لم تتعقّد أزمات لبنان وتستعصِ على الحلّ، إلاّ عندما كان أحد أطراف الأزمة يستشعر فائض قوّة، وينتفخ بصلافته وغروره، فيحاول السيطرة والحسم عبر قلب الموازين السياسيّة والطائفيّة، وينتهي الأمر إلى تعثّره وانكماشه، والعودة إلى نوع من توازن الرعب.
هذا ما جرى في حرب السنتين مع محاولة القوى المشتركة الفلسطينيّة – اللبنانيّة نسف المعادلة اللبنانيّة، ثمّ في الاجتياحات السوريّة والإسرائيليّة لتغيير الوضع الجيوسياسي للبنان، فانتهت كلّها بانسحاب أو انهزام القوى الثلاث تباعاً، بدءاً من المنظّمات الفلسطينيّة وصولاً إلى الجيشين الإسرائيلي والسوري.
ولا تغيب عن الذاكرة اللبنانيّة حالات الترويج والتمجيد لهذه القوى الثلاث، بل الترحيب بها ونثر الزهور عليها وهي تدخل، والتطبيل لها على التنك وهي تخرج.
ويبدو أنّ التجربة الثالثة بخروج الجيش السوري لم تكن ثابتة، ولم يتعلّم بعض اللبنانيّين الكثير من صدمات التجارب الثلاث وخيباتها، فيكرّرون المشهد نفسه، من خلال تمجيد قوّة رابعة تعمل لوراثة سابقاتها، تحت مسمّى “حلف المقاومة والممانعة” بقيادة إيران، عبر واجهتها المباشرة “حزب الله”.
من يتابع أداء بعض القوى السياسيّة وإعلامها وتصريحات قادتها، تعاوده تلك الخطابات المهلِّلة للمقاومة الفلسطينيّة المظفّرة، والجيش العربي السوري المنتصر، والجيش الإسرائيلي “المنقذ”.
ولا يصحّ المنطق القائل بأنّ “حزب الله” قوّة لبنانيّة وليس أجنبيّة، لأنّه كسواه واجهة أو رأس جسر لقوّة خارجيّة. فكلّ القوى الخارجيّة السابقة ارتدت قناعاً لبنانيّاً لبسط سيطرتها واحتلالها.
يمتدحون سلاح “حزب الله” كوسيلة مقدّسة للنصر، ويجعلونه حالة استراتيجيّة لا تُحرق ولا تُغرق، مسبغين عليه هالة قدسيّة غير قابلة للنقاش، في مواجهة كلّ قوى الشرّ دفعة واحدة، من الشيطان الأكبر إلى الأصغر، ومن إسرائيل إلى التكفير، ومن الخليج إلى البحر والمحيط.
حتّى بلغ الأمر ببعضهم حدّ تصوير “حزب الله” وكأنّه القائد الفعلي لإيران، وعملاق الحسم السحري في سوريّا والعراق واليمن، ولاحقاً في كلّ ديار الارهاب والاستكبار. وإذا تواضع أحدهم يذهب إلى القول إنّ “الحزب” شريك استراتيجي في القرار الإيراني وربّما الروسي، فهيّا إلى تسوية معه تريحه في “استراتيجيّيته”.
بينما يسبّح آخرون بحمده ليل نهار عملاً بفرائض “التفاهم”، وتقديساً ل”شهدائه” الذين يسقطون في سوريّا دفاعاً عن لبنان والشرق المسيحي و”الأُمّة المارونيّة”!
ولكنّ هذا التمجيد يأتي في مرحلة تعاكس هذا “العملاق الاستراتيجي”، خلافاً لكلّ الحسابات المتفائلة. فلا وضع إيران يسمح بتحقيق أحلامها الإقليميّة، ولا العرب مقيمون على حالة انكفائهم السابق، ولا أفكار الحلول لسوريّا والعراق واليمن تحمل بشائر الانتصار ل”جبهة الممانعة”، ولا الحصار العالمي المالي والسياسي والاعلامي ل”حزب الله” يجعله في أفضل أحواله.
وبعكس القائلين إنّ “الضاحية” تحكم لبنان، يجب النظر إلى ارتباكاتها المتفاقمة، سواء في إعلامها وتبييض أموالها، أو في الأثمان الباهظة التي تدفعها في حروب الآخرين، أو في تحرّجاتها البلديّة في غير بلدة ومنطقة، أو في ملفّات الفساد التي تشملها، أو في دورانها حول الملفّ الرئاسي خوفاً من حسمه.
صحيح أنّ “حزب الله” يتحكّم بالاستحقاق الرئاسي، ولكنّه تحكّم المربك والمعطِّل وليس القوي والفاعل. وحين يُقال له إنّه يسيطر على لبنان يُسرع إلى رفع التهمة بزهده في الحكم، عبر وزيرين فقط لا غير، مع التمنين الدائم بأنّه لم يستثمر انتصاره “الإلهي” في حرب تمّوز ليحتلّ كلّ لبنان!
جميع وزراء فريقه هم وزراؤه، وكلّ مياه حلفائه تصبّ في طاحونته، وغيمة الرشيد، بل المرشد، تُمطر في خراجه. ورغم كلّ ذلك، هو يسلك طريق من سبقه، بوعي منه أو بدون وعي. ومصيره سيكون حتماً كمصير قوى الغطرسة التي سبقته. وحركة التاريخ لا تُخطىء.
وتمجيده لنفسه لا يغيّر في الوقائع والحقائق شيئاً. وكذلك تمجيد حلفائه له.
ولو أعملوا قليلاً عقولهم وحسن تقديرهم للأمور لَكفّوا عن هذا الردح اليومي في عملقته وتقديسه. لأنّ هذه العملقة الإعلاميّة لا تجعله مارداً فعليّاً، بل تحوّله إلى حالة بالونيّة، يدفع هو ثمنها قبل سواه، وهم بعده.
وأيّ حل في لبنان يمرّ حكماً عبر وقف النفخ في الأحجام. الأجسام الضخمة لا تستطيع دخول الحلول من أبوابها. ولا بدّ من تصغيرها واقعيّاً ودعائيّاً كي تُصبح أهلاً للتوافق.
هكذا قامت التسويات التاريخيّة الناجحة في لبنان منذ قيام دولته إلى اتفاق الطائف، وحتّى تسوية الدوحه.
فلا يمكن بلوغ تسوية عادلة بين “أقزام وجبابرة”.
