.jpg)
ليس 13 نيسان مجرّد ساعة تخلٍّ من يوم من شهر من سنة عابرة في روزنامة الزمن، بل إنه ليس مجرّد تاريخ لحدث كغيره من الأحداث في وطن باتت يومياته تراكمُ أحداثٍ أكثر مما هي تعاقبُ العاديات كما يوميات الآخرين.
13 نيسان هدم أحلاماً كثيرة وبنى أخرى، غيّر وجه الوطن ووجهة أبنائه. منهم من أضاع الطريق والحق ومنهم من أضاع الحياة لكنه أعاد تحديد الإتجاهات إلى الهدف الصحيح، وأعاد رسم خارطة الحرية بخطوط الدم فلا تمّحى مهما طال الزمن. كثر سقطوا في ذلك اليوم وفي ما جرّ بعده من ويلات، وكثر قاوموا وعانوا، وكثر هادنوا وتهاونوا وتعاونوا مع الطامعين، لكن الحق انتصر وبقي لبنان، وبقيت معه ذكريات من تلك المرحلة كتبت بتفاصيلها يوميات شعب ووطن يستحق على الرغم من كل شيء أن نضحّي في سبيله وأن نحيا من أجله.
لم يمر وقت كثير على 13 نيسان حتى اكتشف الناس أن الحرب لم تبدأ في ذلك النهار، هو كان فقط محطة ملتهبة فوق السطح فيما كانت تعتمل تحته آلاف العناصر الدافعة للحرب نفسياً وعقائدياً وميدانياً. جميعنا كان ينصت بقلق إلى أخبار الأهل المراوحة بين السخط والخشية مما كان يحصل قبل سنوات من 13 نيسان. وهل هذا غير وقود وشحن لشعب يتوارث عبر تاريخه مشقات الإضطهاد وملاحم المقاومة وأخبار الإعتداءات؟
عندما يبدأ المصير يشغل بال الصغار أكثر من اللعب، تكون نذر الحرب قد اقتربت. فالغيوم المحمّلة حرباً بدأت في التجمع في سمائنا ونحن كنّا بعد لم نفقه الحرب ولا ويلاتها. حرب الـ 67، حرب الـ 73، تظاهرات الجامعات وحتى المدارس بين من يؤيد الكفاح المسلح ومن يرفضه، إتفاق القاهرة، وكان أهلنا يرددون ذلك التعبير المبهم بالنسبة إلينا بشيء من الخشية على المصير، وما كنا نعرف منه إلا تلك الخشية المتعاظمة في عيون الأقربين والأبعدين. يومها أكثرت من توزيع الأسئلة عن اللجوء الفلسطيني والمخيمات ولماذا يؤيدهم نصف اللبنانيين ويختلفون بسببهم مع النصف الآخر… وغير ذلك من التساؤلات والتوجّسات. ليس المهم ما فهمته يومها من خلال هذا الجهد، بل المهم أن تلك المحطات كانت تُشغل بالنا ولم يحلَّ ذاك النيسان بعد. ولم نبلغ نضوجنا بعد.
بعد 41 عاماً يجدر بنا أن نستحضر الحدث وأن نستذكر اللحظة، لنعلم أن الحرب لم تكن أهلية ولا طائفية على الرغم مما شابها من خلل أهلي وطائفي. هي كانت حرب الذين يريدون وطناً على قياس أحلامهم ضد من لا يريدون الوطن أصلاً، وربما كان خلاف البعض مع البعض الآخر بقدر اختلاف الأحلام لا أكثر، فوقع الجميع في فخ تحويلهم إلى أدوات. كان المسلم يحلم بوطن والمسيحي يحلم بوطن، والفلسطيني أيضا كان يحلم بوطن. لكن هناك من كان يحلم باختطاف الجميع ومعهم أحلامهم بأوطانهم المنشودة. وكل من كان يعيق هذا المشروع تمّت إزاحته: ألم يُختطف ويُغيّب الإمام موسى الصدر الشيعي لأنه أعاق المخطط؟ ألم يُغتال كمال جنبلاط الدرزي للغايات نفسها ولو اختلف المشهد؟ ياسر عرفات نفسه تحوّل من رأس حربة في تلك الحرب إلى هدف لها من السوريين والإسرائيليين عندما خالف قوانين اللعبة. ومن بشير الجميل ورينيه معوض والسلسلة الطويلة من المسيحيين، إلى سليم اللوزي والمفتي حسن خالد والرئيس رفيق الحريري وغيرهم من أهل السنّة، بقي القاتل هو هو لمشروعه الأوحد: السيطرة على لبنان. ومِنْ سَحْقِ المسلمين في طرابلس وفي غيرها، إلى إبادة المسيحيين في الأشرفية وفي غيرها، بدا الخط الرابط واحدا على مدى كل تلك الأحداث وكل تلك السنوات.
وخدمة للمخطط زرعوا في أذهاننا أنها حرب طائفية وأهلية وصدقنا لفترة، وشُكّت المخارز في أعيننا جميعا عندما اكتشفنا الحقيقة حتى لا نتمسّك بها، فقاومنا المخارز وتمسكنا بالحقيقة وبالحق، وانتفضنا… اليوم وبعد أكثر من 41 عاما يستمر المخرز مصوبا ولو باليد الأخرى وعيوننا لم تبرأ من طعناته بعد، وتتابع الأفعى نفث سمومها من غير أنياب ومن غير أوكار، وثمّة منا من أصابه الدوار. ومهمة الجماعة في هذه الحال حمل المصاب ومداواته وليس نبذه لأنه عليل… وربما هذا الوعي وحده وهذا النبض بذاته هما ما سيخرجنا من 13 نيسان واقعا وفكرة، ومما تبعه من تداعيات على الدروب وفي القلوب…