إفتتاحية “المسيرة” ــ بين 21 و26 نيسان… من حل “القوات” إلى حل النظام السوري

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1556

في 21 نيسان 1994 نفذت سلطات الوصاية في لبنان قرار النظام السوري باعتقال الدكتور سمير جعجع. في 26 نيسان 2005 كان جيش ذلك النظام يخرج آخر جنوده عبر بوابة المصنع كإعلان صارخ لسقوط السجن الكبير ولخروج الدكتور جعجع من السجن الصغير. أحد عشر عاماً كانت كافية لقلب الموازين وتحويل قرار حل “القوات” إلى قرار حل النظام السوري. بعد أحد عشر عاماً على ذاك الخروج ثبت أن “القوات اللبنانية” باقية وأن ذاك النظام إلى زوال.

منذ بداية الحرب في العام 1975 وقفت “القوات اللبنانية” في مواجهة محاولات نظام الأسد السيطرة على لبنان. لم تكن تلك المواجهة بنت تلك الحرب لأنها تعود إلى النظرة السورية الدائمة إلى لبنان على أساس أنه وطن لا يستحق الحياة ويجب أن يعود إلى الدائرة السورية بعدما سلخ عنها منذ إعلان دولة لبنان الكبير من قصر الصنوبر في أول أيلول 1920.

الوصاية السورية على لبنان لم تبدأ في العام 1990 بعد اتفاق الطائف. منذ الإستقلال في العام 1943 مارست سوريا سياستها تجاه لبنان وكأنها وصية عليه. وتكرست هذه الممارسة أكثر مع استلام حزب البعث للسلطة بعد انقلاب عسكري في العام 1963 وبعد وصول حافظ الأسد إلى الرئاسة في العام 1970 بعد انقلاب عسكري أيضاً داخل البعث.

عندما بدأت الحرب في لبنان لم يكن التدخل العسكري السوري يحتاج إلى قرار لأن هذا القرار كان متخذاً ولا ينقصه إلا وضعه موضع التنفيذ. ولذلك كان رئيس النظام السوري حافظ الأسد واضحاً ومباشراً في خطاب 20 تموز 1976 من على مدرجات جامعة دمشق في الإعلان أنه أرسل جيشه إلى لبنان من دون أن يطلب إذناً من أحد. ولم يكن غريباً أن يقف ابنه بشار في مجلس الشعب السوري في 5 آذار 2005 ليعلن سحب جيشه نهائياً من لبنان ولكن تحت ضغط عالمي تنفيذاً للقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن في أيلول 2004 وبعد عشرين يومًا فقط على اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

على مدى أعوام الحرب كانت “القوات اللبنانية” في مواجهة دائمة مع جيش الإحتلال السوري في لبنان. وقاومت محاولات الأسد السيطرة التامة على القرار اللبناني وعندما كان معظم الأطراف اللبنانيين ينحنون أو يساومون أو يخدمون السياسة السورية في لبنان لم تنحن “القوات” ولم تساوم ولم تستلم.

بعد اتفاق الطائف اعتقد النظام السوري أنه يستطيع أن يلغي “القوات اللبنانية” بقرار. هذا القرار اتخذه منذ بدأ الإنقلاب على الطائف وتطبيقه على طريقته وجعله مساراً دستورياً لإلغاء السيادة اللبنانية. منذ ذلك التاريخ بدأت عملية الحصار ضد “القوات” وبدأ تركيب الملفات من خلال سلسلة عمليات تفجير تم توجيه الأجهزة الأمنية اللبنانية التي كانت جزءًا من عهد الوصاية لاتهام “القوات اللبنانية” بها.

هكذا بعد عملية تفجير بيت الكتائب في الصيفي في كانون الأول 1993 كان رئيس الجمهورية الياس الهراوي في زيارة رسمية إلى سوريا للقاء نظيره السوري. هناك سمع كلامًا مباشراً حول القرار السوري باعتقال الدكتور سمير جعجع وحل حزب “القوات اللبنانية” فاختلق حجة بعد الليلة الأولى التي قضاها في سوريا للعودة إلى لبنان وأرسل رسالة إلى الدكتور جعجع يطلب منه فيها ترك لبنان. ولكن جعجع الذي تبلغ الرسالة رد عليها بالإستمرار في المواجهة. عندما حصل تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في 27 شباط 1994 ووجهت التهمة إلى “القوات اللبنانية” وحوصر الدكتور جعجع في غدراس كان الياس الهراوي يعلم علم اليقين بما يخطط له النظام السوري وبأن الملفات كلها مفبركة ومع ذلك مشى كما مشى غيره في مسار القرار السوري الكبير.

في 23 آذار 1994 قرأ ميشال سماحه قرار مجلس الوزراء حل حزب “القوات اللبنانية”. كان هناك اعتقاد راسخ بأنه يتم القضاء على آخر عقبة تعترض السيطرة السورية الكاملة على لبنان. وكان المطلوب أن يتعلم الآخرون من هذا الدرس من دون أن يدركوا أن ما يحصل مع “القوات” في تلك المرحلة سيتكرر معهم لاحقاً. ولذلك لم يقف أحد يعترض على قرار اعتقال الدكتور جعجع أو على توقيف المئات من أعضاء “القوات اللبنانية” وممارسة أقسى عمليات التعذيب ضدهم. ولم يتصدى أحد لمحاولة نقل قرار حل “القوات” من المستوى السياسي إلى المستوى القضائي ولو على سبيل وقف المحاكمات الجائرة التي مشى بها المجلس العدلي حتى من دون محامي دفاع عن الدكتور جعجع و”القوات” لأن النظام القضائي بكامله كان خاضعًا أيضًا لنظام الوصاية وللأجهزة الأمنية.

ولكن على رغم ذلك لم تنسحب “القوات” من المواجهة ولم تستلم ولم تنحن مدركة أن الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك. وأن السجن يومان: يوم أنت تحرسه ويوم أنت فيه. عشرة أعوام كانت كافية لتثبت أن “القوات” كانت على حق وأن الحق لا بد من أن ينتصر في النهاية. عشرة أعوام كانت كافية لتنتقل معها مقاومة “القوات” إلى أطراف لبنانية أخرى لم تحتمل ممارسات النظام السوري. هكذا ومنذ إعلان نداء المطارنة الموارنة من بكركي في أيلول 2000 ومطالبته بأنه آن الأوان لسحب الجيش السوري من لبنان بدأت كرة الحرية تكبر وبدأ عهد الوصاية يتداعى.

في 20 تموز 1976 كان حافظ الأسد مزهوا بخطاب إعلان الدخول إلى لبنان. في 5 آذار 2005 كان بشار الأسد منهزمًا وهو يعلن قرار الإنسحاب. لم تكن المسألة تحتاج إلى برهان على أن هذا الإنكسار هو إعلان لانتصار رهان “القوات اللبنانية”. منذ 23 آذار 1994 لم يكن قرار حل “القوات” إلا حبراً على ورق. ومنذ 21 نيسان 1994 لم يكن قرار اعتقال سمير جعجع إلا تأكيداً على أحقية القضية التي تناضل من أجلها “القوات” وأن الشمس التي غابت في ذلك اليوم على مشهد انتقاله إلى وزراة الدفاع في اليرزة لن تكون بعيدة عن اليوم الذي سشترق فيه على خروجه من هناك في 26 تموز 2005.

في 26 نيسان 2005 عندما كان آخر الجنود السوريين يغادر بوابة المصنع كان واضحاً أن قرار حل النظام في سوريا قد بدأ. فذلك النظام كان يستمد دوره وحياته من دوره في لبنان وكان يدرك أن ساعة النهاية تبدأ من 27 نيسان 2005 وأن الخروج من بيروت يعني الخروج من دمشق. هكذا بعد ستة أعوام فقط بدأ النظام ينهار. عدد قليل من فتيان درعا أعطوا إشارة الإنطلاق التي كشفت أن النظام الذي كان يستبد بلبنان وسوريا لم يعد قادراً على حماية نفسه وأن رئيسه بشار الأسد لن يكون قادراً على البقاء في قصره وأن مصيره في النهاية سيكون في سجن ما وأن الشمس ستغيب عليه وهو في طريقه إلى ذاك السجن وأن نهايته ستكون هناك لأن تلك الشمس التي ستشهد على غيابه لن تشهد على خروجه وأنه يعيش آخر أيامه وأمامه صورة صدام حسين معتقلاً في حفرة وصورة معمر القذافي مذعوراً عندما تم إلقاء القبض عليه في قناة للمياه.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل