كنا هناك ــ بيار يزبك: لم أفكر بالموت أخذت السلاح من البيت وذهبت الى الحرب

كتبت كريستين الصليبي في “المسيرة” – العدد 1517

هو إبن حارة حريك، ولد وترعرع فيها حتى وقعت الحرب اللبنانية ما أجبر عائلته على بيع منزلهم وترك المنطقة… لا بل هجرها نهائياً. بيار يزبك، إبن الـ55 سنة، يطفئ سيجارته والدموع تنهمر من عينيه، معظم اللبنانيين عادوا إلى قراهم بعد انتهاء الحرب إلّا أولاد حارة حريك التي لا تزال لليوم مُحتَّلة. مشاهد الاستفزاز التي عاشها أبناء منطقته دفعته لحمل السلاح والدفاع عن الأرض والوجود المسيحي.

بالنسبة لبيار بدأت الحرب اللبنانية قبل 1975 من خلال حوادث فردية كانت تقع داخل المناطق المسيحية، وعن هذا الموضوع يخبر: “في العام 1969 كان أهل حارة حريك يحتفلون بقدّاس عيد الميلاد في منتصف الليل داخل كنيسة مار يوسف، وإذ بشخص من أهل المنطقة يدخل إلى الكنيسة ويخبر الجميع بأن نبيل كسرواني، إبن حارة حريك، قد أُصيب بطلق ناريٍ وأنّه علينا إخلاء الكنيسة والتوجّه إلى منازلنا فوراً. علمنا بعدها أن الفلسطينيين هم من أطلقوا الرصاص عليه فأُصيب في عموده الفقري، تعالج كثيراً لكنّه توفيّ في ما بعد. وفي العام 1973 وقعت معارك بين الجيش اللبناني والفلسطينيين أدّت إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى وقد تبيّن أن الجيش غير جاهز لردّ الهجوم الفلسطيني”.

وأضاف: “وفي إحدى المرّات قبل اندلاع الحرب ذهبنا أنا وشقيقي لنغسل سيارة والدي على محطّة البنزين، ارتدينا البذلات العسكرية بكل فخر وتوجّهنا إلى المحطة. طردنا صاحب المحطّة عند رؤيتنا وقال لنا “شو عم تعملو هون إنتو؟؟!! روحو أحسن ما يقتلوني ويقتلوكم” كنا أولاد ولم نكن نعلم ما هي عواقب ارتداء البذلة العسكرية ودخول مناطق العدو. كل تلك الأمور استفزتنا ودفعتنا إلى حمل السلاح والدفاع عن أرضنا وعن الوجود المسيحي”.

عندما اندلعت الحرب رسمياً عام 1975 كان بيار قد بلغ 15 عاماً “أذكر وقتها أنّ المسلحين الفلسطينيين وأعوانهم كانوا يدخلون منطقتنا ويستفزّوننا، كما أنّهم كانوا يداهمون المنازل في حارة حريك فيخطفون الشباب ويعتقلونهم ويعذبّونهم. إثر هذه الحوادث اضطرّ أهلي إلى بيع المنزل والانتقال إلى الحدث حيث استقبلنا أهل والدتي وسكنا عندهم”.

انتسب بيار في البداية إلى حزب “الكتائب” وبعد إعلان إنشاء “القوّات اللبنانية” صار يشارك في المعارك ضمن القوّة المساندة للعناصر المقاتلة.

عن أوّل سلاح حمله يقول بيار: “لم يكن باستطاعة الحزب بعد شراء أسلحة لكلّ العناصر فأخذت سلاحاً فردياً كان موجوداً في منزل أهلي. وقعت معركة بين الكتائب والفلسطينيين في الحدث عام 1975، أرسلتني القيادة حينها للحراسة على متاريس السانت تيريز، كان يقف إلى جانبي رجلٌ يكبرني بسنين، نظر إليّ مستهزئاً لأنني صغير، أما أنا فكنت مندفعاً جدّاً، لا أهاب الموت. لم أخف من حمل السلاح ولا من إطلاق الرصاص على الرغم من أنني لم أكن متمرّساً باستعمال السلاح”.

ويضيف: “رفض أهلي رفضاً قاطعاً دخولي الحرب وإنتسابي لأي حزب فاضطررت إلى الكذب عليهم لكي أستطيع التردّد إلى الثكنة. كنت أخبرهم أنني ذاهب إلى مركز “الشباب العامل المسيحي” المعروف بـjoc؛ لكنّهم مع الوقت اعتادوا على الفكرة وأنا انتقلت للعيش في الثكنة، كنت أنام هناك وكان لي غرفة خاصّة”.

لُقِّبَ بيار يزبك بالـ”أخوت”، “لأنني حقيقة كنت مجنوناً لا أفكّر بالموت، في كل معركة تقع كنت أتطوّع للمشاركة فيها من دون أن أحسب أي حساب؛ كنت أذهب إلى المدرسة قبل الظهر وأداوم في المركز بعد الظهر حتى وقعت حرب الـ100 يوم فاضطررت وقتها إلى ترك المدرسة والتفرّغ للثكنة والقوات”.

شارك بيار يزبك في حرب الـ100 يوم فدمعت عيناه متذكّراً تلك الأيام الصعبة: “في تلك المعركة طوّقنا السوريون وفصلوا الأشرفية عن المناطق الأخرى المحيطة بها. استنفر شباب الثكنة وتوجّهنا إلى متاريس الحدث حيث وقعت معارك بيننا وبين السوريين. قصفونا بشتّى أنواع القذائف والهواوين لكن الحمدلله أننا استطعنا النيل منهم، صمودنا خلال ال100 يوم هو مقاومة بحدّ ذاتها، كنا كمقاتلين على قدر عال من المسؤولية. كنا نضطرّ أن نقصف ونطلق الرصاص بحذر توفيرًا لما نملك من ذخائر، وعلى الرغم من هذا نفذت الذخائر والمواد الغذائية وقتها. لكن في كل مرّة كانت تتأمن. كيف تحت القصف؟ ومع انقطاع الطرقات؟ لا أدري، ما أعرفه أن يد الله كانت تعمل معنا دائماً”.

لم تكن مسيرة بيار العسكرية سهلة، إندفاعه وحماسته للمعارك تسبّبا بإصابته في عدّة أماكن من جسمه، ينظر بألم وحسرة متذكّراً لحظة الإصابة ويقول: “قبل إنتخاب الشيخ بشير الجميّل رئيساً للجمهورية، وقعت معركة بين الجيش السوري والجيش اللبناني، قصف السوريون الحدث وعين الرمانة بقوّة وبطريقة جنونية. طلب الجيش وقتها الدعم فأمرت القيادة بإرسالنا كقوّة مساندة لهم. كنا 12 شاباً من ثكنة الحدث أحدهم الرفيق غسان دكّاش الذي اقترح أن نتوجّه إلى أرض المعركة في سيارات الثكنة لكنني رفضت ذلك بحجة أن السوريين ممكن أن يقصفوا السيارة فنموت جميعنا. توجّهنا إلى المعركة سيراً على الأقدام وعند وصولنا إلى شارع الحمرا سقطت قذيفة قربنا فأصبت مع أربعة غيري. اخترقت الشظايا يديّ ورجليّ وصدري ورأسي، ركض الرفيق بيار كسرواني إلى المركز فأحضر السيارة ونقل من استطاع نقله إلى المستشفى أما أنا فاضطررت للسير للوصول إلى المركز على الرغم من أن إصابتي كانت بليغة. نقلني بعدها الشباب إلى المستشفى حيث بقيت عشرة أيام ثم قضيت فترة أشهر في المنزل حتى تعافيت”.

على الرغم من إصابته لم يتوقّف بيارعن القتال وفور تحسّن حاله عاد إلى الثكنة وشارك في عدّة معارك أهمّها كانت معركة البرجين في إقليم الخروب. يشرح بيار أنّه “خلال حرب الجبل أرسلت القيادة بطلبنا كقوّة مساندة من دون أن نعرف إلى أين نحن متجهون ولم يكن معنا وقت لإعلام أهلنا، أخذت سلاحي فقط وتوجّهت مع الرفاق بواسطة الآليات العسكرية إلى الباخرة التي أنزلتنا على شاطئ الجيّة ومن هناك توجّهنا إلى الدامور وبعدها إلى البرجين. خضنا معارك قاسية استمرّت حوالي الـ10 أيّام متواصلة، اضطررنا إلى البقاء هناك ولم يكن معنا ثياب لتبديلها. أصيب شابٌّ خلال المعركة فأخذه والده إلى مستوصف المنطقة لتطبيبه، حاصر المسلحون المستوصف وقصفوه بالـ”أر بي جي” فاستشهد الوالد وابنه والعاملة في المستوصف. أردت الاتصال بأهلي وشقيقي لأطمئنهم عني لكن لم تكن هناك وسائل اتصال عادية، بقيت أسبوعاً بكامله تقريباً حتى استطعت الاتصال بهم وطمأنتهم. علمت بعدها أنّهم سألوا عني في المركز عدّة مرّات وبحثوا عني كثيراً وعندما لم تصلهم معلومات ظنّوا بأنني استشهدت. عندما اتصلت بشقيقي لأخبره عن مكان تواجدي انهار على الهاتف. لم يصدّق أنني أكلّمه وأنني على قيد الحياة”.

استمرت مسيرة بيار يزبك العسكرية 13 سنة فهو ترك العمل العسكري عام 1989. عندما كان في “الكتائب” استلم مركزاً إدارياً في بنك الدم والمجلس الصحّي وكان له مكتب في مركز إقليم بعبدا وكان يتقاضى أجراً رمزياً.

يلفت بيار “لم أكن أعمل خلال سنوات الحرب بل كنت متفرّغاً للمركز، كانت أمي ترسل إلي المال فكنت أضع كل المبلغ في صندوق الحزب المُخصَّص لمعالجة مصابي الحرب ومساعدة عائلات الشهداء. لكن عندما انتهت الحرب قررت أن أتعلّم مهنة الحفر على الزجاج فافتتحت ورشة عمل لكن الأوضاع الاقتصادية في البلد لا تساعدني”.

ويختم: “لم اندم يوماً على مشاركتي في الحرب بل أفتخر بأنني ضحّيت من أجل القضية: قضية الدفاع عن الوجود المسيحي”.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل