
في الرابع والعشرين من نيسان من كل عام، دموع وفاء جديدة تسكب على سجل معاناة شعب هجّر وتبعثر في بقاع الأرض كافة. مجازر حرقت قلوباً وعجنت جيل حوّل معاناته الى دافع للنضال والنجاح، إنها مجزرة نيسان 1915، مذابح الأرمن…
تلك المجازر التي تعتبر الدولة التركية الجديدة التي إستلمت الحكم بعد العثمانيين انها غير معنية مباشرة بها، لا يمكن إقتلاعها من الوجدان الأرمني الذي يرى فيها جزءاً لا يتجزأ من كيانه وفكره وإحدى المكونات الأساسية للشخصية الأرمنية الجماعية.
إنطلق الأرمن الهاربون من شبح الموت من أرمينيا الى كل العالم، وبرع كثيرون منهم أينما وجدوا، وظلوا محافظين على هويتهم الأرمنية، متمسكين بها، محاولين تذكير العالم بأسره بقضيتهم، قضية بالنسبة لهم يجب ألا تموت لو مر عليها آلاف الدهور.
شمصيان: ما في عدل بهالدني
“عيوني بتدمع كل ما ينذكر اسم الضيعة اللي اهلي إجوا منا، حرقة ما بتخف لا ليل ولا نهار، بالفعل ما في عدل بهالدني”، كلمات وجع عبر بها المؤلف المسرحي والممثل بيار شمصيان، مؤكداً أن القضية الأرمنية تسكنه وترافقه دائماً.

بيار، الممثل البارع، يحمل في نفسه تلك المجازر ويعكسها في أعماله المسرحية الأرمنية واللبنانية منها. من منا لا يعرف الضيفة الدائمة في مسرحيات شمصيان “أم جورجيت”، تلك الشخصية المحببة على قلبه التي تتحدث “العربي المكسر”، مذكرة بالجيل الأرمني القديم؟
أما في ما يخص مسرحياته الأرمنية، فيخبر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بحماسته المعتادة أنه لم يقم بأي عمل إلا وحمل “لطشة” موجهة للأتراك العثمانيين، ومعهم لكل مشجعي ومستخدمي المنتجات التركية.
القضية الأرمنية إرث يقدمه كل جيل لخلفه، فإبنة بيار ومنذ صغرها ترفض استعمال أي منتج تركي، ويخبرنا شمصيان انها كانت صغيرة وتعيد الحلوى المعلبة اذا ما قال لها إنها تركية.
أمنية بيار تكمن في تحقيق العدالة يوماً ما، ومهما طالت ايام الظلم فهو يقول: “يمكن مش عَ إيامنا، عَ إيام ولادنا أو ولادن، بس بالآخر لا بد من انو يتحقق العدل”.
مانوكيان: مجازر الارمن عايشة معي
من عالم المسرح الى عالم التأليف الموسيقي، مبدع لبناني – أرمني آخر، في داخله ثورة أرمنية لا تنطفئ. غي مانوكيان، يؤكد انطباع المجازر الأرمنية في كيانه، مشدداً على انها جزء لا يتجزأ من شخصيته وموجودة دائماً في ضمير الشعب الأرمني.

“انا ما بنطر 24 نيسان تإتذكر المجزرة، هي عايشة معي بكل يوم، وبتذكرها بكل لحظة”… نعم، غي كسواه من الأرمن يعتبر المجزرة جزءاً من تفاصيل حياته. وكان قد أطلق السنة الماضية أغنية تتحدث عن المجزرة الأرمنية ونضال الشعب الأرمني.
ولفت الى مشاركته في كل سنة في المسيرة المنظمة في ذكرى المجزرة من أنطلياس الى برج حمود.
فازليان:
أما قائد الأوركسترا والمايسترو والموسيقي هاروت فازليان فيحمل حكاية أرمنية خاصة به لا يمكن نسيانها، وما ان تحادثه حتى يخبرك عن جده، فيقول: “جدي هرب من تركيا وكان طفلاً وخبرني كتير عن الظلم اللي عاشوه. وقتا هربوا كانوا ماشيين وما في ماي وعطشوا كتير ولاقوا ماي بس مجوية كتير، كان عندن خيار من تنين يا الموت يا يشربوا منها وبالتالي شربوا وبكي جدي هوي وعم يخبرني، وكان يخبرني كمان وقتا وصلوا عَ بيروت وما كان عندن لا ماي ولا أكل”.

كل تلك الأحداث شقت طريقها واثبتت وجودها في شخصية هاروت وأحاسيسه وبالتالي فقد اثرت فيه بشكل ظاهر، إذ يقول: “هال احداث اثرت فيّ كطفل وكأرمني وكإنسان بالبداية”.
ويضيف: “أصبحت تلك الاخبار جزءاً من شخصيتي ومكوناً أساسياً لها، وانا فنان والفنان الناجح ينقل احاسيسه ويعبر عن شخصيته من خلال فنه، وبالتالي عندما اقود الأوركسترا فأنا اقودها بنفسي وأحاسيسي وماضيّ أقودها كهاروت فنزليان”.
جد هاروت ليس الوحيد في عائلته الذي عانى انما لجده الثاني قصة اخرى بعد المجزرة، إذ اختار الأخير المناضلة ضد الأتراك فسجن مرات عدة وتوفي نتيجة ضغط الاتراك عليه وما عاناه منهم في الأربعينيات حسب ما يقول فنزليان الذي يربي اطفاله اليوم على التمسك بالقضية، وهو يمشي وإياهم كل سنة في المسيرة التي تنظمها الطائفة الأرمنية، ولديه الأمل والثقة أنه كما ربى اطفاله على حب أرمينيا سيربون بدورهم أطفالهم.
هكذا انطبعت المذابح والإبادة الأرمنية في نفوس أهل الفن والموسيقى والمسرح من اللبنانيين ذوي الأصل الأرمني، لا بل امتدت لتشكل جزءاً من شخصية كل منهم، وتطبع حياته بالإيمان بقضية لا بد من أن يتحقق العدل فيها يوماً ما.
لا يموت حق وراءه مطالب… والشعب الأرمني خير محافظ ومطالب بحقوقه، فمن قلب كل أرمني صرخة إنسانية، يغذيها ايمان قويم وأمل يمتد من حدود ارمينيا الى العالم بأسره، أمل يصرخ بصوت جهوري صامد: “الى ارمينيا… لا بد أن نعود. ولا بد للحق ان ينتصر”.
