
وأخيراً ظهرت الخطة المنتظرة: “رؤية المملكة العربية السعودية 2030”. إنها خارطة طريق اقتصادية هدفها تخفيف اعتماد المملكة على الثروة النفطية وبناء اقتصاد استثماري متنوّع. أعلنها الامير محمد بن سلمان، صاحب الفكرة والمشرف على بلورتها. منذ تعيينه ولياً لولي العهد يفاجئ الامير الشاب السعوديين والعالم. تشكّل شخصيته إشكالية. بعد إنطلاق “عاصفة الحزم” أطلقت عليه صحيفة The Guardianالبريطانية لقب “الرجل الاخطر في العالم” كونه يشغل حقيبة وزير الدفاع. والبعض يطلق عليه تسمية “سيّد كل شيء” كونه ايضاً رئيس الديوان الملكي ورئيس صندوق الاستثمارات العامة ورئيس المجلس الاقتصادي للتنمية. كما يشرف على شركة “ارامكو” العملاقة. بتعبير آخر يمسك الامير الثلاثيني مفاتيح السلطة السياسية والعسكرية والمالية في المملكة العربية السعودية التي تقود حالياً العالمين العربي والإسلامي.
الامير الشاب لا يكتفي بإدارة عادية للملفات إنما يبادر الى تغيير نمط العمل فيها. فهو لم يتردّد في الدفع بإتجاه قرار “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في اليمن الذين هدّدوا أمن المملكة والجزيرة العربية. وها هو اليوم يطلق رؤية اقتصادية اقرّها منذ بضعة أيام مجلس الوزراء برئاسة والده الملك سلمان بن عبد العزيز. رؤية لـ “التحوّل الوطني”. لا بل هي رؤية، اذا ما طبّقت كما خطط لها معدّوها، ستشكّل تحوّلاً في العالمين العربي والاسلامي. وسيكون لها تأثير على الاقتصاد العالمي نظراً للاحتياطيات النفطية التي تملكها المملكة وقدراتها المالية وموقعها الجغرافي على الخليج العربي والبحر الأحمر وبالقرب من أهم ثلاث مضائق في العالم.
ما هي هذه الخطّة؟ لماذا تطلق المملكة العربية السعودية، التي تملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، خطة اقتصادية للتخفيف من اعتمادها على النفط؟ هل للخطة علاقة مع “عودة” ايران الى العالم وتهافت الاستثمارات الاجنبية اليها؟ وما علاقتها باهتزاز التحالف الاستراتيجي بين المملكة والولايات المتحدة الاميركية؟ هل ستؤدي هذه الخطة الى زعزعة الاستقرار الاجتماعي الداخلي ام أنها ستزيده قوة وتماسكاً؟ وأخيراً وليس آخراً هل من علاقة بين اطلاق الرؤية التي ستغيّر جيوسياسة المملكة والتغيير الجيوسياسي الحاصل في المنطقة؟ هذه الاسئلة تحتاج الى ابحاث طويلة ومجلدات للإجابة عليها. ولكننا سنحاول الإضاءة على بعض جوانبها في هذه الأسطر.
تقضي “رؤية السعودية 2030” بإدخال اصلاحات اقتصادية جذرية وتخفيف الاعتماد على ايرادات النفط التي تشكّل اليوم 50 في المئة من الدخل الوطني و85 في المئة من الصادرات و91 في المئة من مداخيل الخزينة العامّة للدولة. والسبب ان المملكة هي اكبر منتج للنفط في العالم (11.5 مليون برميل يومياً). وهي اول مصدّر لهذه المادة الاستراتيجية (حوالى 8 مليون برميل يومياً) والاهم من كل ذلك هو تربّع المملكة، حتى الأمس القريب، على عرش أكبر احتياطي عالمي البالغ 267 مليار برميل اي 15.7 في المئة من مجمل الاحتياطي العالمي البالغ 1700.1 مليار برميل عام 2015. ولم تتنازل عنه سوى منذ بضعة أعوام لصالح فنزويللا (298 مليار برميل) التي اكتشفت احتياطياً جديداً في وسط – غرب البلاد ولكن جودته أقل بكثير من جودة النفط السعودي. هذا الاحتياطي الوفير جعل السعوديين يطمئنون الى غدهم الاقتصادي. فاستمروا يعتمدون بشكل كبير على ايرادات النفط حتى اصبحوا “مدمني نفط” كما قال الامير محمد بن سلمان في مقابلته المتلفزة على شاشة “العربية”.
ولكن لماذا تقرّ المملكة هذه الخطة الاصلاحية الاقتصادية المتقدّمة اليوم؟
السبب الرئيسي وصول الجيل الثاني من الامراء السعوديين الى السلطة مع تعيين الأمير محمد بن نايف (57 عاماً) ولياً للعهد والأمير محمد بن سلمان (31 عاماً) ولياً لولي العهد. فمنذ وفاة الملك عبد العزيز بن سعود عام 1953 وحتى العام 2014 تعاقب على السلطة أبناؤه، إذ إن الوراثة في المملكة أفقية (بين الاخوة) وليست عمودية (من الاب الى الابن البكر). لذلك خلال العقدين الأخيرين اعتبر مراقبون كثيرون أن علامات الشيخوخة بدت على المملكة التي كان يحكمها ملوك وأمراء تجاوزوا السبعين من العمر. مع وصول الجيل الشاب كان من الطبيعي ان تنطلق دينامية جديدة في سياسة المملكة. تجلّت اليوم بالخطة الاقتصادية الاصلاحية الجريئة التي وضعت بسرعة كبيرة.
سبب آخر لهذه الخطة الاصلاحية لا يقل ّ اهمية يعود الى التبدّلات الجيوسياسية العالمية في قطاع النفط مع اكتشاف النفط الصخري وبدء الولايات المتحدة الاميركية استخراجه ابتداءً من العام 2010. ما ادى الى تراجع استيرادها للنفط من نسبة 60 في المئة من قيمة استهلاكها عام 2005 الى 27 في المئة عام 2014. من شأن هذا المعطى تراجع حاجة واشنطن الى نفط المملكة. وتراجع طبيعي لتحالف “كوينسي” القائم منذ العام 1945 على “النفط مقابل الأمن”.
ترافق هذا المعطى الجديد في مجال الطاقة مع أحداث اخرى سياسية وامنيّة ساهمت في زعزعة التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة واكّدت للمملكة حاجتها الى الاعتماد على ذاتها في حماية أمنها وأمن الخليج العربي وذلك من خلال اقتصادات أكثر استقراراً وقوّة عسكرية ذاتية. بدأ اهتزاز العلاقات غداة تفجيرات 11 ايلول 2001 وتبيّن ان 15 سعودياً من اصل 19 شاركوا فيها. إثر ذلك شكّل جورج بوش الابن لجنة برئاسة نائبه ديك تشيني لدراسة سبل تخفيف الاعتماد على نفط الخليج وايجاد البدائل. على رغم توصية اللجنة بتطوير العلاقات في مجال الطاقة مع دول غرب افريقيا وبحر قزوين بقيت دول الخليج العربي، وفي مقدّمها السعودية، مصدّراً اساسياً للنفط باتجاه اميركا. سقوط نظام صدام حسين وانتقال السلطة في العراق الى الشيعة واضطهاد السنّة فيه وتهميشهم سياسياً كان سبباً اساسياً ايضاً في تدهور العلاقات بين الرياض وواشنطن، خصوصًا وان ايران كانت المستفيد الاكبر من ذاك التبدّل الجيوسياسي الكبير في العراق. موقف الولايات المتحدة الاميركية من الثورات العربية عمومًا والسورية خصوصًا شكّل صدمة للسعودية. فهذه الأخيرة أرادت قلب نظام الأسد سريعاً لاستعادة سوريا الى الحاضنة العربية بعد ان كانت طيلة اربعة عقود حليفة لإيران. ولكن حسابات واشنطن مختلفة. فوقفت في وجه دعم المعارضة وسمحت لإيران و”حزب الله” ومن ثم لروسيا بالتدخّل عسكرياً وبشكل مباشر لدعم النظام وإبقائه في السلطة.
وبلغت الأزمة بين البلدين أعلى درجاتها مؤخراً مع تلويح أعضاء في الكونغرس الاميركي بتقديم مشروع قانون حول هجمات 11 ايلول قد يسمح، في حال إقراره، لعائلات ضحايا تلك الهجمات بمقاضاة السعودية والحصول على تعويضات مالية منها. ما دفع بالرياض الى التهديد بسحب استثماراتها من أميركا وهي تبلغ حوالى 700 مليار دولار أميركي. هذا الواقع المتدهور في العلاقات الأميركية – السعودية دفع بالامير تركي الفيصل، الذي شغل سابقاً منصب سفير المملكة لدى واشنطن، الى القول إن “الأيام الخوالي مع الولايات المتحدة انتهت بلا رجعة” وأنه حان الوقت لمراجعة المصالح المشتركة بين البلدين.
لا شك ان إبرام الاتفاق النووي بين ايران والدول (5+1) وعودة إيران الى العالم وتهافت الاستثمارات الأجنبية الى أسواقها شكلا ايضاً سبباً رئيسياً في الاستعجال في الاعلان عن “رؤية السعودية 2030”. فالعدو اللدود للمملكة سيستعيد انتاجه من النفط والغاز كما في السابق. كما ستحرّر تباعاً ارصدته المجمّدة منذ أعوام والبالغة مليارات الدولارات. ما يعني تدفق المداخيل إلى الخزينة التي ستسمح لإيران باستعادة عافيتها الاقتصادية وإعادة إطلاق عجلة النمو فيها. كما ان تهافت الاستثمارات الاميركية والاوروبية الى أسواقها يعِد بتطوير الاقتصاد الذي يتميّز بأنه اكثر تنوّعاً من اقتصاد المملكة وأقل اعتماداً على النفط والغاز.
المملكة العربية السعودية لم تتعرّض لضغوط دولية ولم يُفرض عليها اي حصار. على الرغم من ذلك وبعد مرور عقود على الثورة التكنولوجية والعولمة لا تزال المملكة دولة مستهلكة للتكنولوجية وغير مصنّعة لها! وهي تحتل المرتبة الاولى بين الدول المستوردة للسلاح ولا تصنّعه! دول آسيوية وافريقية واميركية جنوبية كثيرة طوّرت اقتصاداتها لتنافس في بعض منتجاتها المنتجات الاميركية والاوروبية. أما المملكة فاكتفت بالثروة النفطية حتى اصبح “النفط ادماناً”. من هنا فإن خطّة الاصلاح الاقتصادي أكثر من ضرورية. وقد تأخرت كثيراً. ولكن السؤال هل ستنجح في شفاء السعوديين من “إدمان النفط” ومن تحويل الاقتصاد الوطني من “اقتصاد نفطي” الى اقتصاد منتج في مختلف انواع الصناعات والخدمات والسياحة…؟ الخطّة طموحة جداً. والتحديات كثيرة.
ولكن من الواضح أن المملكة بدأت خطوتها الأولى في الطريق الى تطبيق هذه الاستراتيجية التي تقوم على قاعدة أساسية واحدة وهي “السعودية أولاً”. ومن الواضح أيضًا أن المملكة تطلق “عاصفة حزم” جديدة لم تكن “عاصفة الحزم” التي أطلقتها في اليمن إلا المؤشر الأول لها.
إطار
خطة الاصلاحات، كما اصبح معروفاً، تقضي بعرض اقل من 5 في المئة من اسهم شركة “ارامكو” النفطية الوطنية العملاقة للاكتتاب. ما سيؤمن مداخيل كبيرة الى خزينة الدولة للقيام بالاستثمارات. وتحويل صندوق الاستثمارات العامة الى صندوق سيادي بأصول تقدر قيمتها بألفي مليار دولار اميركي. وزيادة الايرادات غير النفطية ستة أضعاف، من 43.5 مليار دولار سنوياً الى 267 مليارا. ورفع الصادرات غير النفطية من 16 في المئة اليوم الى 50 في المئة خلال الخمس عشرة سنة القادمة. وتطوير البنى التحتية في الاماكن المقدّسة لزيادة القدرة الاستيعابية للحجاج والمعتمرين من 8 ملايين سنوياً حالياً الى ثلاثين مليوناً بحلول سنة 2030. ورفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الى 65 في المئة. كما تقضي الخطة بإطلاق الصناعات العسكرية في السعودية وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل من 22 الى 30 في المئة. من شأن هذه الخطة تخفيف نسبة البطالة من 11.6 في المئة حالياً الى 7 في المئة فقط.