#adsense

الأقليات في الشرق الأوسط وفي أوروبا..رسم الحدود بالدم أم في صناديق الاقتراع؟

حجم الخط

 كتب د. فادي الحمر في المسيرة – العدد 1555

على مدى يومين حلّ موضوع الاقليات في الشرق الاوسط “ضيفاً” على جامعة الروح القدس في الكسليك في إطار مؤتمر علمي نظّمه “مركز دراسات الاقليات في الشرق الاوسط”. لم يتطرّق المحاضرون في الجامعة الكاثوليكية – المارونية الى الاقليات المسيحية فقط. إنما حضرت ايضاً في جلسات النقاش الاقليات المذهبية الاسلامية مثل العلوية والشيعية وغير الاسلامية مثل الايزيدية والصابئة والاثنية مثل الكردية وغيرها.

إنه موضوع الساعة بعد سقوط الانظمة الديكتاتورية والكلام المتزايد عن تغيير خرائط الدول. فأولى تداعيات “زلزال” الشرق الاوسط هو بروز مسألة الاقليات. الديكتاتوريات الساقطة في العراق والمتزعزعة في سوريا طمست قضيتهم. اضطهدتهم. منعتهم من ممارسة شعائرهم ومن التكلّم بلغتهم. حاولت ان تُنسيهم تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم… اعتقدت تلك الانظمة انها أزلية. وتصرّف زعماؤها على انهم باقون “الى الأبد وما بعد الأبد”! (كما كان يُكتب على صور حافظ الاسد) لم يدركوا انهم الى زوال. وأن انظمتهم بائدة لا محالة. وان معقتدات الشعوب وتراثها اقوى من أن يلغيها “فرمان” او يقتلها تنكيل جهاز مخابرات… وها هي اليوم تبرز من جديد. ولكن، يا للأسف، في إطار صراع دموي عنيف. وما زاد من مأساة تلك الاقليات هو تعرّضها للاضطهاد من قبل الجماعات التكفيرية التي ساهمت في بروزها الانظمة الديكتاتورية نفسها التي ادّعت حماية الاقليات! فتعرّض ابناؤها للقتل والتنكيل ودُفع بهم الى النزوح داخل بلادهم او الى الهجرة خارجاً.

يعتقد البعض ان مسألة الاقليات تعني فقط الشرق الاوسط. وان سقوط الانظمة في دول المنطقة هو السبب الوحيد لذلك. ولكن في الواقع إنها قضية تشغل العالم منذ ثمانينات القرن الماضي. ففي العديد من الدول تناضل اقليات لغوية او اثنية او دينية للاعتراف بحقوقها او للحصول على حكم ذاتي او حتى لتحقيق الاستقلال. لنرى ماذا يحدث على هذا الصعيد على الضفة الشمالية للبحر المتوسط؟

فرنسا كانت لفترة طويلة ولا تزال رمز “الدولة الامة” (Etat-nation) في اوروبا والعالم. ولكن منذ اربعة عقود تسعى بعض المناطق الى الانفصال وأبرزها جزيرة كورسيكا. “جزيرة الجمال” (Île de beauté)، كما يسمّيها الفرنسيون، التي تقع في قلب البحر الابيض المتوسط، اصبحت فرنسية منذ العام 1769، بعد ان كانت ولفترة طويلة تحت السيطرة الايطالية. وعلى رغم ان الوضع الاقتصادي والاجتماعي فيها تطوّر كثيراً في ظل الدولة الفرنسية، يطالب قسم من “الكورسيين” بالاستقلال والبعض الآخر بالحكم الذاتي. وفي مرحلة من المراحل استعملت بعض الاحزاب الانفصالية العنف في نضالها من اجل الاستقلال.

في منطقة Bretagne التي تقع في الغرب الفرنسي على المحيط الاطلسي الوضع شبيه. بعض الـ Bretons يناضل من اجل الاستقلال وبعضهم الآخر من اجل حكم ذاتي. هم ليسوا اكثرية ولكن لهم حضورهم السياسي والحزبي القوي. يرتكزون في نضالهم الى تميّزهم اللغوي والثقافي والتراثي عن باقي الفرنسيين. يتمسكون بلغتهم الام ويعلّمونها في المدارس. ويحيون تراثهم وتقاليدهم الفنية (موسيقى ورقص شعبي) في احتفالاتهم. كما يسعون لضم مناطق أخرى في فرنسا الى منطقتهم.

“بلاد الباسك” (Pays Basque) التي تقع على الحدود الفرنسية – الاسبانية تطالب ايضاً بالاستقلال. على غرار الـ Bretons، يرتكز ابناء تلك البلاد الى تميّزهم اللغوي والثقافي عن الفرنسيين والاسبان. ومنذ العام 1980 حقّقوا نوعاً من الحكم الذاتي من خلال حكومة وشرطة محليين واستقلال ضرائبي عن اسبانيا.

في اسبانيا نجح الاستقلاليون في منطقة كاتالان (Catalans) في الحصول على الغالبية في الانتخابات المحلية التي جرت في ايلول 2015.  وشكّلوا حكومة تعمل من اجل الانفصال عن اسبانيا على رغم رفض مدريد واعتبارها ان اي خطوة انفصالية مخالفة للدستور.

في ايلول 2014 عاشت المملكة المتحدة البريطانية هاجس انفصال اسكتلنده. لم يحصل الاستقلاليون على الغالبية في الاستفتاء. ولكن حضورهم قوي في المجتمع الاسكتلندي.

في ايطاليا هناك العديد من الحركات الانفصالية. مناطق الشمال تطالب بلامركزية موسّعة. بينما جزيرة سردينيا في الجنوب تتمتّع بشبه حكم ذاتي يرتكز الى خصوصية ثقافية ولغوية…. الى ما هنالك من مطالب انفصالية او استقلالية او حكم ذاتي في دول اوروبية اقل تماسكاً على المستوى الاثني واللغوي والثقافي، وفي مقدّمها بلجيكا.

هذه المطالب تدفعنا الى تسجيل مفارقات ثلاث. الاولى انها تحصل في القارة الاوروبية التي شهدت تأسيس اوّل دول بمفهوم الدولة الذي نعرفه اليوم. وقد قامت على اساس مبدأ “الدولة الامة”. المفارقة الثانية ان تلك الحركات الانفصالية بدأت تطالب بإقامة نوع من حدود بينها وبين باقي مكوّنات مجتمع الدولة التي تنتمي إليها في وقت كانت اوروبا تطوّر اتحادها ليتحوّل من تعاون اقتصادي الى اتحاد سياسي ألغى الحدود بين الدول الاوروبية! وقد تطوّر الى تكامل اقتصادي ومالي والى تأسيس كيان سياسي هو “الاتحاد الاوروبي”. أما المفارقة الثالثة ان هذه المطالب الانفصالية، التي تهدف الى إقامة كيانات سياسية صغيرة، قد تزامنت مع بدء ظاهرة العولمة التي ازالت الحدود الاقتصادية والثقافية واللغوية بين مختلف دول العالم. وحوّلت العالم الى “قرية كونية”! فما السبب؟

صحيح انه لا يجوز التعميم في اسباب مطالبة كل من هذه الاقليات بحكم ذاتي او بالانفصال. فلكل منها خصوصيتها واسبابها السياسية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والجغرافية… ولكن يمكن القول ان هاجس الحفاظ على “الهوية الوطنية” او “هوية الجماعة” هو مشترك لكل هذه الحركات. وقد ازداد هذا الهاجس مع تطوّر العولمة وطغيان الثقافة الاميركية او الانغلوساكسونية على مختلف شعوب العالم. فازداد هاجس الاقليات في الحفاظ على هويتها الخاصة.

في الشرق تأخرّت مسألة الاقليات في البروز على رغم ان المجتمعات اكثر تعقيداً في تركيبتها. والسبب ان الانظمة الديكتاتورية التي كانت حاكمة قبل “الربيع العربي” قمعت الاقليات كما كانت تقمع الغالبية. في هذه الدول كان الحكم يتم بإسم الدين. فهو مصدر التشريع في مختلف دساتير الدول العربية باستثناء الدستورين اللبناني والتونسي. حتى الانظمة التي كانت تسمّي نفسها علمانية وادّعت انها تحمي الاقليات غير الإسلامية استعملت الدين لتستمر في الحكم. غضّت الطرف عن نمو الحركات الاصولية السلفية والتكفيرية، لا بل دعمتها سراً، لتخويف الآخرين منها. وهؤلاء الآخرون كانوا مسلمين وغير مسلمين. لذلك برزت قضية الاقليات بعد سقوط تلك الانظمة. يستغلّ البعض منها الفوضى التي تعمّ المنطقة للحصول على كيان مستقل او اقلّه حكم ذاتي. كما تحاول بعض الاقليات الحصول على دعم الولايات المتحدة الاميركية التي تدير الصراعات والتي لها مصلحة في تقسيم الكيانات السياسية الكبيرة التي نشأت عن سايكس – بيكو او اقلّه الى إضعاف السلطة المركزية فيها عبر إقامة انظمة فدرالية او لامركزية موسّعة. وهو ما حصل في العراق وما يحصل في سوريا.

في الغرب تُعالَج مسألة الاقليات بالوسائل الديموقراطية. تنظّم الحكومات المركزية او المحليّة الاستفتاءات. يصوّت المواطنون بحرّية. ويخضع الجميع لنتيجة التصويت. أما في الشرق فالمواجهة دامية بين الغالبيات والاقليات. تحصل في ميدان القتال. هناك محاولات لرسم الحدود بالدم. ودساتير الانظمة الجديدة تناقش على ايقاع المدافع. ويتسأل البعض عن جدوى مناقشة قضية الاقليات بعد إبادة العديد من أبنائها وتهجير من بقي منهم على قيد الحياة! في ظل هذا المشهد السوداوي في الشرق الاوسط برزت مساحة بيضاء. مركزها جامعة الروح القدس في الكسليك حيث كان حوار حول مسألة حقوق الاقليات في المنطقة وتحدّيات المواطنة. لعلّ هذا الحوار يساهم في بلورة فكرة الدولة الديموقراطية المدنية التعدّدية في هذا الشرق الديني المتعدّد. ويساهم في تصويب مسار “الربيع العربي” الذي تحوّل سريعاً الى خريف تضرّجت اوراقه الصفراء بأحمر دماء ابنائه.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل