Site icon Lebanese Forces Official Website

البلديات: قاطرة ومقطورة

خلافاً لكلّ التوقّعات والحسابات، ليس واضحاً بعد كيف ستكون الانتخابات البلديّة والاختياريّة التي ستبدأ بعد أسبوع: هل هي اختبار لمصلحة ما بات يعُرف ب”الثنائيّة المسيحيّة”، أَم عليها. أين تنجح وأين تُخفق. ومن سيقطف النجاح حيث تنجح، ويتحمّل الوزر حيث تفشل.

لكنّ الأمر المحسوم الذي يُمكن استشرافه منذ الآن، أنّ هناك متقدِّماً بين متساويّيْن. ولا يشكّ مراقب علمي وموضوعي في أنّ أحد طرفَي الثنائيّة، وهو “القوّات اللبنانيّة”، بات يشكّل رافعة واضحة وحاسمة في المدن والبلدات المحوريّة، سواء على مستوى التسويات السياسيّة والمحليّة، أو على مستوى المواجهات والمعارك.

وقد كانت بيروت نموذجاً حيّاً لنجاح “القوّات” في تذليل عقبات التسوية وترتيب حصول شريكها “التيّار العوني” على حصّته في لائحة “البيارتة”، ومن خارج التحالف العشري بينه وبين “حزب الله” المنكفىء بلديّاً والمحاصص اختياريّاً مع “تيّار المستقبل”.

نجاح “القوّات” في بيروت يخوّلها تعميمه على مدن وبلدات كثيرة أبرزها مدينة زحلة، حيث تشكّل الرافعة الأساسيّة ل”الثنائيّة” وسائر الحلفاء، على قاعدة قاطرة ومقطورة، حتّى لو كان هناك نوع من التساوي الشكلي في عدد المقاعد. فالمسألة تكمن في القيادة والريادة، والموقع المتقدّم في القرار وماكينات العمل.

وهذا الواقع ينطبق على بلدات أساسيّة من الشمال إلى الشوف مروراً بجبيل وكسروان والمتنين وعاليه، وحتّى جزّين. فحيث لا توجد قاطرة ل”القوّات” لا توجد قاطرة للعونيّين، بل نوع من التساوي في السبق والقدرة على المواجهة، كما في بلدة الحدث مثلاً.

أمّا في البلدات الأخرى، فالقاطرة موجودة خارج “الثنائيّة” التي يُضطرّها نفوذ العائلات والشخصيّات السياسيّة المستقلّة للدخول في ترتيبات راجحة لمصلحة الأخيرة: بلدات ساحل المتن وجرود جبيل والبترون مثالاً، وحتّى مدينة جونيه.

ولا يغيب خلل أساسي عن هذا المشهد: إعلان “التيّارالعوني” تحالفه مع السوريّين القوميّين، بدافع تفادي الغضب من زيارته النائب الضاهر، مع ما يعني ذلك من معان سلبيّة عميقة، على خلفيّة اغتيال مؤسّس “القوّات” الرئيس بشير الجميّل، وكانت آخر مشاهدها المؤذية ما جرى في الجامعة الأميركيّة في بيروت.

وبما أنّ الانتخابات البلديّة لا تشكّل فيصلاً حاسماً في تظهير التحالف أو التوافق الثنائي، لكونها متعدّدة الاعتبارات المحليّة والعائليّة والارتباطات الشخصيّة، فإنّها لا تصلح لقياس العمق السياسي لهذا التحالف.

ومع ذلك، تعتريها شوائب ومطبّات كثيرة بدأت تطفو على سطح العلاقات في أكثر من منطقة وبلدة.

فكيف سيكون الأمر في الانتخابات النيابيّة ذات الطابع السياسي بامتياز. هناك، سيظهر مدى جديّة التحالف، لأنّ الخيارات السياسيّة المفصليّة ما زالت متباعدة، وليست أقلّها مسألة سلاح “حزب الله” ومفهوم السلاح الشرعي الوحيد ومبدأ السيادة الوطنيّة وقرارات الشرعيّتين العربيّة والدوليّة.

الدلائل الأوليّة تشير إلى أنّ التغيير في سياسة أحد طرفَي “الثنائيّة”، والمقصود هنا الطرف العوني، لم يعد مستحيلاً، كي يقترب من ثوابت “القوّات”، ويصبح للتحالف إذذاك معناه الوطني، وليس فقط بخلفيّة تحقيق مصلحة تحت شعار المصالحة، في موقع هنا أو هناك.

إذ لا يكفي الاتفاق على عناوين الميثاقيّة والشراكة والتوازن، وهي عامّة  وغائمة في حدّ ذاتها، كي يتمّ نسج تحالف ناجح وعابر للمناطق والترسيمات السياسيّة المتنوّعة والمتداخلة.

لقد أثبتت السنوات الستّ للعهد البلدي المنقضي أنّ قوى سياسيّة ضمرت وانكمشت، وأُخرى نمَت وانتعشت. الأُولى تراجعت من موقع القاطرة إلى موقع المقطورة، والثانية أضافت نقاطاً وازنة في رصيدها السياسي والشعبي، وباتت هي القاطرة في مواقع كثيرة.

الاستحقاق البلدي سيُرسل إشارات أُولى عن هذا التعديل في الميزان السياسي والشعبي ضمن الثنائيّة نفسها.

وليس في التجربة السياسيّة اللبنانيّة الحديثة ما يؤكّد أنّ جسماً سياسيّاً فقد الكثير من وزنه، يستطيع بسهولة استعادته.

بيروت كانت نموذجاً أوّل. مدن وبلدات ذات طابع مسيحي حاسم ستكون نموذجاً ثانياً. والانتخابات النيابيّة ستكون نموذجاً ثالثاً ثابتاً.

وفي العمق، هناك إدراك أنّ تقليد الطوائف الأُخرى في الأحاديّات أو الثنائيّات ليس قدراً، وبقاء المسيحيّين مثالاً للتعدّد والديمقراطيّة، ضرورة لهم وللآخرين.

وسيأتي يوم تنسج فيه الطوائف الأُخرى على منوال التعدّد المسيحي، خلافاً للمقولة الرائجة بأنّ التعدّد ضعف وشرذمة، وأنّ تعليب الطوائف قوّة ووحدة.

وتسقط يومئذ فكرة القاطر والمقطور.

Exit mobile version