#dfp #adsense

صحافة 13 نيسان.. الانفجار المنتظر حصل: حادث أم حرب طويلة؟

حجم الخط

أين كان أبرز الصحافيين إبان إندلاع الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975، وماذا كانوا يفعلون حين إنحرفت بوسطة المسلحين الفلسطينيين عن مسارها من مخيم شاتيلا الى مخيم تل الزعتر ودخلت الى عين الرمانة؟ صدفة أم عنوة لا فرق، ما دامت النتيجة واحدة وتعدّد الولاءات والبنادق والأجندات قد أدخل لبنان بشعبه وصحفه… في أتون الحرب.

الحرب التي صار عمرها 41 عامًا لم تكن وليدة لحظة “البوسطة”، رأي يتفق عليه الصحافيون اللبنانيون الذين عايشوا تلك اللحظة، هم يعتبرون أن تلك الشرارة مهّدت لها ثغرات بنيوية بعضها مرتبط بتأسيس الكيان اللبناني ودعائم استقلاله وعدالة توزيع السلطات السياسية فيه، وبعضها الآخر متصل بموقعه الجغرافي ونزاعات جيرانه التي حولته إلى ساحة صراع وتبادل رسائل غالبًا ما كانت صحف لبنان علب بريد لها.

ولأن خير البلية ما يضحك لا أحد من صحافيي ذاك الزمن ممن إصطفوا مع الرواية الفلسطينية لواقعة البوسطة ردّ على سؤالنا! وأطرف جواب كان من صحافي رائد في مقلب “القوى الوطنية”، عرفت أن الحرب إندلعت حين دخلت الصف حيث أدرّس يوم 14 نيسان وقرأت على اللوح “أعدموا أستاذ الفلسفة”!

أين كنت في 13 نيسان 1975؟ سؤال موحّد لكن الإجابات عليه ليست كذلك!!

الهاشم: نزلت فورًا الى بيت الكتائب

جوزيف الهاشم الوزير السابق الصحافي في جريدة العمل يومها ورئيس مجلس إدارة إذاعة صوت لبنان لاحقاً يرد على السؤال يقول:

في تلك الفترة كنت مسؤولا في حزب الكتائب وأكتب في جريدة العمل ولي زاوية في الصفحة الأولى بعنوان ” نقطة حبر”. لكن يوم 13 نيسان 1975 كنت في ضيعتي البرجين في إقليم الخروب- الشوف، وكان يوم أحد. لم يكن هناك وسائل إعلام كما اليوم، علمنا بالطبع أن حادثًا وقع في عين الرمانة لكننا لم نعرف التفاصيل. نزلت فورًا الى بيروت وبالتحديد الى بيت الكتائب، حيث بدأت مواكبة حادث تلك البوسطة التي ما تزال “تكرج” برأيي من يومها في لبنان.

حصلت بلبلة بالطبع جراء الإلتباس في الخبر، ونزلت وفود الى بيت الكتائب للتأكد من سلامة الشيخ بيار الجميل بعد أن سرت شائعة إغتياله في حادثة البوسطة، أذكر أنني وصلت يومها الى بيت الحزب وكان وصله قبلًا الشيخ بيار الذي عقد اجتماعًا للمكتب السياسي وكنت أنا أمينًا للسرّ حينذاك، دعا فيه الى التروي والهدوء في محاولة لتطويق الحادثة وامتصاص غضب الشارع المسيحي بعد استشهاد الرفيق جوزيف أبو عاصي.

يومها إنقسمت الصحافة اللبنانية الى محورين الأول مع جريدة “النهار” وجريدة “العمل” بالطبع ومحور الدولة والجيش، والثاني مع جريدة “السفير” وصحف أخرى تنتمي الى محور ما كان يعرف بالقوى الوطنية المتعاطفة مع منظمة التحرير الفلسطينية. إنقسمت الصحافة تمامًا كما إنقسم البلد والجيش والقوى السياسية والأحزاب…

لكن هل توقعت بحسك التحليلي الصحافي ان تكون تلك الحادثة بداية لحرب ستدوم 30 عامًا؟

يردّ الهاشم واثقًا “أبدًا، لا أنا ولا غيري يمكن أن يدّعي أنه إستشرف المستقبل جراء تلك الحادثة. لكن خلفية الأحداث التي سبقت واقعة عين الرمانة إنطلاقًامن الأردن والمواجهة بين الملك حسين والفلسطينيين وفشلهم في تكريس الأردن وطنًا بديلا لهم، كانت كفيلة مع قليل من التحليل ليدرك المراقب والصحافي اللبناني أن الخطة أنذاك كانت تتمحور حول كيفية تكريس لبنان وطنًا بديلا للفلسطينيين واستغلال نقطة الضعف اللبنانية أنذاك وهي امتعاض المسلم من حصته في السلطة تماما كما استغلت نقطة ضعف المملكة الأردنية وهي أن نصف الشعب والجيش الأردني كان من أصول فلسطينية. بالطبع لم يدرك اللبنانيون المسلمون أن التعاطف ودعم منظمة التحرير الفلسطينية سيوصلنا الى شرارة الحرب وإلا برأيي لما كانوا غطوا تلك المؤامرة الكبرى.

ما زالت البوسطة “تكرج” لتفكيك بنية الدولة والهيمنة على مقدراتها، فلا رئيس ولا مؤسسات ومحاولات التفكيك مستمرة. والكل بات يعرف أن لبنان محفوظ من الانهيار ليس بفضل أهله بل بفضل مظلة دولية تحيّده حتى الآن عن الانفجار الطائفي.

صعب: مودي بيطار كانت بطلة تغطية 13 نيسان في “النهار

رئيس التحرير التنفيذي سابقًا لجريدة “النهار” الأستاذ إدمون صعب يتذكر 13 نيسان 1975 كما لو أنه في غرفة تحرير الأخبار في الجريدة الآن يقول:

“في تلك المرحلة لم نكن قد عبرنا استنفار العام 1968، وأنا كنت مسؤولا عن العمليات والصفحة الأمنية في “النهار”. صحيح أن حادثة بوسطة عين الرمانة جاءت مفاجئة لكن الأهم فيها كان دخول العامل الفلسطيني. وفور شيوع خبر الحادث كان الفلسطينيون أكثر من يتصلون بنا ويعتبرونه جزءًا من المؤامرة عليهم!

والأطرف في الموضوع ان المعلومات بدأت تردنا أن معارك تدور في منطقة عين الرمانة واطلاق النار مستمر، وقدأدركنا مدى خطورة الوضع، لكن الصعوبة كانت في إقناع أي من المراسلين الشباب بالتوجّه الى عين الرمانة والدخول الى موقع الحادث او بالحري ساحة الحرب حيث القتلى على الأرض، أذكر ان مودي بيطار وكانت طالبة علم نفس في الجامعة العربية وحدها تحمّست للموضوع وقالت “أنا استاذ مستعدة روح” فقلت لها “ما فينا نخاطر، انت بنت. وكيف بدك تروحي؟ بيجوز ما تعرفي توصلي.” فردّت “هلأ بتشوف أستاذ رح أوصل ورح بيّضلك وجك.” وحقيقة توجهت مودي الى هناك مع المصور، وكانت تغطيتها ممتازة حقًا، مما دفعنا لاحقا الى انتدابها لتغطية مهمّات مماثلة كان الشباب يتحفّظون عليها. كانت مودي بطلة تغطية 13 نيسان”.

في ذاك اليوم حصلت بلبلة وشاعت أكثر من رواية للحادثة بينها أن الشيخ بيار الجميّل قد تعرّض لمحاولة إغتيال، والرواية الثانية أن الكتائب كمنوا للبوسطة ونفّذوا مجزرة في حق فلسطينيين عزّل مارين في ذاك الشارع، فهل وضحت لكم أنتم الصورة فورًا بعد التحقيقات الصحافية التي أجريتموها؟

“قد لا أكون أنا الوحيد الذي يملك المعلومات التي سأبوح لك بها، فقد كان هناك تجمّع أمام كنيسة سيدة الخلاص صحيح، ومرّت البوسطة التي تقلّ فلسطينيين وتعرضت الى إطلاق نار، وهذا أيضًا صحيح والأهم أن لا أحد كان قادرًا على التأكيد من هو الطرف الذي بادر الى إطلاق النار، لكن التحقيقات كشفت أن معظم المصابين قد أطلقت عليهم النار من سلاح صيد، ما يعني أن الحادث لم يكن مفتعلًا من قبل شباب الكتائب، ولا كمينًا مسلحًا كما حُكي! لكن بعد عدة أعوام عمِلت مع كاتب روسي يدعى إيغور تيموفييف، كتب سيرة كمال جنبلاط ونشرها تحت عنوان “كمال جنبلاط الرجل والأسطورة” وأصدرها عن “دار النهار”، وهو في الأساس ضابط في المخابرات الروسية KGB. في إحدى المرات وصدفة كنا نتكلم حول هذا الموضوع فكشف لي أنه قرأ في أحد التقارير السرّية أن حادثة عين الرمانة كانت عملية من تخطيط الإسرائيليين للإيقاع بين الفلسطينيين والمسيحيين، وأن سيارة من نوع “فيات” من دون لوحات دخلت الى عين الرمانة قبل البوسطة وكانت الشرارة منها. ما يؤكد أن الحادثة ليست وليدة الصدفة خصوصًا وأن تلك السيارة إختفت لاحقًا مع سائقها. ويقول لأن الموساد والمخابرات الإسرائيلية متغلغلة في البيئة اللبنانية والمخيمات الفلسطينية ثبت لاحقًا ان عمليات الاغتيال التي تعرّض لها أبو جهاد وياسر عرفات التي نجحت والتي لم تنجح كان الموساد خلفها بالتعاون مع عملاء فلسطينيين، لذا لا يستبعد ان يكون سائق البوسطة متعامل مع الموساد لأن علامة الاستفهام الأولى كانت “ما دخل هذه البوسطة الآتية من شاتيلا والمتوجهة الى تل الزعتر بعين الرمانة؟ وطريق تل الزعتر لا تمرّ بعين الرمانة! هذه الأسرار لم يؤكدها او ينفها أحد، وهي في سياق الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، دفع ثمنها لبنان”.

كيف تفاعلت الصحافة اللبنانية حينها؟ هل كان واضحًا لها أن الحرب قد اندلعت؟

عن السؤال يرد صعب بثقة “13 نيسان كانت مفاجأة مع أن الأجواء المشحونة كانت تنذر باندلاع حرب، لكن لم يكن بإمكان أحد في ذاك اليوم الرهيب أن يحدّد البوصلة ويستشرف المستقبل مع أن دلالات تداعيات الاصطدام بين الفلسطينيين والمسيحيين كانت واضحة.

لكن من دون شك كانت تلك الحادثة هي الأخطر بعد عملية إغتيال معروف سعد، خصوصًا وأنها حصلت في منطقة مسيحية العين مفتوحة عليها وتحازي منطقة ذات غالبية سكانية إسلامية. كان المطلوب على ما يبدو أن تنطلق الشرارة من هناك الى باقي المناطق وبطريقة دموية أكثر. مع ان الحرب لم تبدأ طائفية إلا أن الظروف السياسية حينذاك وشعور المسلمين أنهم مبعدين عن السلطة وأن رئيس الجمهورية المسيحي يتفرّد في الحكم في البلد… كلها عوامل غذّت نار الحرب لاحقًا”.

ترى ما كان موقف غسان تويني حول واقعة 13 نيسان؟ يتذكر إدمون صعب ويروي “غسان تويني كانت القصة واضحة لديه وهي أن إسرائيل تحاول أن توقع بين اللبنانيين والفلسطينيين ليكون لبنان وطنًا بديلًا لهم. وهذا ما كان يخاف منه دائمًا. وهذا الخوف تترجم بعد وصول الرئيس الياس سركيس، يومها سألني “ما رأيك بتصريحات الرئيس سركيس؟” قلت له “الأهم أنه لا يطلب مساعدات عسكرية أو اقتصادية… بل يطلب من المجتمع الدولي تأكيد سيادة لبنان وسلامة أراضيه وأمنه”. أدرك الرئيس سركيس أن الخطر الكبير كان يتهدّد لبنان. خوف غسان تويني يعود بالطبع الى العام 1969 واتفاق القاهرة عندما ضغط العرب على لبنان للتنازل عن جزء من سيادته في الجنوب وهذا ما سمي لاحقًا بـ “فتح لاند”. غسان تويني كدبلوماسي واختصاصي في فلسفة التاريخ أدرك التهديد الذي يتعرض له لبنان بسيادته واستقلاله ووحدة أراضيه، وقال لي “كان الهدف أن يكون لبنان وطنًا بديلا للفلسطينيين ويفقد لبنان استقلاله” وهذا ما يحسّ به اللبنانيون اليوم خوفًا من توطين السوريين. مرّت عقود وما زلنا نخاف من أن نُسلب أرضنا ووطننا. فنحن مجموعة أقليات ليس لديها ملاذ إلا لبنان، خصوصًا المسيحيين الذين لا تعني لهم فكرة الدولة كثيرًا بقدر ما تعني لهم فكرة الهوية والبقاء في هذا الجبل.

لم يمرّ على دولة لبنان مئة عام، نحتاج بعد الى مخاض أطول ليولد لبنان. وكما قال ميشال شيحا “الحليف الأول لنا هو الوقت. والوقت يحتاج الى وقت لينضج”. لذا آمل من المرجعيات السياسية المسيحية أن تدرك ما كتبه ميشال شيحا ووصيته الأساسية كانت “على المسيحيين أن يتكاثروا لا أن يتناقصوا!” وربما الخطر الأكبر الذي نواجهه اليوم هو التناقص عند المسيحيين، فنحن نذوب كما لوح الثلج!!.

خوري: وزير الدفاع المصري سألني “إيه عين الرمانة دي؟

رئيس تحرير جريدة “الأنوار” الأستاذ رفيق خوري بدوره يتذكر أين كان في 13 نيسان العام 1975 يقول:

“كنت في القاهرة أجري حديثًا مع وزير الدفاع المصري محمد عبد الغني الجمصي، حين أوصل أحدهم ورقة للوزير فنظر إليّ بعد أن قرأ ما كتب فيها وسألني “إيه عين الرمانة دي؟” وبعد حديث في تفاصيل الحادث قال لي “إنتو دخلتو حرب طويلة!!”. كان واضحًا من خلال الاحتقان الأمني والسياسي الذي تعيشه البلاد أن الفلسطينيين يتسلّحون ويحضرّون لشيء ما. وحادث بوسطة عين الرمانة مشكوك في أمره وكان جليًا أنه مقصود لإشعال نار الفتنة.

عندما رجعت من القاهرة الى لبنان عبر مطار بيروت كانت الطرقات مشتعلة بالرصاص، كأنها جهنم قد فتحت علينا، فكتبت يومها مقالًا بعنوان: “حرب الخمس سنوات”.

حسابات الأستاذ رفيق خوري لم تصحّ فعاد وكتب مقالًا بعنوان “حرب الثلاثين سنة” مستوحيًا من الحرب في أوروبا التي استمرت عشرات الأعوام. وعن دور الصحافة اللبنانية في تلك الحرب يقول “بالطبع كان للصحافة اللبنانية دور في تأجيج الحرب فكل جريدة كانت مرتبطة بقبيلة!! وكان بعضها محرّضًا بالطبع ويروّج أننا نحن الذين إعتدينا على الفلسطينيين! وهذا تزوير أكيد. أما نحن جريدة “الأنوار” فكنا كما دائمًا مع خيار الدولة وداعمين للجيش اللبناني”.

الشامي: شو رح يصير؟ خربت

رئيس تحرير الوكالة الوطنية للأنباء بدءًا من عهد الرئيس سليمان فرنجية، الأستاذ جورج الشامي يتذكّر أين كان ذاك الأحد في 13 نيسان يقول “كنت عائدًا من الجبل في الشمال وكانت فترة بعد الظهر ومعي “السنكري” الذي ينجز بعض أعمال السنكرية في البيت الذي كنت أبنيه في قريتي في تولا – البترون. كان من الطائفة السنيّة وعندما سمع معي خبر حادثة بوسطة عين الرمانة عبر الإذاعة اللبنانية، أخذتنا موجة من الهواجس وأذكر أن وجهه تجهّم وأعتقد أنه خاف أن أسلّمه لشباب الكتائب في الأشرفية! وعندما وصلنا الى البيت كل منا ذهب في حال سبيله. فور دخولي الى منزلي بادرتني زوجتي وأولادي بسؤال واحد والرعب في عيونهم “شو رح يصير؟” فقلت لهم من دون تردّد “خربت!”. بعدها اتصلت بزملائي في الوكالة الوطنية للأنباء وكانت تابعة لوزارة الأنباء كما كانت تسمى آنذاك وزارة الإعلام وتباحثنا بكيفية الاستعداد لمواجهة البركان الذي إنفجر. لم يطل بنا الوقت حتى أقفلت المدارس والجامعات وانقسمت البلاد. ونحن المقربين من العهد أي عهد الرئيس سليمان فرنجية ما عاد مسموح لنا الوصول الى وزارة الأنباء في بيروت الغربية، بعدما إحتل مبنى الوزارة اللواء أحمد الخطيب والعميد عزيز الأحدب. لا وساطة الرئيس فرنجية أوصلتني الى مكتبي ولا قوى الأمن الداخلي أو الدرك كما كنا نسميهم رضيوا بمواكبتي وقالوا لي “إذا أصابتنا آر بي جي شو منكون عملنا؟”. عندها التحقت بالإذاعة اللبنانية في عمشيت وبقيت هناك حتى إستعدنا مبنى الوزارة مع وصول الياس سركيس الى رئاسة الجمهورية”.

تجربة الأستاذ جورج الشامي مع الإنقسام والإقتتال الطائفي دفعته ليكتب الكثير من المقالات التي تحرّض الأخوة اللبنانيين على قبول الآخر وحبه، جمعها في كتاب حمله عنوان “لماذا يا أخي؟”. وما زال السؤال منذ 4 عقود من دون إجابات واضحة لماذا كانت 13 نيسان ومن ولّع تلك الشرارة؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل