#adsense

سجون وساحات ــ طوني الجلخ: ما كان بدنا لما يضهر الحكيم نقلّو ما قدرنا عملنا شي!

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1469

“قوة في العقيدة، عمق في الإيمان، صلابة في الالتزام” بهذا الثالوث كانوا يندفعون من جامعاتهم ومدارسهم ليخوضوا معارك الحرية في ساحات الوطن السجين طيلة 11 عاماً. هم طلاب “القوات اللبنانية” الذين حملوا شعلة المقاومة السلمية والنضال تحت سقف ما يكفله الدستور من حرية التعبير، عندما وضعت “القوات اللبنانية” البندقية جانباً. طوني الجلخ من بين أولئك المناضلين الشباب عاد أعواماً الى الوراء من نيسان 1994 الى 7 آب 2001 وما بعدها، وتذكر محطات مجيدة من العمل الطلابي القواتي الذي أبقى الشعلة مضاءة عندما إنطفأت نار الكرامة.

من صفوف الخلايا الحزبية في المدارس الى معهد الاعداد الفكري، انتقل طوني الجلخ الى مسؤولية دائرة الجامعات الخاصة في مصلحة طلاب “القوات اللبنانية” وهو مدرك ان ما ينتظر هذا الحزب في زمن السلم أعظم بعد مما مرّ به من استحقاقات إبان الحرب، فها قد حُلّ حزب “القوات اللبنانية” واعتقل قائده وبدأت حرب اعلامية شعواء منظمة من قبل السلطة السياسية المؤتمرة بالمحتل السوري على “القوات” بهدف عزلها عن محيطها المسيحي وتفككها تلقائياً وزوالها. منذ العام 1994 حتى العام 1996 يتذكر الجلخ أن العمل الطلابي الجامعي باسم “القوات اللبنانية” كان قد وصل الى مستوى الصفر. يشرح: “كان الطالب يخاف أو يخجل أن يفصح عن ميول او التزام بـ”القوات اللبنانية” نتيجة الجو المخابراتي الإرهابي الذي كان يحيط بـ”القوات”. في ذاك الوقت انقسمنا كطلاب قواتيين بين وجهات نظر عدة، الأولى تقول إن علينا أن ننكفئ  لنقطّع تلك المرحلة الصعبة بالتي هي أحسن ونعود بعدها الى الحياة السياسية. وجهة النظر الثانية كانت متحمسة أكثر تطالب بردود فعل لتثبت أن “القوات” لا تنكسر شوكتها. أما وجهة النظر الثالثة فتبنيناها نحن مجموعة من الشباب اختارت تياراً ثالثاً يحصر العمل وفق ما يكفله لنا القانون والدستور وفي العلن. من هنا بدأنا العمل للعودة الى النشاط السياسي الجامعي، وكان الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، فرحنا نبحث عن ولو قواتي واحد في كل جامعة وليس في كل كلية. وهذا الاصرار على العمل تحت سقف القانون وعنوان “طلاب القوات اللبنانية” أزعج السلطات الأمنية والسياسية، حتى أنهم في تحقيقاتهم معنا كانوا يقولون ” صحيح أن نشاطكم لا يضرّ بالأمن لكن لماذا تنشطون تحت إسم حزب منحل وتنسمون عليه؟ انشطوا تحت اسم آخر”. استعملوا معنا أساليب الترغيب والترهيب كلها، هذا ما يؤكد ثمرة العمل تحت عنوان طلاب القوات. لم يكن ليمر أسبوع من دون أن نستدعى الى التحقيق، أنا كنت موظفاً في أحد المصارف كانوا يتصلون بادارتي ويقولون لهم “نحن من مخابرات جبل لبنان مثلاً وطالبين طوني جلخ عالتحقيق لانو عم يتعاطى بالقوات وحزب منحل”، كانوا يضغطون علينا في لقمة عيشنا حتى في التحقيق كانوا يقولون لي “المرة الجايي رح نبعت الجيش يجيبك من قلب البنك، ورح نحط حاجز قدام باب البنك حتى يضطروا يقولولكن مع السلامة وما رح نخلي حدا من بعدا يشغلكن”…

لحسن حظ طوني ان إدارة المصرف الذي يعمل فيه كانت متفهمة الى أقصى الدرجات حتى أن مدير الفرع الذي يعمل فيه وهو عضو مجلس إدارة المصرف أصرّ على إرسال سائقه ليرافق طوني الى التحقيق في وزارة الدفاع ويتأكد أنه سيعود الى البيت من دون أن يتم توقيفه أو يصاب بمكروه. وفي الوقت عينه يشرح الجلخ “كانوا يطلبوا مني تخفيف نشاطي السياسي بهيديك الحقبة الصعبة لسلامتي ومش لتهديدي بوظيفتي”.

في إعادة بناء الهيكلية التنظيمية لمصلحة الطلاب يتذكر طوني “بدأنا من قواتي واحد في كل جامعة في العام 1996 لتكبر كرة الثلج في ما بعد مع الدورات الفكرية التي كنا ننظمها لتوضح للطالب الذي دخل الجامعة وحزب المقاومة اللبنانية منحلا ما هو عمق القضية وحجم وقيمة النضال الذي أنتمى إليه وكان يحاضر فيها الاستاذ أنطوان نجم والرفيقان مخايل عواد ود. طوني حبشي، وفي كل مرة كنا نلتقي في مكان مختلف لإبعاد الأنظار عنا. ومن جهة أخرى كنا نسعى لتعزيز معنويات الشباب لمواجهة الهجمة الإعلامية على “القوات”. وفي هذه الحقبة بدأنا أيضاً ببناء الجسور مع طلاب أفرقاء سياسيين كانوا لنا بمثابة الخصوم من “تيار وطني حرّ” الى “الاشتراكي” و”اليسار الديمقراطي” و”تيار المستقبل” و”حركة أمل”.. ووصلنا حتى الى تنظيم مخيم مشترك مع منظمة الطلاب في “الحزب الاشتراكي” بهدف تقريب المسيحيين والدروز وطي صفحة حرب الجبل. هذا بالإضافة الى تنظيم خلوات بين طلاب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحرّ” لوضع حد لتداعيات حرب الإلغاء وتأثيراتها. أيضاً وفي محاولة لتقريب الشباب من مجتمعهم تطوعنا لقطف التفاح في القرى ومن دون مقابل بالطبع من أجل نشر الصورة الحقيقية لـ”القوات اللبنانية” أنها جاهزة دائمًا لخدمة مجتمعها.

 

ولا أنسى زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني والمشاركة الطلابية التي شكلت علامة فارقة كما كان لنا دور لافت مع زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي لاقيناه على درج بكركي وطلبنا منه مباشرة الا يبقى معتقل سياسي في لبنان وحضيناه كرئيس لدولة عريقة بديمقراطيتها على المطالبة باطلاق الدكتور سمير جعجع من السجن. ولا يمكن ألا أتذكر العلاقة التي جمعتنا بغبطة البطريرك مار نصرالله صفير فقد كنا نحمل اليه كل خوفنا وقلقنا ونشركه بكل نشاط ننوي تنظيمه واحتفلنا معه بيوبيل الخمسين لكهنوته”…

لم يستمع طوني الجلخ لنصيحة ضابط المخابرات آنذاك والابتعاد عن العمل السياسي الطلابي، رغم أنه قال له ما حرفيته “أنت شاب وحيد عند أهلك، متعلم ومرتاح شو بدك بالقوات؟ ما متت ما شفت مين مات”؟ كان هذا القول المأثور حجة كافية ليترك كثر من الشباب البلد بعد أن تعرضوا للتعذيب وشهدوا على استشهاد رفاقهم تحت التعذيب وخلف ظلمات المعتقل، الا أن طوني كغيره من شباب مصلحة الطلاب آنذاك إزدادوا صلابة وعزماً، وأنشأوا مقراً مركزياً لهم في أنطلياس. يتذكر طوني “إستقبلنا فيه زوار “حوار الخميس” منهم الشهيد سمير قصير وسمير فرنجية وإدمون رزق وابراهيم الأمين وفارس سعيد وغيرهم مع حفظ الألقاب. لا سيما بعد نداء المطارنة الموارنة وقيام لقاء قرنة شهوان. كما واكبنا زيارة البطريرك صفير الى الجبل بكثافة وجاءت توقيفات 7 آب على أثرها، عندما داهمت القوى الأمنية مركزنا في أنطلياس ومركز طلاب “التيار الوطني الحرّ” أيضاً. اعتقلوا نحو 40 شاباً من بيننا، بينهم سلمان سماحة رئيس مصلحة الطلاب والأستاذ ايلي كيروز ومخايل عواد والدكتور توفيق هندي وآخرين، أنا لم أكن هناك في تلك اللحظة كنت في طريقي الى المكتب، وعندما أبلغت بما حدث اتصلت بمحطة MTV  فأتوا وصوروا التحطيم في المركز وصور البطريرك صفير الممزقة على الأرض، وعلى أثر هذا التقرير ختم المكتب بالشمع الأحمر.

مساء اليوم الثاني توجهنا وأهالي الشباب المعتقلين الى بكركي والتقينا البطريرك صفير ووضعنا كل تلك التطورات بين يديه. كان غاضباً جداً، أضأنا الشموع في باحة الصرح، وصلينا نحن والبطريرك الذي قال لنا في كلمته “مرّ علينا الكثير من الأيام الصعبة وتخطيناها، وأكيد سنكمل والحق في النهاية سينتصر”. أذكر يومها أن الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس الشهيد رفيق الحريري إنقسمت بين مؤيد ورافض لفكرة أن شوية طلاب يمكن أن يخططوا لأعمال انقلابية على الدولة. للحظة شعرنا وكأننا نعود الى حقبة العام 1994 وأنهم عادوا بنا الى نقطة الصفر وكل ما بنيناه في الأعوام السابقة دمرته السلطة الأمنية بضربة واحدة. لذا تابعنا اجتماعاتنا بقوة أكبر على رغم عودة الآراء التي ظهرت في العام 1994 والتي تفضل خيار الانكفاء حتى تمرّ العاصفة. هنا شعرنا مع غياب سلمان في السجن ان المصلحة بحاجة الى مسؤول مؤقت الى حين خروجه، فأجرينا انتخابات لنائب رئيس المصلحة تكون مهمته إدارة أمورها في انتظار اطلاق سراح سلمان. كانت ربما أول انتخابات تجرى في الحزب وانتخبت يومها أنا وأكملنا الطريق الى أن تم إطلاق الشباب بعد نحو 6 أشهر. تمت الانتخابات بالتنسيق مع سلمان بواسطة المحامي الياس عيد الذي كان صلة الوصل بيننا. بقيت الاستدعاءات بالطبع لكن بوتيرة أقل عنفاً، أذكر أننا حضرنا بياناً وقصدنا البطريرك صفير في الديمان لاطلاعه عليه، في طريق العودة وفي منطقة حدث الجبة قطعت طريقنا شاحنة ونزل من سيارة أخرى عسكريون أجبرونا على التوجه الى نقطة المخابرات في الحدث، فوجئنا برمزي عيراني رحمه الله هناك أيضاً مع أنه كان سبقنا بالنزول من الديمان بسبب مناسبة خاصة أعتقد أنها كانت عمادة أحد ولديه، وفوجئنا أيضاً بأن ضابط الموقع كان يضع نسخة عن البيان أمامه على المكتب، أعتقد أنه تلقاه من أحد الصحافيين الذين كانوا متواجدين في الديمان لأننا زودناهم بنسخ عنه لنشرها بالطبع لأن عملنا علني وقانوني ولا نفعل شيئاً نخجل به. قرأ البيان أمامنا وقال “وردتنا توجيهات من المدير لنستقبلكم على فنجان قهوة ونحسن ضيافتكم. عال لا يحتوي البيان على تحريض أو نعرات طائفية ويمكن أن أقبل بهذا المحتوى لكن ما لا يمكن أن أقبل به هو هذا التوقيع: “طلاب القوات اللبنانية” لأنه حزب محلول ولا يمكن لكم أن تنشطوا تحت هذا المسمى”. دار بيننا سجال طويل وقلنا له أن هناك دعوى لنقض هذا القرار في مجلس شورى الدولة لذا فإن عملنا قانوني مئة في المئة وحرية الرأي يكفلها لنا الدستور. بعد نحو الساعة طلبوا مني التوقف عن أي نشاط سياسي وأطلقوا سراحنا. عملنا السلمي المعلن والانفتاحي والبعيد عن أي شبهة أمنية هو الذي كان يحمينا دائماً، حتى أننا كنا نحرص على توزيع منشوراتنا باليد ولم نرمها يوماً في الليل أو في السر”.

لم يتوان طلاب “القوات اللبنانية” يوماً وعلى رغم كل الظروف الأمنية الضاغطة عن التحرك طيلة 11 عاماً لتبقى قضية  المقاومة اللبنانية حية وقضية اعتقال الحكيم ورفاقه حيّة في ضمير لبنان والعالم، لكنهم عرفوا كيف يوازنون بين ما يخدم أهدافهم وبين ما يمكن أن يشكل خطراً على حياة الدكتور جعجع الأسير بين يدي السلطة الأمنية آنذاك. لكن يستطرد الجلخ “ما كان بدنا لما يضهر الحكيم من المعتقل نقلّو اعذرنا نحنا ما قدرنا عملنا شي، انحنينا قدام العاصفة بوقت إنت وقفت بوجا! كان بدنا نقلو إنو إنت كنت مدرك لنتايج خيارك ونحنا على خطاك مكملين بالقضية”.

بهذا العزم والتنظيم المنهجي نشط طلاب “القوات اللبنانية” طيلة زمن الوصاية السورية زمن النضال في الساحات والتهديد بالسجون، خسروا رفاقاً لهم باغتيال بيار بولس ورمزي عيراني ومع ذلك ظلوا الصوت الصارخ وشعارهم “حطمت قيدي يا أمتي فاشهدي هذي يدي”.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل