو كتار اللي كنا نحبن وصاروا صورة بإطار مكلل بشريط أبيض”.

13 نيسان 2016 من قال إن نيسان يحتمل أكثر من كذبة؟ ومن قال أن الحرب انتهت؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل