العراق: أزمة حكم وحكومة وبرلمان… أي دور يلعبه “حزب الله”؟

يشهد العراق أزمة حكم مرشّحة ان تستمر. بعد خمسة وأربعين يوماً شكّل رئيس الوزراء حيدر العبادي حكومة تكنوقراط تحت ضغط الشارع واعتصام رجل الدين مقتدى الصدر عند مداخل المنطقة الخضراء. لم يدعُ رئيس المجلس النيابي الدكتور سليم الجبوري الى جلسة لمناقشة البيان الوزاري خشية من ان تحصل الحكومة الجديدة على الثقة في حين ان احزاباً اساسية تعترض عليها. وابرز المعترضين حزب الدعوة وكتلته “دولة القانون” التي ينتمي اليها العبادي نفسه. مفارقة ربما لا يمكن ان يفهمها إلا اللبنانيون الذي شهدوا ويشهدون مفارقات سياسية من هذا النوع الذي لا يمكن فهمه بالمنطق السياسي إنما بمنطق المحاصصة السياسية المرتكز الى الفساد السياسي.

تلكؤ الجبوري عن دعوة البرلمان الى الانعقاد دفع بـ “كتلة الاحرار” التي يتزعمها السيّد مقتدى الصدر وكتلة “ائتلاف الوطنية” بزعامة إياد علاوي ومعهم عدد من الكتل النيابية الاخرى الى الاعتصام في المجلس. يوم الخميس الماضي 14 الجاري اجتمع النواب المعتصمون، وهم يشكّلون الغالبية المطلقة في المجلس، برئاسة رئيس السن وصوّتوا على إقالة الجبوري من رئاسة المجلس. لم يعترف الجبوري بإقالته بطبيعة الحال ومعه الكتل البرلمانية المعترضة على التشكيلة الحكومية وفي مقدّمها كتلة “دولة القانون” و”كتلة المواطن” التابعة للمجلس الأعلى بزعامة عمّار الحكيم. وانطلق سجال حول شرعية جلسة إقالة الجبوري وعدد النواب فيها… ودخلت البلاد في أزمة برلمانية إضافة الى الازمة الحكومية.

يغرق العراق في هذه الازمة السياسية في وقت تواجه البلاد تحديات امنية وصراعاً طائفياً واوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة تضاف الى ازمة الفساد المستشري على المستويات كافة، وهي كانت السبب وراء انطلاق تظاهرات واعتصامات في البلاد منذ اكثر من عامين.

التحدي الامني يتمثّل بشكل أساسي بالحرب على “داعش”. في حزيران 2014 تعرّض الجيش العراقي الى نكسة كبيرة جراء تقهقره وانفراط وحداته السريع أمام هجمات الدولة الاسلامية في الأنبار والموصل وسهل نينوى. ووصلت وحدات “داعش” الى مقربة من بغداد. بعد استقالة نوري المالكي من رئاسة الحكومة وانتخاب حيدر العبادي خلفاً له نجحت القوات العراقية في دحر “داعش” من العديد من مناطق العراق. ابرز المعارك والانجازات كانت استعادة مدينة الرمادي عاصمة محافظة الانبار في كانون الاول الفائت. وكانت القوات العراقية تتحضّر لاطلاق معركة استعادة مدينة الموصل قبل ان تبدأ الأزمة الحكومية الاخيرة. تأخير هذه المعركة يبقي خطر “داعش” قائماً في العراق.

الحرب على “داعش” زادت حدّة التوتر في الصراع الطائفي في البلاد. تأسيس “الحشد الشعبي” من ابناء الشيعة ومشاركته في الحرب ضد “داعش” ودخوله مناطق سنّية زاد من مخاوف السنّة ومن شعورهم بالقهر والتهميش والإقصاء. كما يشكّل عبئاً مالياً على الدولة اذ ان عناصره تتقاضى الرواتب من الخزينة العامة. كما تتقاضى عوائل الذين يسقطون في أرض المعركة تعويضات مالية مثل عوائل عناصر الجيش النظامي. وهنا يجب التذكير بأن “الحشد الشعبي” تألف في حزيران 2014 تلبية لفتوى المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق بـ “الجهاد الكفائي” لمواجهة هجمات “داعش”. وهو يضم اليوم فصائل عدّة اشهرها منظمة بدر وكتائب “حزب الله” وعصائب أهل الحق وسرايا السلام. وكلّها فصائل اصبحت ميليشيات لأحزاب شيعية. لا شك في أن “الحشد الشعبي” نجح في الحرب ضد “داعش” الى جانب الجيش النظامي ولكنه تعرّض لانتقادات داخلية ومن منظمات دولية واتّهم بارتكاب مجازر بحق المدنيين السنّة. فأصبح بحد ذاته مشكلة داخلية مرشّحة للتفاقم في المستقبل. والسؤال الاساسي: ماذا سيكون مصيره بعد القضاء على “داعش”؟ هل سيعود عناصره الى حياتهم الطبيعية؟ ام سينضمون الى الجيش النظامي؟ ام انهم سيبقون تنظيماً عسكرياً موازياً له؟ لا جواب حتى الساعة. ولكن الأكيد انه سيستمر عامل توتّر إضافي في الصراع بين السنّة والشيعة. وعلى رئيس الحكومة حيدر العبادي، الذي اتى اصلاً للتخفيف من التوتر الطائفي الذي فاقمته سياسة نوري المالكي، معالجته لتخفيف الاحتقان في البلاد.

في خضم مواجهة الحكومة التحديات الامنية برزت مسألة الفساد التي بدأت بعد سقوط نظام صدام حسين. بحسب منظمة الشفافية العالمية يحتل العراق اليوم المرتبة 161 في الفساد من اصل 168 دولة. التظاهرات ضد الفساد بدأت منذ حوالى العامين. الخدمات العامة غائبة. وفي مقدّمها التيار الكهربائي. في العراق، كما في لبنان، لم يتم إعادة  الانتهاء من بناء مصانع الكهرباء لتؤمّن حاجة البلاد من الطاقة في وقت ترتفع الحرارة خلال فصل الصيف الى حدود الخمسين درجة مئوية. العلمانيون هم اول من نزل الى الشارع مطالبين برحيل الاحزاب وقياداتها الفاسدة. تبعهم التيار الصدري المناوئ لحزب الدعوة الاسلامي وزعيمه نوري المالكي الذي اصبح بعد أعوام من الحكم الرمز الأول للفساد في البلاد. التنظيم والشعبية الواسعة التي يتمتع بهما التيار الصدري سمحا بانتشار رقعة الاحتجاجات لتصل الى بغداد وتحديداً مداخل المنطقة الخضراء حيث “تتحصّن” رئاسة الحكومة وغالبية الوزارات.

محاربة الفساد اصبحت قضية ملّحة في ظل الازمة الاقتصادية والمالية التي تفاقمت في العامين الأخيرين. كان العراقيون يأملون بأن استعادة انتاج الطاقة (النفط والغاز) سيضخ أموالاً في الخزينة العامة تسد الدين العام المتراكم منذ الثمانينات وتعيد بناء البلاد وحال الرخاء التي كانوا يعيشون فيها. بحيث أن هذا القطاع يشكّل 83 في المئة من المداخيل و51 في المئة من الدخل القومي. استعادت البلاد انتاجها من النفط حتى بلغ 3.1 ملايين برميل عام 2015. ليحتل العراق المركز الثالث عالمياً بين الدول المصدّرة للنفط. وبدأت الأموال تدخل خزينة الدولة. ولكن كمن يضع المياه في السلّة! فراح الدين العام يزداد حتى بلغ في العام 2013 قيمة 31.9 في المئة من اجمالي الدخل القومي. وتضاعف خلال العامين الأخيرين ليصبح 75.7 في المئة! إضافة الى عامل الفساد هناك أسباب اقتصادية بحتة. اوّلها هبوط اسعار النفط الذي ادى الى تراجع المداخيل من النفط بنسبة 40 في المئة، بحسب ارقام صندوق النقد الدولي. ثانياً، زيادة الانفاق العام بسبب الحرب على الارهاب. ثالثاً، اضطرار الدولة الى تقديم مساعدات انسانية الى النازحين العراقيين من المناطق التي احتلها “داعش”، بالإضافة الى تدفق اللاجئين السوريين. وبحسب صندوق النقد الدولي بلغ عدد النازحين العراقيين داخل البلاد 10 في المئة من إجمالي عدد السكان (البالغ 34 مليون نسمة). ويحتاج حوالي 10 ملايين عراقي الى مساعدات انسانية.

الصراع في الازمة المستجدّة في العراق شيعي – شيعي. واجهته محاربة الفساد. أما أهدافه فالصراع على السلطة. ما يؤثر على الشيعة في وقت يواجهون تحديات كبرى تبدأ بتفكّك سوريا الحليفة وضعف نظامها واطلاق “عاصفة الحزم” وإضعاف الحوثيين وصولا الى تنامي التيارات التكفيرية السنّية. ربما لهذا السبب قام الزعيم الشيعي السيّد مقتدى الصدر بزيارة خاطفة إلى الضاحية، حيث التقى الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الذي استقبل أيضًا وكيل السيد علي السيستاني المرجع الشيعي الأعلى في النجف. ولكن عودة الصدر الى خيمة الاعتصام لا تؤشّر الى نجاح الوساطة التي يبدو ان السيّد حسن نصرالله يحاول القيام بها بينه ونوري المالكي.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل