ولم تقتصر تلك التصريحات على حلفاء نظام الأسد٬ وإنما شملت بعضا من “أصدقاء الشعب السوري”٬ وأطلقها أيًضا مسؤولون دوليون. وكلهم في الممارسة٬ كانوا بعيدين عن تلك التصريحات٬ ومواقفهم العملية اتخذت مسارات تناقض محتوى التصريحات.
فقد انخرطت إيران بموافقة النظام في الصراع السوري عبر الوقوف إلى جانبه ضد السوريين ودعمته بأشكال مختلفة٬ ومثلها فعلت روسيا٬ قبل أن يدفع الطرفان قواتهما للانخراط في الحرب ضد المعارضة المسلحة وفي قتل مئات آلاف المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام٬ وزادت طهران٬ فدفعت ميليشيات حليفة من “حزب الله” إلى الميليشيات العراقية للانخراط في الحرب إلى جانب نظام الأسد٬ وساهمت دول وجماعات في تصعيد الحرب في سوريا بدعم مباشر للمعارضة للرد على حرب النظام٬ وأن يكون بشكل محدود وغير متواتر.
وتجاوز التناقض بين القول والفعل٬ فكرة التدخلات الخارجية السياسية والعملية في القضية السورية عبر السعي لرسم مسارات الحل في سوريا٬ بل وفي تحديد أدوات الحل سواء السياسية أو العسكرية٬ وهذا أيًضا جاء بمباركة النظام وتشجيعه٬ رغبة منه في نقل القضية السورية من سمتها الداخلية البسيطة باعتبارها صراًعا بين النظام وغالبية السوريين٬ لتصير قضية إقليمية دولية مفتوحة ومعقدة في آن مًعا٬ يصعب الوصول إلى توافقات بصددها وحولها٬ مما يصعب التوافقات القليلة٬ ويجعلها غير ملزمة لبعض الأطراف٬ وهو ما حدث بالنسبة لما تم من توافقات سعت إلى حل سياسي للقضية السورية٬ رسمت ملامحه مجموعات عمل دولية٬ تمثلت في بيان “جنيف1” والقرارين الدوليين 2118 لعام 2014 و2254 الصادر في العام ٬2015 وكلها تمت بغياب السوريين٬ وتمت صياغتها بعيدا عنهم.
والتدخلات الروسية الحالية لرسم ملامح وفد المعارضة السورية المفاوض لوفد نظام الأسد٬ تمثل جانًبا آخر من التدخلات الخارجية في القضية السورية؛ إذ تضيف إلى تشهيرها بوفد الهيئة العليا للمفاوضات٬ التي شكلها مؤتمر المعارضة السورية في الرياض٬ وتشكيكها في شرعية تمثيله٬ طلب ضم أطراف أخرى إلى وفد المعارضة٬ وغالبية هذه الأطراف صنعتها روسيا٬ سواء تلك التي صنعتها على مهل باسم مجموعتي موسكو وأستانة٬ وأغلبهما شخصيات من بطانة قريبة من النظام٬ أو التي صنعتها على عجل في القاعدة الجوية المعروفة بمجموعة حميميم والمشكلة من أحزاب مرخصة من الداخلية السورية وفيها شخصيات من صلب مؤسسات النظام٬ وأخرى على علاقة مباشرة بأجهزة أمن نظام الأسد٬ وتجد المساعي الروسية في هذا الجانب دعًما من جانب المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لإحداث تبدل في تركيبة وفد المعارضة إلى مفاوضات “جنيف3” ودفع المفاوضات نحو ما يتوافق مع الرؤية الروسية للحل في سوريا.
إن الأحدث في محاولات التأثير الخارجي على القضية السورية٬ يبدو في الضغوطات على المعارضة٬ التي أعقبت قرار وفد المعارضة إلى “جنيف3” تعليق مشاركته في المفاوضات نتيجة خروقات النظام للهدنة٬ وارتكابه مجازر مروعة ضد المدنيين٬ وامتناعه عن السير في تلبية الحاجات الإنسانية٬ التي نص عليها القرار الدولي 2254 وخصوًصا لجهة المساعدات للمناطق المحاصرة وإطلاق المعتقلين٬ ولتكريس تلك الضغوطات٬ أطلق المبعوث الدولي دعوته لاجتماع وزاري للمجموعة الدولية حول سوريا لمعالجة الوضع في مفاوضات “جنيف3″٬ وما يحيط بها من إشكالات٬ دون أن يحدد مسؤولية نظام الأسد وحلفائه الروس في تلك الإشكاليات.
خلاصة القول٬ إن ثمة تدخلاً خارجًيا واسًعا في القضية السورية٬ يترافق مع تغييب مقصود لحضور السوريين في معالجة قضيتهم في وقت يتشدق فيه المجتمع الدولي بالقول إن قضية السوريين٬ ينبغي أن تعالج بواسطتهم ودون تدخلات خارجية٬ مما يتناقض والتدخلات المستمرة والمتصاعدة٬ التي وصل بعضها إلى أدق تفاصيل القضية٬ وهو ما يتجاوز فكرة المساعدة إلى الضغط وصولاً إلى فرض وقائع سواء بواسطة القوة٬ أو التهديد بتهميش القوى السياسية والعسكرية الأقرب إلى تمثيل الشعب السوري على نحو ما يقر المجتمع الدولي ذاته.
