إن ننسَ فلن ننسى ــ بكل فخر أنا من الصدم…

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1555:

فجأة وذات ليلة قبل نشرة الأخبار بدقائق على الـlbc، وقبيل حرب التحرير، بُث ما يشبه الاعلان الحربي، مقاتلون ملثمون يتسلقون أماكن خطرة عالية صعبة جداً على الرجال العاديين، يخترقون قلب النار، يصعدون الابنية الشاهقة بخفة مذهلة كمن يمشي في سهل منبسط، يداهمون، يطوّقون، يهاجمون، وفجأة يخترق الشاشة شعار بالخط العريض “حيث لا يجرؤ الآخرون”، يومذاك دخل في أدبياتنا اليومية الحربية المقاوماتية ما عرف بـ”فرقة الصدم”، ومذ تلك اللحظة ما زلنا مصدومين بمقاومين من طراز مختلف، صار لنا من بينهم 16 شهيدا، أو قل 16 سنبلة قمح كما يقول أحدهم، وينكن يا شباب حقيقة اشتقنا…

في منظور المقاومة، كنا ما زلنا صغاراً، إذ لا تقاس الخبرة هنا بعمر السنين خصوصاً إذا كان العمر بدايات العشرين، كنا صغاراً لأننا لم نكن نعرف هؤلاء ولا ما يفعلون ولا نوعية مهامهم، لوهلة اعتبرنا شباب الصدم مخلوقات ما، شيئاً ما هابطاً من فضاء خارجي، لا نعرف أيتنفّس كما نحن نفعل، أيجوع، أينعس، أيتعب، والأهم، هل هم بشر مثلنا يشعرون ويزعلون ويخافون ويبكون؟ مستحيل، كنا نجزم بالمستحيل على كل ذلك، لا يمكن أن يكون هؤلاء مثلنا انهم “صدم” وحتماً حتماً لا يخافون، أيخاف بالعادة الأبطال فكيف يكونون اذن أبطالاً؟ لم نكن لنعرف أن خوف الأبطال أكبر بكثير من خوفنا، أعمق وأخطر. يخاف الأبطال على الوطن فيتحولون مقاومين، يخاف الأبطال على الأولاد فيكونون درعا لهم، يخاف الأبطال على الانسانية، فيهرعون الى قلب الخطر ليذودوا عنها، يخاف الأبطال أن تدوس ترابهم دعسات الاحتلال، فيهجمون ليصبحوا من التراب وتنبت في أرضهم سنابلهم، يخاف الأبطال بقدر ما يحبون وانهمر حبهم استشهادا ومواجهة، يا سخيفة كما كنتِ جاهلة حين أسقطتِ عن هامتهم قيمة الخوف تلك…

 

كانت الحرب تتقدّم، وكل يوم يطرأ خطر جديد أكبر من الذي سبقه، كنا نعرف أن المقاومة في مزراب عين الناس، تنظر من عيونهم لتحرس كرامتهم، كنا لا نخاف، كنا نعرف أن ثمة من يُشعر العدو بالرهبة والتردد لذلك كان الحقد عليهم كبيراً، كنا نعرف أن الى جانب المقاومين كانت “الصدم”، صارت من بدهياتنا، أحاديثنا، نحكي عنهم كمن يتحدث عن أهل البيت، كل المقاومة كانت من اهل البيت فكيف بهؤلاء، كنا نتساءل في ما بيننا باعتزاز “شو وين الشباب اليوم قولكن مين رح يباغتوا؟” ونغرق في ضحكات الفخر تلك التي أسبغوها على مشاعرنا ونحن تحت سابع أرض في ملاجئ الظلام.

كنا نعرف أن حيث المستحيل سيخترقون، ونتمنى في سرّنا أن يطرق أحدهم باب الملاجئ ليطمئن إلينا كما كان يفعل المقاومون حين يخترقون شوارع الموت الى حيث نختبئ، حاملين معهم المؤونة والخبز والأدوية، لكن لم تكن هذه من مهامهم، اذ يعرفون أن ثمة من يحرسنا في بيوتنا بعد يسوع وامه والقديسين، هم الشباب، فنجلس في ليل القصف العنيف ونبدأ نحيك عنهم أخبارا كنا نظن أنها من مخيلتنا، ننسجها عنهم كما نحب أن يكون النسيج، بطولات لا تنتهي، كنا في مخيلتنا نظن أن تعدادهم بالآلاف، ومع الأيام عرفنا أنهم كانوا أقل بكثير مما كنا نتوقع، وان الحكايات التي نسجناها في مخيلتنا عنهم أقل بكثير من الواقع، اذ فاقت بطولاتهم مخيلتنا الصغيرة المتواضعة العديمة الخبرة، بعدما اجترحوا معجزات في حرب دامية مستحيلة، وزرعوا الكثير منهم في حقول الشمس سنابل القمح تلك.

“أدفنوا رفاتي بكنيسة الربّ بأرز جاج” كتب الشهيد طوني نصر على وريقة صغيرة معطرة من قلمه وقلبه الكبير المقاوم، قبل أن تأخذه الشهادة الى بيت يسوع، ويُزرع تحت شلح أرزه أرزة لنا، وضع الورقة بعهدة رفاقه في الصدم قبل أن يذهب الى معركته الأخيرة هنا، وهكذا كانوا جميعا يفعلون، قبل المهمات الكبيرة صلاة صغيرة عميقة يتلونها في بيت الرب، في أي كنيسة قريبة، صلاتهم للمقاومة ومقاومتهم لأجل لبنان، لا يحمل بندقية لأجل الوطن الا من يركع أولاً أمام هيكل الرب يرجوه الزود معه عن أرضه شرفه عنفوانه، وكان الرب يستجيب، والتاريخ أكبر دليل على ذلك.

لكن كيف يكافئ التاريخ هؤلاء؟ لا يفعل نحن نفعل. في كل سنة يلتقي رفاق من هناك وهنالك، صدم مناضلون سابقون وهكذا يبقون، يضيئون شموع الرجاء لأجل 16 شهيداً حتى الساعة لم يرحلوا، حتى الساعة يبقون شهود تاريخ وحاضر ومستقبل، حتى الساعة نتلو أسماءهم كمن يتلو فصلاً من كتاب يسوع، وحتى الساعة تكرج تلك الدمعة المالحة المطيّبة من ذكراهم كلما ذكرنا اسما أو حكاية أو نبضا من وجودهم الحي فينا. حتى اللحظة لم أفهم، وكلما كتبنا عن شهيد، كيف يعيش هؤلاء بعد سنين استشهاد؟ كيف يجتاحون أيامنا وأيامنا صارت اجتياحات الذل والانكسار وانكفاء الوطن؟…هذه اساءة، لن يقبلوا بمنطق مماثل،  لم يكرمهم الوطن بعدوقد لا يفعل أبداً، إذ حتى اللحظة هذا وطن بذاكرة استنسابية، لكن الرفاق يفعلون، ويومياتهم المدونة في قلب “القوات اللبنانية” تشهد عليهم ولهم، وتاريخنا لن تموت حروفه طالما الأحياء منا ومنهم شهود…

أكتب عن الصدم كيف أفعل؟ لا أكتب عنهم انما عن بعض من حالي تجاههم، هذه سطور جاحدة اذا ما قورنت بما فعلوا ولا أريد أن أكون جاحدة، لكن أريد أن أتمنى لو الزمن يصحح خطأه الجسيم الذي لا يغتفر معي شخصياً، ليتني كنت أكبر عمراً يومذاك، أكيد لكنت تعرفت الى أحدهم وجالسته ودوّنت ما يفعل ورافقته في مستحيلاته، وعدت الى بيت الزمن لأكتب بفخر وكبرياء أنني عاصرت مناضلاً من الصدم ورافقته يا عالم، أكثر من ذلك، ليتني كنت شاباً وليس امرأة من الأساس، لكنت الان مع رفاقي اخترع المناسبات لأستذكرهم بقداس أو تكريم  وما شابه، وأخبر عن حالي معهم وأكتب مذكراتي بتفصيل الكرامة غير الممل الذي اجتاحوا به ساحات الشرف، ولكنت بالتأكيد نشرت الكتاب تحت عنوان “بكل فخر أنا من الصدم”، ولن أتمكن يوماً من إجتراح حجم صغير من الامتنان لنقول لهم “يا الله كيف اجتحتمونا كرامة وين صرتوا يا ضو الساحات؟…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل