
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1555
يكاد التحالف بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني” الحر يقلب المشهد السياسي. ربما لذلك يمكن فهم حال الذعر التي أصابت كثيرين، جماعات سياسية وأحزابًا وشخصيات، من هذا التبدل الكبير الذي حصل على مستوى العلاقة بين الطرفين. ولكن هذا الذعر يقابله مشهد آخر يتمثل بالإرتياح الكبير الذي انعكس على الرأي العام المسيحي بشكل عام عندما شعر وبصورة عفوية أن هذا التطور سينعكس إيجابًا على كل المستويات وخصوصًا استعادة الحضور المسيحي وتأمين التوازن الوطني لأنه يحمل في الأساس أهدافاً وطنية ولو كان الدكتور سمير جعجع والعماد ميشال عون اللذان يطرحانها يمثلان أكبر تيارين مسيحيين. فكيف يمكن أن يترسخ هذا التحالف في الإنتخابات البلدية وهل يمكن أن يحصد النتائج التي يريدها؟ ولماذا هذه الحملة عليه من بعض المتضررين؟ وما هو الداعي للخوف والتخويف؟
يروي سياسي شمالي أنه بعد زيارة العماد ميشال عون إلى معراب وإعلان المصالحة بين “القوات” و”التيار” وتبني الدكتور سمير جعجع لترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية التقى في بلدته الكبيرة مزارعاً بعيداً عن الإهتمامات السياسية وكان متفاجئاً جداً من رد فعله العفوي عندما بادره قائلا: “حسيت رجعتلنا كرامتنا”. هذا الشعور ترجم مباشرة في استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات مختلفة وأظهرت أن غالبية 85 في المئة من المسيحيين تؤيد هذا التحالف. لم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل ترجمته أيضاً زيارات قام بها رجال دين وسياسيون وفنانون إلى معراب والرابية وعبّروا من خلالها عن تأييدهم لما حصل مطالبين بأن تتكرس هذه المصالحة على المستويات كافة.
منذ زار رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع العماد عون في الرابية في 2 حزيران 2015 لإعلان ورقة النوايا لم يصدق كثيرون ما يحصل. اعتقدوا أن الأمر سينتهي عند هذا الحد وأن النوايا ستظل حبراً على ورق وأن الخلاف بين “القوات” و”التيار” غير قابل للحل وأن هذه الخطوة لن يكون لها ما بعدها. ولكن العكس كان يحصل. لم يكن ذلك اللقاء إلا نقطة الإنطلاق نحو مرحلة جديدة.
بقدر ما كان حجم الخلاف كبيراً بقدر ما كانت المصالحة تحتاج إلى قرار كبير وإلى جهد مضاعف وانتصار على الذات تحقيقاً لما هو أكبر ولما لا يمكن أن يتوقعه البعض ولذلك بدأ العمل على الملفات الصعبة ومن بينها ملف رئاسة الجمهورية. كان المطلوب تكريس ثابتة أساسية وهي أن تكون الرئاسة معبّرة عن البيئة التي يأتي منها الرئيس وأن يكون الرئيس ممثلاً فعلياً لبيئته وأن لا يتم الإتيان بأي رئيس كان لملء الفراغ. وقد كان العماد عون بادر إلى حصر المنافسة بينه وبين الدكتور جعجع انطلاقاً من هذه القاعدة التمثيلية. عندما بدأ هذا المسار لم يكن أحد يتوقع أن يعلن الرئيس سعد الحريري ترشيح النائب سليمان فرنجية ولذلك لا يمكن الربط مباشرة بين ترشيح الدكتور جعجع للعماد عون وبين هذا الترشيح وأن كان قد بات ملحًا أكثر بعد الإعلان عنه.
وحتى بعد لقاء 18 كانون الثاني 2016 في معراب برز هناك من يقول إن هذه الخطوة ستظل يتيمة وأنها لن توصل العماد عون إلى قصر بعبدا وستنتهي بانتهاء هذا المفعول. ولكن ما حصل أن المصالحة لم تكن تقتصر فقط على عنوان الرئاسة بل على عناوين وطنية أكبر. ولذلك بدأ المتضررون منها يعيدون حساباتهم ويشككون بها ويتحضرون لشن حملات عليها.
اعتبر هؤلاء أن “القوات” و”التيار” يريدان تشكيل قوة موحدة لإلغاء الآخرين. لم تكن هذه رغبة “القوات” و”التيار”. ولكن حجم هذا التحالف جعل الآخرين يحسون بحجمهم مقارنة معه فخافوا على مواقعهم وعلى أدوارهم التي كانت تحفظ لهم على حساب الخلاف بين “التيار” و”القوات”. ولذلك اعتبروا أن من مصلحتهم ألا يحصل التفاهم وأنه طالما حصل فإن هذه المصلحة تقتضي أن يقللوا من أهميته ومن النتائج التي يمكن أن يحققها. ولكن هذه المحاولات حققت نتائج عكسية وأكدت أن ما بني على هذا التحالف لا يمكن هدمه بهذه السهولة.
في انتخابات الرابطة المارونية برز الدور الذي حققه التفاهم. في السابق كانت تبنى انتخابات الرابطة على أساس الخلاف. لائحة من هنا ولائحة من هناك. عندما تم التفاهم على لائحة موحدة غابت اللوائح الأخرى. لم تكن اللائحة لتضم العونيين والقواتيين إنما كانت مفتوحة لتكوين مجلس جديد شامل وجامع وبذلك سقطت نظرية الإلغاء ومصادرة القرار.
الإستحقاق الثاني الذي كرس أهمية هذا التفاهم كان في طرح مشروعي قانوني استعادة الجنسية والإنتخابات على جدول جلسات التشريع النيابية. اعتبر البعض أن التشريع يمكن أن يمر بمعزل عن قرار “التيار” و”القوات” ولكن الإقتراب من هذا الخط الأحمر والخوف من التعبير عن الرفض في الشارع وتظهير القدرة الإستقطابية للتيارين أعاد تصويب الأمور.
مسألة ثالثة أظهرت الإصطفاف وراء ما يتفق عليه “التيار” و”القوات” وهي أزمة جهاز أمن الدولة. لم تعد تلك المسألة قابلة للتجاوز بل تحولت إلى نقطة استقطاب واسع.
الأمر يتكرر اليوم في الإنتخابات البلدية. هناك من بدأ حملة تشكيك تقول إن “القوات” و”التيار” اللذين روّجا لنظرية تمثيل 85 في المئة من المسيحيين سيسقطان في هذه الإنتخابات المعقدة التي يطغى عليها الطابع المحلي والعائلي أكثر من الطابع الحزبي وأن حسابات الحقل عندهما لن تنطبق على حسابات البيدر وأنهما سيخسران هذه المواجهة. ولكن في الأساس لم يعلن لا “التيار” ولا “القوات” أنهما يخوضان معركة حصص خاصة بهما في هذه الإنتخابات في مواجهة كل الآخرين إنما يدخلان إليها بالتكامل والتضامن مع الفعاليات الأساسية العائلية والسياسية في هذه القرى والبلدات. والفارق الأساسي في هذه العملية أن الإنقسام السابق الذي كان يفسح في تشكيل لوائح متنافسة ومتخاصمة تحوّل إلى العكس وبالتالي فقد أصبح هو الرقم الصعب. ولذلك أصبحت القاعدة أن “القوات” و”التيار” يحددان مسار الإنتخابات البلدية في معظم القرى والبلدات وأن الإستثناءات التي ستبرز ستكون قليلة جداً، ولذلك أيضاً لا يتم تشكيل أي لائحة بمعزل عنهما وينتظر كثيرون أن يتم الإتصال بهم لاتخاذ القرار أو على الأقل لا يقررون في انتظار ما ستقرره “القوات” و”التيار”، وهذا الأمر يشمل القرى الصغيرة والبلدات الكبيرة وحتى المخاتير. ثمة إدارة سياسية لهذا الملف. وهناك متابعة يومية ودائمة من العماد عون ومن الدكتور سمير جعجع وبانتظار أن تبدأ الجولة الأولى في بيروت والبقاع وبعلبك والهرمل في 8 أيار المقبل ستكون اللوائح تبلورت في معظم القرى والبلدات لتؤكد على صوابية خيار التحالف ولتثبت أن التشكيك لم يكن في محله وأن حسابات المشككين في حقولهم وعقولهم لن تكون مطابقة لحسابات البيادر. ولذلك كان على “القوات” أن تبادر مع “التيار” إلى دراسة الأرض وإلى تشكيل لجان التنسيق وإلى توسيع دائرة المشاركة تحت سقف الخيارات المشتركة التي تؤمن وصول مجالس بلدية فاعلة ومتجانسة ومؤمنة بأهمية العمل البلدي بعدما كانت المناكفات هي السائدة والتعطيل هو الطاغي والشلل هو القاعدة والمحاكم هي الحكم. ولذلك كان لا بد من أن تبدأ الحملة تحت شعار “عمِّرها” من أجل أن تكون العملية الإنتخابية البلدية محققة للغاية المرجوة منها وهي العمل البلدي التنموي والبيئي في ظل تغطية سياسية تؤمن الآلية اللازمة للعمل من دون أن تصادرها. ولذلك لن يكون غريبًا إذا كان شعور ذلك القروي بعودة الكرامة في مكانه الصحيح. ولذلك ستكون هذه الإنتخابات مثلاً في بلديات كثيرة وأمثولة في غيرها.