إفتتاحية “المسيرة” ــ  زحلة: معركة 8 أيار

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1558

كما اتجهت الأنظار إلى زحلة في معركة 2 نيسان 1981 ضد جيش النظام السوري تتجه إليها الأنظار اليوم في معركة 8 أيار 2016. من بين كل المعارك البلدية في لبنان تبدو معركة زحلة كأنها العنوان الأبرز وكأنها تختصر النتيجة النهائية. بين معركتي نيسان وأيار مسافة 35 عاماً لم تنسَ خلالها زحلة وجعها وجراحها ولم تنسَ كيف كانت في حرب نيسان موحدة في المواجهة وكيف أنها لم تكن وحدها وكيف أن شبابًا من “القوات اللبنانية” عبروا الجبال ليكونوا على خطوط المواجهة وهي لذلك لن تنسى اليوم أن من واجبها أن تكون واحدة وأن تقفل الجسر أمام محاولة إلغاء قرارها كما أقفلته أمام الدبابات السورية.

كما قالت زحلة كلمتها ونالت احترام العالم كله في العام 1981 ستقول كلمتها اليوم من أجل أن تنال احترام هذا العالم مرة جديدة. صحيح أن المعركة هي على البلدية ولكنها أيضاً على القرار الزحلي. فثمة رموز تبقى هي الرموز مهما تبدلت الأيام والظروف، وثمة ناس لا يتنازلون ولا يتراجعون ويدركون أنهم دائما الأساس وأنهم هم المعنيون بالمواجهة وأن عليهم أن يدافعوا عن زحلة اليوم كما دافعوا عنها من قبل وهم يرددون “ع زحلة ما بيفوتوا”.

أهمية معركة زحلة اليوم هي في أنها تختصر المواجهة مع التحالف المسيحي الأبرز الممثل في لائحة إنماء زحلة برئاسة المهندس أسعد زغيب. منذ إعلان التفاهم بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” بدأت الحرب عليه على أساس أنه سيتمكن من استعادة الحضور المسيحي. استطاع هذا التفاهم أن يتوسع نحو ترشيح العماد عون ليتحول تحالفاً في قضايا استراتيجية أبعد من رئاسة الجمهورية. ولذلك بدأت محاولات تطويقه.

بعدما نجح هذا التحالف في فرض نفسه معبراً إلى قصر بعبدا وفي فرض احترام الميثاقية في مجلس النواب وجد نفسه مباشرة في معركة الإنتخابات البلدية. صحيح أن “القوات” و”التيار” استطاعا أن ينسقا التحالف والتفاهم في بلديات كثيرة ووقفا على الحياد في غيرها واختلفا في عدد قليل منها من دون أن يؤثر ذلك على العلاقة ولكن مثل زحلة كان الأهم. لم يكن “القوات” و”التيار” هما اللذان انتبها إلى موضوع زحلة ذلك أن الذين شككوا في تحالفهما انتبهوا إلى أهمية زحلة أيضاً وأرادوا أن يكسروا هذا التفاهم في عاصمة البقاع.

صحيح أيضاً أن “القوات” و”التيار” توافقا مع أطراف مسيحية أخرى واختلفا مع غيرها في مناطق وبلدات كثيرة ولكن في زحلة توسع التحالف ليشمل “الكتائب” وليتحول قاعدة مسيحية واسعة على مدى زحلة كلها بعائلاتها وتكويناتها وفعالياتها بعد تجارب سيئة في إدارة العمل البلدي منذ العام 1998. لذلك تعتبر المعركة اليوم في زحلة ضد هذا التفاهم المسيحي الأوسع الذي يختصر التفاهم على مستوى لبنان ولذلك فإن انتصاره في زحله ينعكس على وضعه في كل لبنان ولذلك أيضاً تجري محاولة حصاره في زحلة كما حاصرها النظام السوري في الماضي. ومن هذا المنظار لا تعود المعركة ضد الكتلة الشعبية ولائحة السيدة ميريام سكاف خياراً سابقاً للمعركة إنما العكس هو الصحيح حيث أن سكاف وضعت نفسها وكتلتها الشعبية في هذه المواجهة مع هذا التفاهم المسيحي الأوسع بينما كان عليها أن تكون من ضمنه كما كانت زحلة كلها واحدة من أجل أن يكون قرار زحلة واحدًا. فليس صحيحاً ما تدعيه سكاف بأن هناك حرب إلغاء تشن ضدها، العكس هو الصحيح لأنها أصبحت جزءًا من حرب الإلغاء التي تشن على هذا التفاهم المسيحي الأوسع.

ضمن هذا الإطار يمكن فهم السبب الذي استدعى تدخل “حزب الله” لمنع ترشح العضو الشيعي في المجلس البلدي الحالي علي الخطيب على لائحة زغيب. فالخطيب عضو في المجلس البلدي الحالي المحسوب على سكاف ولكنه اختار أن يترشح على لائحة إنماء زحلة. “حزب الله” رفض حتى أن يبقى الخطيب مرشحاً مستقلاً وطلب منه أن يكون على لائحة سكاف أو أن ينسحب، وهكذا حصل.

“حزب الله” على رغم ترشيح “القوات” للعماد ميشال عون رفض أن يفتح الطريق أمامه إلى قصر بعبدا. معركة زحلة التي يخوضها الحزب ضد التفاهم بين “القوات” و”التيار” لا تنفصل عن معركته لمنع ترجمة الترشيح في قصر بعبدا. ولذلك تتجه زحلة اليوم نحو رفض خيار فرض “حزب الله نفسه” عليها. لأنه من خلال تفاهمه مع العماد عون كان من المنطقي ألا يكون ضد اللائحة التي يقف فيها “التيار الوطني الحر” وإن كان يقال إنه سيدفع “مكلفيه” وبتكليف شرعي تلاه الوزير حسين الحاج حسن نحو الإقتراع لعدد مختار من المرشحين لعضوية المجلس البلدي.

وإذا كانت سكاف تعتبر “أن الأحزاب إذا اتفقت ألغتنا وإذا اختلفت قتلتنا” فإن تعويلها على تحقيق انتصار على زحلة من خلال الإعتماد على أصوات الناخبين السنة والشيعة من خلال تحالفها مع “تيار المستقبل” و”حزب الله” سيعتبر هزيمة لها ولزحلة حتى لو ربحت الإنتخابات فلا يجوز لمن رفض التحالف مع القوى المسيحية أن ينسج التحالفات ضدها. فعندما كانت زحلة محاصرة في العام 1981 كانت كلها في المواجهة ولذلك انتصرت ولا يجوز اليوم أن ينبري طرف فيها من أجل أن يعيد فرض الحصار عليها وأن يكسر شوكتها ويلغي تاريخها. ولذلك سيجد الزحليون أنفسهم كما في العام 1981 صفاً واحداً في خط الدفاع عن زحلة وعن قرارها الحر وعن هويتها ولذلك ستكون سيدة زحلة شاهدة هذه المرة أيضًا على هذه المعركة وسيخرج شباب زحله ونساؤها وشيوخها وأطفالها للوقوف عند ذلك الجسر الذي لا تزال صور الدبابات السورية المدمرة عليه راسخة في أذهان كل زحلة وكل الذين اشتركوا في الدفاع عن زحلة. هذه هي قضية زحلة اليوم. ولذلك لا مجال للوقوف على الحياد لأن المعركة تعني كل الزحليين. وإذا كانت معركة 1981 فرضت على عدد كبير من الزحليين أن يبقوا في الملاجئ بينما كان عدد كبير منهم يتصدى لصد الهجمات على زحلة فإن معركة 8 أيار تستدعي أن يخرج الزحليون من منازلهم ويتوجهوا إلى أقلام الإقتراع. زحلة 1981 كانت تستحق الشهادة وزحلة 2016 تستحق الشهادة أيضاً. شهادة 1981 كانت بالدم بينما شهادة 2016 هي بقلم وورقة وصندوقة اقتراع. شهادة 1981 كانت من أجل زحلة وشهادة 2016 هي من أجل زحلة أيضاً. ولذلك لن يتردد الزحليون في تحقيق انتصار جديد لأنهم لن يسمحوا لهزيمة في العام 2016 أن تمحو مجد نصر 1981 وهم سيحققون الإنتصارين معاً لأن المطلوب أن تبقى زحلة سيدة الجميع ولأن المطلوب أن تتسع زحلة للجميع حتى للذين ذهبوا في الإتجاه المعاكس. إنها ساعة القرار. إنها ساعة زحلة. من أجل أن تبقى زحلة كما قال عنها سعيد عقل:

“وعدي يا لعم بتموتوا          ببوز البارودي أبطال،

ع زحلة ما بيفوتوا،            زحلة النجم الما بينطال”

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل