#adsense

إفتتاحية “المسيرة” ــ تفاهم معراب من الشمال إلى الجنوب

حجم الخط

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1557

من الشمال إلى الجنوب يرسم تفاهم “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” خطوطاً جديدة على الخارطة السياسية في لبنان انطلاقاً مما يحصل في التحضير لخوض الإنتخابات البلدية. هذا التفاهم بمفاعيله على الأرض يكاد يكون العنصر الأساسي والوحيد الذي دخل إلى المعادلة وفرض نفسه رقماً صعباً ليس في الإنتخابات البلدية وحدها بل على المستويات السياسية كافة خصوصاً في قضية قانون الإنتخابات وتشريع الضرورة وإحالة الرئيس نبيه بري مشاريع القوانين المقدمة إلى اللجان النيابية المشتركة لدرسها.

قبل أن يأخذ الرئيس البري القرار كان من المستغرب أن يتم تسريب معلومات تقول إن مراجع أمنية رسمية بلغتها معطيات عن توجه كان آخذاً في التبلور لدى كل من الرابية ومعراب بإطلاق انتفاضة مسيحية غير مسبوقة سياسياً فيما لو أصر على عقد جلسات التشريع في ظل المعارضة المسيحية الكبرى وأنه لهذا السبب ارتأى تجنب الوصول إلى هذه النتيجة بعدما تكوّنت لديه معطيات أخرى إضافية تقول إن تيار المستقبل ليس في وارد المشاركة في هذه الجلسات أيضًا حتى لو كان بالإمكان تأمين نصاب نيابي عددي من ضمنه نواب مسيحيون من خارج التوافق المسيحي العام.

لم يبدأ التفاهم بين “القوات” و”التيار” في فرض نفسه كأمر واقع وكبوابة عبور إلى الدولة القوية عبر استعادة الحضور المسيحي من خلال الإنتخابات البلدية. هذه الإنتخابات ليست إلا نتيجة لذاك التفاهم الذي بدأ في 2 حزيران 2015 عندما زار الدكتور سمير جعجع العماد ميشال عون في الرابية لإعلان بنود ورقة التفاهم. وقتها لم يصدق كثيرون أن هذه الخطوة تعكس اتجاهًا لسلوك مسار استراتيجي كبير سيبدل كثيراً في المعادلة الداخلية. وعندما رد العماد عون الزيارة إلى معراب في 18 كانون الثاني 2016 وأعلن الدكتور جعجع تبني “القوات” ترشيحه إلى رئاسة الجمهورية ظل البعض يعتقد أن هناك مناورة لقطع الطريق على ترشيح النائب سليمان فرنجية. ولكن ما ظهر منذ 2 حزيران حتى اليوم ليس إلا بعض ما يمكن أن ينجزه هذا التفاهم.

حتى النائب سليمان فرنجية لم يضع نفسه خارج هذه الصورة وهو لذلك تصرف في التحضير للإنتخابات البلدية في قضاء زغرتا آخذاً في الإعتبار أن من الأفضل أن يكون هناك تفاهم مع هذا التفاهم ولو من خلال رئيس حركة الإستقلال ميشال معوض. هذه الصورة جعلت مسؤولاً سياسيًا وحزبيًا من خارج هذا التفاهم يعلن أن هناك شيئا يتغيّر في المشهد السياسي وأن من لا يرى “تسونامي” التفاهم بين “القوات” و”التيار” مصاب بالعمى وبعدم القدرة على قراءة الأحداث. مسؤول آخر متابع للتحالفات السياسية والتوقعات على مستوى البلديات كان يشكك في إمكانية أن يحقق هذا التفاهم “شيئا” ويعتبر أن العائلات ستهشمه وأن الزعامات التقليدية ستهزمه ولكنه عندما أخذ يستعرض المسار الإنتخابي في معظم البلدات والقرى والمدن الممتدة من القبيات في أقصى الشمال إلى رميش في أقصى الجنوب كان يقدم عرضًا تفصيلياً ينقض نظريته ويظهر أن هذا التفاهم هو الأساس في كل هذه الأماكن وأن من كان ينظر لمحاربته على أساس أنه يمثل مسيحيًا وأن له موقعه وجد نفسه مضطراً أيضًا لحجز مكان له ضمنه. وبالتالي فإن الصور الأولى للمعركة الإنتخابية البلدية أظهرت أن هذا التفاهم كان مفاجئاً في حضوره ودوره وأنه أقوى من الخلافات الضيقة الصغيرة وقد أوجد مخارج ذكية للخروج منها حيث يتعذر التطبيق وأنه فتح الأبواب لاستيعاب كل المكوّنات التي تريد أن تكون ضمن هذا التفاهم الذي لم يعد محصوراً بين “القوات” و”التيار” بل بات ظاهرة عامة على المستوى المسيحي واللبناني ليتحول تلقائياً. ولذلك بدأ يسود الوسط السياسي أن هذا التفاهم بدأ يؤتي ثماره وأن ما أنجزه حتى اليوم ليس إلا بداية الطريق.

هذا الإنجاز الذي تحقق أخذ البعض إلى التشكيك بأهداف هذا التفاهم وإعطائه أبعاداً لا يريدها أصلاً كالقول إن جعجع وعون معًا ينتظران التطورات التي تقود إلى رسم خرائط جديدة في المنطقة وإن هناك خوفاً من خلق الأسباب الموجبة لبلورة هذا التحالف في الشارع بحيث يعيد الإصطفاف الطائفي. ولكن كل هذه الأقاويل انتفت بانتفاء أي معطى ممهد لها ومن خلال الطريقة التي تتصرف بها “القوات” و”التيار”.

لا تسير الأمور في التحضير لاختيار المجالس البلدية بسهولة. إذا كانت هذه الإنتخابات تولد عقداً لا تحل في بلدة واحدة فكيف إذا كانت المعركة تخاض في كل لبنان. هذه مشكلة ولكن أيضاً تخفي حلولاً في داخلها على أساس أن الواقع يفرض تنازلات هنا مقابل تنازلات هناك. في شكل عام تبدو الأجواء جيدة على صعيد التطبيق العملاني للتفاهم وأغلب المعارك التي يمكن أن تحصل ستكون بين من هو مع التحالف ومن يريد أن يكون ضده. ولذلك يسعى كل من “القوات” و”التيار” الى أن يكون هذا التحالف هو الأساس في كل المناطق وحيث تكون هناك خصوصية معينة في مكان ما أو انقسام بين اتجاهين عائليين محليين تترك الأمور للتصويت الحر على قاعدة free vote  كما يمكن أن يحصل في فاريا مثلا في كسروان.

في خارطة أولية لما حققه هذا التحالف يمكن القول إن زحلة باتت محسومة و”ظابطة” في خطوطها العريضة حيث أن “القوات” تعاطت مع هذه المسألة على اساس إنجاح التحالف وليس على أساس حصتها في تركيبة المجلس البلدي وعن حجمها ودورها. وفي البقاع الشمالي البلديات محسوبة على “القوات” مبدئيًا بشكل عام وهي تسعى لإنجاز التفاهمات المطلوبة بين العائلات للحصول على أفضل تمثيل يتحقق من خلاله هدف الإنماء والمجالس البلدية المنتجة. وقد أنجز معظم هذه التفاهمات في برقا وعيناتا ودير الأحمر مثلاً والعمل مستمر للتوصل إلى تفاهمات مماثلة في البلدات الأخرى.

في بيروت انتهت العملية مع إعلان الرئيس سعد الحريري عن لائحة “البيارتة” بعد مفاوضات طويلة أدت إلى هذه التركيبة. بينما قد يتم اللجوء إلى خيار التصويت الحر في معارك المخاتير.

في القبيات مثلا الأساس هو التحالف الذي يترك الإحتمالات مفتوحة على خوض المعركة أو التفاهم مع أي طرف آخر في البلدة والأمر متروك للآخرين لاتخاذ القرار المناسب. أما في عندقت فاللائحة يرسمها “التيار” مع تمثيل لـ”القوات” فيها.

في الكورة بات الوضع أفضل مع دولة الرئيس فريد مكاري مع أخذ هذا الأمر في الإعتبار في كل البلدات التي تهمه وتحديداً في بلدته أنفه، أما في شكا فالأمور تتجه ربما نحو معركة إذا لم يطرأ أي تطور في الإتجاه المعاكس.

في زغرتا المدينة تم التفاهم بين النائب سليمان فرنجية وبين رئيس حركة الإستقلال ميشال معوض الذي ستكون له حصته في المجلس البلدي وكذلك انعكس هذا التفاهم في معظم قرى القضاء مع استثناء ربما في بلدتي رشعين وأرده حيث لـ”القوات” مع معوض تأثير أكبر وحضور أكبر، أو كما في مزرعة التفاح التي يمكن القول إنها محسومة لـ”القوات”.

في البترون تتجه الأمور نحو تشكيل لائحة في تنورين يدعمها التحالف وتضم نخباً من كل العائلات برئاسة العميد أيوب مرعب حرب. أما في مدينة البترون فالتحالف سيتم مع رئيس البلدية الحالي مرسلينو الحرك.

في جبيل زياد حواط. لم يتم التوافق مع “التيار الوطني الحر” الذي فضل أن يكون خارج اللائحة من دون أن يقرر خوض المعركة. في قرطبا توافق قواتي ـ عوني على رئيس البلدية فادي مارتينوس. في العاقورة لم تحسم بعد بانتظار انتهاء محاولات التوصل إلى تفاهم مع كل العائلات والقوات تبقى على مسافة واحدة من الجميع.

في كسروان لا تزال المحاولات جارية للتوصل إلى لائحة توافقية في جونيه وإذا تعذر ذلك فالمعركة حاصلة والتفاهم مع نعمت افرام هو الأساس. في حراجل غير محسومة بعد. في غوسطا يتمدد التحالف في اتجاه فعاليات من البلدة والمعركة إذا حصلت ستكون بين من هو مع التحالف ومن هو ضده. في كفرذبيان لا توجد مشكلة أما في زوق مكايل فالإتجاه يذهب نحو التفاهم مع إيلي بعينو.

هذه الصورة تتمدد في اتجاه المتن الشمالي والمتن الجنوبي وقضاء بعبدا وإلى معظم البلدات في الشوف وعاليه وصولاً إلى الجنوب حيث العمل مستمر لبلورة الصورة النهائية التي لا تخرج عن نطاق ما يريده التفاهم بين “القوات” و”التيار”.

هذه الخارطة الشاملة التي يرسمها هذا التفاهم ترخي بظلالها على المشهد السياسي في كل لبنان إلى الحد الذي يظهر من خلاله أن الأطراف جميعهم في انتظار ما سيحققه تفاهم معراب من نتائج سواء أحصلت تسويات وتفاهمات أو مواجهات ومعارك من أجل رسم خارطة المشهد النيابي الذي لن يكون على أي حال خارج هذه الصورة. ولذلك ترتدي معركة التوصل إلى إقرار قانون جديد للإنتخابات النيابية أهمية قصوى. فإذا كانت الإنتخابات البلدية قد تحققت وإذا كانت الإنتخابات الرئاسية باقية في مربع الفراغ فإن ولاية المجلس النيابي الممددة تنتهي في أيار 2017 وبالتالي فإن أي تمديد جديد قد يكون مستحيلاً وبالتالي يكون العد العكسي قد بدأ لإجراء هذه الإنتخابات التي تبدأ عملياً من تاريخ تحديد المهل ودعوة الهيئات الناخبة اعتباراً من نهاية شهر شباط أي بعد عشرة أشهر تقريبا وهي مهلة كافية لبدء العد العكسي لها بحيث يذهب إليها الناخبون والمرشحون وهم يقرأون في نتائج ما حققه تحالف معراب في الإنتخابات البلدية إلا إذا برزت في الوقت الضائع مشكلة أي انتخابات قبل؟ الرئاسية أم النيابية؟ وإلا إذا تمت المماطلة في إقرار قانون جديد للإنتخابات من أجل إجرائها على أساس قانون الستين الذي يرفضه التحالف.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل