
أنا أقول إن 21 نيسان 1994 هو أعرق يوم للحرية في تاريخ المقاومة اللبنانية! في مدوّنات التاريخ، في هذا اليوم اعتُقل سمير جعجع من قِبل الاحتلال السوري وأعوانه من اللبنانيين وأصبح أشهر معتقل سياسي في لبنان، حيث بقي في السجن 11 عاما وثلاثة أشهر، مذ تلك اللحظة تغيّر وجه التاريخ في لبنان، تلك اللحظة بالذات صنعت تاريخا ناصعا للمقاومة اللبنانية، بدت في لحظتها من أسوأ اللحظات ومع الوقت تبين أنها كانت هي اللحظة المنتظرة في التاريخ صدقوني…
قلنا فيما بعد انه يوم الأسير يوم سمير جعجع، صحيح مع إضافة صغيرة كبيرة، يوم “القوات اللبنانية”. لم أنس يوم ألقوا القبض عليه، تشرّدنا في الطرقات، كلما رأينا دبابة قلنا جاءت تقتحم عمر الشباب، لم نكن نعرفهم بالأسماء إنما بالوجوه والقلب، هم الشباب، هم حماتنا، هممنكانوا ذات ليال يقصدون ملاجئنا في ليل القصف ويأتون إلينا بالخبز والأدوية والمؤن، كانوا جميعا سمير جعجع، صاروا يشبهونه حتى لو تناقضت الملامح، صاروا وجها واحدا هو وهم، كنت أراهم جميعا مكبّلي الأيدي يساقون الى الاعتقال، وقع الأبطال حين يُهزمون مميت عند الناس العاديين مثلنا، لم نر في تلك اللحظة إلا هزيمة وانكسارا لا يقاربه انكسار، لم يكن ليمر زمنا أصعب من ذلك بعد، مستحيل، لما اقتادوه قائدا أسيرا قلنا هذه هي النهاية، كنا كمن يراقب موته ولا يستطيع أن يمد يده لانتشال ما تبقى فيه من روح المقاومة، تكبّلنا في اللحظة الأسيرة ودخلنا قبل الأسير إياه والشباب في معتقل الخوف والموت الموقّت.
كانوا هم أقوياء لأنهم الاحتلال وعملاءه وأعوانه من اللبنانيين، مقياس القوة السلاح والعسكر والاضطهاد، كنا نحن الضعفاء لأنهم تمكنّوا منا، مقياس الضعف بمنطق الناس العاديين، عدم القدرة على المواجهة في ظل جبروت الاحتلال، كنا مجتمعا جريحا والجرح كان بليغا، حرب الإلغاء أولا ثم تفجير كنيسة سيدة النجاة وإلصاق التهمة بسمير جعجع وشباب “القوات اللبنانية”، تمهيدا لحل الحزب واعتقال جعجع كما تبيّن لاحقا.
أغرقتنا اللحظة في الموت السريري ولم نكن لنستشرف أن اللحظة إياها كانت بدأت تشهد على ولادتنا الثانية. كنا نستشهد تحت التعذيب ونحيا في الحق في آن واحد. كنا نُغرق تحت سابع سجون وننطلق شهب حرية من تحت سابع شعاع يتسلل الى القلوب المغامرة بالحب. كنا نصرخ ألما تحت آلات الحقد التي تشبههم وفي آن واحد كانت صرخاتنا طلقة الحياة الأولى حين نطل من رحم المعاناة على دنيا الكرامة، لم نكن لنعرف كل هذا في لحظتها، ومرت سنين قبل أن ننتبه لتاريخ المجد ذاك، قبل أن نعترف لحالنا قبل الآخرين أن 21 نيسان 1994 لم يكن اعتقالا لسمير جعجع والشباب، إنما تشريع باب الزنزانة على يد السجّان المحتل نفسه وصغاره المتعاونين قبل الجميع، والدليل؟ لا تسألوا عن الدليل بل عيشوا ما تعيشه “القوات اللبنانية” وسمير جعجع اليوم. إذهبوا الى معراب… أقصد إصعدوا الى معراب، الطريق الى فوق دائما محفوفة بالصعود، طريق الكرامة دائما الى فوق، هي في قلب جبل لبنان محفورة بقلب الصخر وكل ما يجري فيها ومن حولها منظومة من صخر. زوروا الزنزانة المفترضة فوق لتعرفوا الأسير وما كان يفعل ليصل الى ما وصل إليه اليوم مع “القوات اللبنانية”، لا تقفوا عند أطلال اللحظة، لا أطلال عندنا ولا مبان مهجورة من قلوب ناسها، أراضينا كلها مزروعة منّا، شهداؤنا يشهدون علينا في كل لحظة وخصوصا هؤلاء الذين استشهدوا في التعذيب تحت سمع سمير جعجع علهم ينتشلون منه اعترافا بالهزيمة، استسلاما للأمر الواقع، نكرانا للرفاق والناس والمجتمع الحر بأكمله ولم يفعل، ضعفوا ولم يضعف، حقدهم كان ضعفهم، إيماننا كان قوتنا، الآن عرفنا.

أين أصبح ميشال سماحة؟ في قعر الذل والإجرام وحيث يبيت الصغار في الإنسانية. أين جميل السيّد؟ حيث تاريخ تسكنه خيوط العنكبوت وسجن الليل والحقد الذي يقتل صاحبه. أين بشار الأسد؟ حيث الموت وجماجم الأطفال تصرخ من هول البراميل المتفجرة بالحقد المتراكم وموت الإنسان في قلب إنسان ولا نعرف فعلا ما إذا كان كذلك. أين سجّانوه جميعا وأين سمير جعجع و”القوات”؟ هم، ورغم سطوة من سلاح متبقٍّ واحتلال متبقٍّ وخطر داهم في كل ثانية، هم على شفير الأفول، هذا تاريخ وجغرافيا ووطن قارب آلاف المرات شفيرا ما، نهاية ما، وإذ به، الوطن إياه، يعود لتعود الإنسانية الى أرض القديسين والشهداء والبطاركة الموارنة المناضلين. هم وعلى رغم كل نصر مفترض معلن عنوة للإيحاء بأنه هو النصر، هم في قعر الهزيمة طالما الوطن بحضورهم مهزوم، بينما المعتقَل في زمن الحب، الأسير في وجع وطنه، من صخر معراب يحيّك لجمهورية لبنان ضوءا لا يخبو، ولا يضجر ولا يتعب ولا يملّ ولا يتردد، وهنا حبس سمير جعجع وكلنا معه أسرى هذا الحب، ومثله لا نريد أن نتحرر.
21 نيسان 1994 هذا هو تاريخ “القوات اللبنانية” وسمير جعجع، لأن من اللحظة صنع الرجل تاريخا والتاريخ صنع الرجل في تلك اللحظة النادرة.
كم عاما مرّوا؟ لا نسأل، لا نحسب، ليست الأعوام بتراكم السنين إنما بحساب القلب، عمر النضال آلاف الأعوام وعمر الحب هو اللاعمر واللامكان واللازمان، تحررت “القوات” من هذه التواريخ، نحن الآن نصنع تواريخنا يوما بعد يوم، كرامة بفعل كرامة، شبابا يتكاثرون بالنضال ويكبرون تحت علم لا تضيئه إلا تلك الأرزة الخضراء، ليكونوا للبنان أسرى حبه أحرارا لأجله. 21 نيسان كانت تلك لحظتنا المنتظرة 11 عاما وثلاثة أشهر هي عمر الأعمار فينا وإذا لم تصدقوا إصعدوا الى معراب وليحكي لكم سمير جعجع تلك الحكاية…
