
يدعو المسلحون المتشددون بعضهم بعضا بلفظة “الأخ”، ويشيرون بشكل جماعي إلى “الإخوة”.. فما السبب؟
يأتي ذلك جزئياً للتعبير عن التضامن والارتباط بقضية مشتركة، والإحساس بأن هوية ومسعى واحدا يجمعهم. كما أنه الأسلوب الذي يخاطب به الشباب بعضهم بعضاً، في شتى أنحاء العالم، ولا سيما في البيئات التي قدم منها كثير من هؤلاء المتشددين. ولكن أيضاً لأنه، في كثير من الأحيان، يكون المصطلح دقيقاً تماماً، فهؤلاء الذين يتحدثون على أنهم “إخوة” هم بالفعل أقارب بالدم وأبناء لنفس الوالدين وترعرعوا في الغالب معاً.
فظاهرة إرهاب الشقيقين ظهرت بقوة منذ اعتداءات 11 ايلول 2001 وأكملت في سلسلة عمليات ارهابية حول العالم وصولاً الى هجمات بروكسل.
بروكسل 2016: إبراهيم وخالد البكراوي
كان الأخّوان إبراهيم وخالد معروفين بالفعل لدى السلطات باعتبارهما مُجرمين خطيرين، فالشقة التي عُثر فيها على صلاح عبد السلام، منفذ هجمات باريس، كان قد تم استئجارها باستخدام اسمٍ مُستعار لخالد، وقد تورط كذلك في استئجار مخبأ سبق الكشف عنه في مدينة شارلروا، وقد تم استخدامه من قِبل مُرتكبي هجمات باريس، ويبدو أن هناك صلة بين الخليتين الإرهابيتين.
باريس 2015: إبراهيم وصلاح عبد السلام
شارك الأخوان إبراهيم وصلاح عبد السلام في الهجمات التي وقعت في باريس في 13 تشرين الثاني، وحينها فر صلاح عائداً إلى بلجيكا، وظل متخفياً لأكثر من 100 يوم على رغم أنه أكثر إرهابي مطلوب في أنحاء أوروبا، قبل أن يتم القبض عليه في 18 آذار في مدينة مولينبيك، وأكدت المعلومات أنه على صلة بالتفجيرات التي وقعت في بروكسل.
“شارلي إيبدو” – باريس 2015: شريف وسعيد كواشي
في 7 كانون الثاني، قام رجلان باجتياح مقر مجلة “شارلي إبدو” الساخرة، وهما شريف وسعيد كواشي، وقد أسفر هجومهما عن مقتل 12 شخصاً، وقامت قوات الشرطة بإطلاق النار على الأخوين فلقيا مصرعهما في 9 كانون الثاني، وتبين أنهما نفّذا الهجوم لصالح تنظيم “القاعدة” في اليمن.
ماراتون بوسطن الدولي 2013: تامرلان وجوهر تسارناييف
في 15 نيسان 2013، وقع انفجار لقنبلتين بالقرب من خط النهاية في ماراتون بوسطن، في الولايات المتحدة، مما أسفر عن مقتل 3 أشخاص، وفي 19 نيسان أعلنت السلطات عن أن المتهمين هما الشقيقان تامرلان وجوهر تسارناييف، اللذان كانا مقيمين في كامبريدج. وقبل الإعلان عن ذلك بيوم واحد؛ كانا قد قتلا شرطياً في تبادل لإطلاق النار، وإثر تلك المطاردة قتل تامرلان متأثراً بجراحه، وتم القبض على أخيه جوهر، وحُكِم عليه بالإعدام.
11 أيلول 2001:
الهجمات التي شنها تنظيم “القاعدة” في 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، نفذها أيضاً 3 أزواج من الأشقاء السعوديين. فقد قام الأخوان وليد ووائل الشهري باختطاف الرحلة رقم 11 لشركة الخطوط الجوية الأميركية، والتي أوقعت أولى الهجمات التي لحقت ببرجي مركز التجارة العالمي، أما الأخوان حمزة وأحمد الغامدي فهما من نفذا الهجوم الذي وقع باستخدام الرحلة رقم 175 من الخطوط الجوية المتحدة التي شنّت الهجوم على البرج الثاني، والأخوان سالم ونواف الحازمي كانا خاطفي الرحلة رقم AA-77، التي ضربت وزارة الدفاع الأميركية.
المملكة المتحدة 1973: ماريان ودولوريس
ليس الرجال فحسب هم من يزرعون الدمار بالتضامن معاً. فالأختان ماريان ودولوريس، اللتان كانتا بين أعضاء الجيش الجمهوري الإيرلندي، شاركتا بتفجير محكمة أولد بيلي في لندن، والذي وقع يوم 8 آذار 1973. وأسفر الهجوم عن إصابة نحو 200 شخص وحالة وفاة واحدة لحقت برجل أصيب بنوبة قلبية إثر الحادث. وقد حُكم على الأختين بين ثمانية أعضاء من وحدتهما بالسجن لعدّة سنوات.
إنه إرهاب الأشقاء.. لماذا؟
هذا السؤال طرح كثيراً قبل اليوم، وكان الجواب أنه بمجرّد اصطياد شاب من العائلة فإن تجنيد شقيقه يصبح مهمةً أسهل ينفّذها الأول. وكشفت دراسة أجريت في جامعة “بنسلفانيا” أن 64 في المئة من عائلات الجهاديين تدرك نية أحد افرادها القيام بعمل إرهابي وأوضحت الدراسة أن العلاقات العائلية هي طريقة مهمة لتجنيد جهاديين وعليه فإن الجهاد العائلي قائم وليس غريباً ان يصبح إخوة الدم إخوة في لعبة الدم.
هذا إضافةً الى أن التنظيمات الإرهابية تسعى الى تجنيد الأشقاء لضمان الولاء لأن الأخ لن يشي بشقيقه، كما أن تطرف الواحد يغذي وينمي تطرف الآخر، فمعاً ينغمسان اكثر فأكثر في الإيديولوجيا الدينية المتشددة.
على صعيد آخر، يشكل الأمر تحدياً أكبر للقوى الأمنية فالشقيقان تحت سقف واحد وبالتالي يسهل عليهما التواصل والتخطيط من دون أن يثيرا الشكوك أو أن يتم رصدهما عبر الهاتف.
لبنان مثلاً
ولأن للبنان نصيباً دائماً من أحداث المنطقة العربية، فلم تسلم معه الجرة.. فظهرت حالات مشابهة تأثرت الى حدٍّ كبير بالتنظيمات الإرهابية والجهاد العائلي، ولعلّ أبرزها حكاية عائلة محمد الحاج ديب التي لا تشبه أي “حكاية انتحارية” أخرى.
لمحمد الحاج ديب عشرة أبناء.. عشرة إخوة من منطقة “المنكوبين” في طرابلس تفرّقت بهم السُّبل، بين انتحاري وشهيد وإرهابي ومعتقل. أحد الأخوة كان عسكرياً في الجيش اللبناني استشهد في قصف إسرائيلي لمركزه العسكري إبان عدوان تموز 2006. الثاني قتل في صفوف تنظيم “فتح الإسلام”، وتردّد أنه فجّر نفسه بالقوى الأمنية في اشتباكات شارع المئتين التي مهّدت لحرب نهر البارد في أيار 2007. الثالث “إرهابيٌّ” أُدين بمحاولة تفجير محطة للقطارات في ألمانيا، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة عام 2008. أخ رابع يقبع منذ ست سنوات في سجن رومية المركزي بجرم الانتماء إلى تنظيم تكفيري والمشاركة في محاولة تفجير. الخامس أوقف في مطار بيروت أخيراً إثر محاولته تهريب مناظير ليلية حربية إلى لبنان. اللعنة الارهابية هذه تنسحب أيضاً على الفروع؛ فقد خسر محمد الحاج ديب، أيضاً، حفيده وابن شقيقه اللذين قُتلا ضمن مجموعة شبان قضوا في كمين للجيش السوري في منطقة تلكلخ في تشرين الثاني الماضي، أثناء محاولتهم التسلل للقتال في صفوف المعارضة السورية. قبلها، أوقف ابن شقيقه أيضاً، وهو تلميذ ضابط في الكلية الحربية، بجرم التواصل مع شبكة جهادية اتهمت بالتخطيط لتنفيذ تفجيرات داخل ثُكَن عسكرية. وأخيراً، وربما ليس آخراً، نفّذ حفيدا الرجل، معتصم وحسن الحسن، عملية انتحارية ضد الجيش السوري في منطقة أبو زيد القريبة من قلعة الحصن بريف حمص.
عائلة الحاج ديب لم تكن العائلة الوحيدة التي طالتها مخالب الإرهاب، فمحمود الحسين أعدمه “داعش” عندما توجه من طرابلس الى مدينة الرقة السورية محاولاً استعادة أولاده الأربعة الذين التحقوا بالتنظيم، فإبنه يحيى بن محمود اصطحب معه ثلاثاً من شقيقاته وذهبوا جميعاً الى سوريا ضمن إطار الجهاد العائلي.. وعندما اعتقد محمود أن السلطة الأبوية التي دأب على ممارستها في طرابلس ستساعده في العثور على أولاده اكتشف أنه في عالم لا مكان لسلطته ولأبوته فيه.. فأصدر قاضي “داعش الشرعي” حكمه، ودفن الأولاد “الداعشيون” أباهم في “جبانة الكفار” في الرقة.
أحمد الأيوبي
وعن هذا الوضع، يؤكد الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد الأيوبي أنه سُجّل في لبنان بعض الحالات التي تأثرت بالجهاد العائلي والتي استقطبتها المنظمات الإرهابية كعائلة الحاج ديب وعائلات أخرى مؤخراً اتضح وجود اخوة ينتمون الى عدد من المنظات الارهابية.
في حديث خاص لـ”النجوى ـ المسيرة”، يشير الأيوبي الى أن “الأسباب التي تشجع الانخراط في هذه التنظيمات متعددة ولعل ابرزها عملية الاستقطاب لمجموعة اشخاص متقاربين يتأثرون بأفكار بعضهم البعض ويتحركون مع بعضهم البعض وينشرون الدعاية للتنظيمات الإرهابية مع بعضهم”، مضيفاً: “المسألة الأهم أن تواصل الإخوة يكون “طبيعيًا” فيصعب على أجهزة الأمن أن ترصد حقيقة التواصل بين شقيقين أو أكثر في منزل واحد لا سيما أنهما لن يستخدما وسائل اتصال تكنولوجية فيكون التواصل مباشرًا وجهاً لوجه وبعيداً عن الشبهات، طبعاً هذا يشكل عنصراً مهماً تركز عليه التنظيمات الارهابية في هذا النوع من التجنيد”.
وعن العوامل التي تؤثر بالشباب، يقول الأيوبي: “ان عدة عوامل تسمح للشباب بالانجرار الى فخ هذه المنظمات، أهمها هو الآحادية في المعالجة والاعتماد فقط على الأمن ما يؤدي تلقائياً الى استبعاد عناصر أخرى من اهمها التوعية الدينية والاجتماعية والمعالجة للأوضاع الاجتماعية الصعبة فكل هذه الأمور تستبعد عندما يتم اختيار العنصر الأمني منفرداً لذلك نحن نعتبر أنه يجب ان تتغير طريقة المعالجة في لبنان وفتح المجال أمام الدعاة وأمام المنظمات الاجتماعية ان تعمل على هيكلية كاملة لمواجهة هذه الظاهرة”، مؤكداً أنه “لا يمكن مواجهة هذا النوع من الفكر إلا بسلة متكاملة بين كل الجهات المعنية فمن دون هذه السلة والقدرة على التفاعل الاجتماعي والدعوة لن يشكّل الحل الأمني وحده الحل أبداً. فإذا استطاعت القوى الأمنية القبض على مجموعة معينة فهناك مجموعات أخرى تكون نشأت أو يمكن أن تنشأ نتيجة هذا التفاعل الفكري ونتيجة الحرمان الاجتماعي”.
ويختم: “نحن نعمل دائماً على التوعية بالتعاون مع دار الفتوى ولكن في الحقيقة هذا الأمر تلزمه إمكانات مادية، يفترض من الجهات المانحة أن توسع دائرة اهتمامها وإيمانها بضرورة التغيير وأن تكون التنمية في وجه التطرف”، لافتاً الى أنه “من جهة أخرى الواقع القضائي والأمني لا يساعد أبداً على ردع الشباب من التطرف فعندما تكون الاعتقالات تعسفية وعندما يكون هناك بطء بإصدار الأحكام وناس يقبعون في السجون لسنوات من دون محاكمة كلها أمثلة سلبية على خيار إقناع الشباب باللجوء الى القانون والى كنف الدولة، فالعناصر المساعدة غير متوفرة ما يشجع الى انجرار الشباب الى الجهات الإرهابية.
