من لحظة تعيينه راعياً لأبرشية مار مارون كندا في 26 كانون الثاني 2013 أدرك المطران بول – مروان تابت أن المسؤوليات الملقاة على عاتق الكنيسة هناك ستكون بحجم هواجس اللبنانيين وانقساماتهم في لبنان. حمل خميرة الصلابة وإرادة التحدي، تلك الإرادة التي واجه من خلالها كل من حاول ان يسلب حق الإنسان بالعيش في بقعة جغرافية لا يلوثها الفساد ولا يخترق مداها خط التوتر العالي او وباء المخدرات وظاهرة النراجيل واجتياح البارات والملاهي الليلية….
في 24 شباط 2013 وصل إلى كندا ليتسلم الأمانة من سلفه المطران يوسف الخوري. همه الأول كان إعادة لمّ شمل اللبنانيين وفعلها. عمل على إعادة تجذر المغتربين بالممارسة ونجح. وقف على مسافة واحدة من كل أبناء الكنيسة ويكرر”هاو ولادنا”. مع ذلك لا يزال خائفاً على مسيحيي لبنان والشرق إذا استمر التعاطي مع الظروف غير الطبيعية بشكل طبيعي. وحده التفاهم بين “القوات” و”التيار” أعاد إليه الأمل بتحويل قرار رمي المسيحيين في البحر إلى حلم ولن يتحقق يوما. “سمير جعجع قلب الطاولة ورشح ميشال عون لرئاسة الجمهورية وإن كانت ورقة الرئاسة لم تنضج بعد لأن المطلوب ان يبقى البلد من دون ضابط إيقاع”. قالها المطران تابت وثمة الكثير بعد في هذه المقابلة التي أجرتها معه “النجوى – المسيرة” من مقر إقامته في مونتريال.
أي دور تلعبه الكنيسة لتأمين الرعاية وتحصين اللبنانيين المنتشرين في كندا؟
دور الكنيسة مهم وأساسي لعدة أسباب أبرزها في الحد الأدنى ثلاثة وهي:
أولاً: هناك مفهوم شائع متعارف عليه ومفاده أن اللبناني الذي يغادر وطنه الأم “يضيع” وينصهر في المجتمع الذي وصل إليه. من هنا يأتي دور الكنيسة في إعادة لم الشمل من خلال مد اللبناني المغترب بالغذاء الروحي وتثبيته في إيمانه وتوطيد علاقته بالكنيسة واللهبشكل دوري ومساعدته في الإبقاء على التواصل والتجذر وربطه بوطنه الأم من خلال مساندة الأهل في الحفاظ على إيمانهم وإحياء عادات وتقاليد الأجداد.
ثانياً: تلعب الكنيسة دور الوسيط بين التناقضات السياسية التي يعيشها أولادنا في الإنتشار فنعمل على تقريب وجهات النظر وتوحيدهم وفق خط تفاهمي كبير خصوصاً ان أي شرخ بين أبناء الجالية ناتج عن خلاف سياسي او عقائدي او حزبي يخلق حالة من الضعف، وينعكس على كل الأفرقاء من دون استثناء لأنه يحول دون تكاتفهم والعمل معاً. وهذه الصورة التصادمية والمتشرذمة كفيلة بتشويه صورة اللبنانيين داخل المجتمع الكندي او مطلق أي دولة ينتشر فيها اللبنانيون ويضعف من قيمة وجودهم ويحد من اهتمام الدولة بهم كأبناء جالية إغترابية.
ثالثاً: المساهمة في بلورة الحالة الوطنية وتحسين الصورة أمام الدولة المتبنية بأن يكونوا في الحد الأدنى على مستوى مقبول من التفاهم والإنسجام.
وكأن دور الكنيسة في الخارج بات في جزء كبير منه سياسيًا أو مقتصرًا في الحد الأكبر منه على فض المشاكل والترسبات السياسية التي يحملها معهم أبناء الجالية اللبنانية…؟
(مقاطعا) إطلاقاً. دور الكنيسة وطني بحت وليس سياسياً وإلا نتحول إلى حزب على غرار باقي الأحزاب. نحن نترك الحرية للأحزاب في ان تؤدي دورها المطلوب ولا نتدخل في شؤون المحازبين ولا في قناعات أحد او انتمائه ونحترم الجميع من دون استثناء. فالكل بمثابة أولادنا لأنهم أولاد الكنيسة، مما يعني أنهم جزء منا.
أما على المستوى الاجتماعي فالكنيسة هنا تلعب دوراً مهماً في تأمين الوظائف للبنانيين الوافدين حديثاً إلى مونتريال إنطلاقاً من شعارها بأنه ممنوع على أي لبناني ان يبقى من دون عمل في المقاطعة، بالإضافة إلى رعاية المسنين من خلال برنامج عمل إجتماعي يقوم على دمج الشباب بالمسنين وسواها من المشاريع.
لكن ألا تجدون صعوبة في إيجاد هذا الهامش من تقريب وجهات النظر الحزبية والسياسية في الخارج خصوصا ان المسؤولية ملقاة على عاتق الكنيسة؟
مهمتنا ان لا نيأس او نستسلم. دور الأحزاب في الإنتشار هو إيجاد قواسم مشتركة في ما بينها، لا أن تتحالف او تتناحر كما حالها في لبنان. وفي حال توافرت هذه القواسم يصبح من السهل الدخول في حوار مع الدولة المضيفة من أجل خير الجالية والوطن الأم.
كيف يمكن أن تقنع مغتربا لبنانيا بالمواطنة والإنقسامات داخل وطنه عمودية بدءا بمسألة انتخاب رئيس للجمهورية مروراً بقانون انتخابي جديد وصولا إلى كل ملفات الفساد وكل هذا يساهم في تيئيس اللبنانيين وتفاقم معدلات الهجرة عموما والمسيحيين خصوصاً؟
في الحقبات الماضية كان الكلام يتمحور حول إعادة المغتربين والمهاجرين إلى وطنهم الأم لبنان. ومع الأيام ثبت أن هذا الحلم كبير ولا يمكن إنجازه. اليوم هناك حالة أخرى وأكثر خطورة وتتمحور حول اقتلاع اللبنانيين من لبنان. أيضا ثبت أن هذا حلم ولن ينجز. المهم ان الكنيسة واعية لهذه الحالة الخطيرة، لا سيما في عالم الإنتشار وتدرك تماما ان هناك محاولات حثيثة لانتزاع اللبنانيين من وطنهم وتحويله إلى ارض تستوعب كل الشعوب الطارئة والنازحة إليه. هذا ما حصل مع الفلسطينيين سابقا واليوم التاريخ يعيد نفسه مع النازحين السوريين بغض النظر عن التعاطف الإنساني معهم. كل هذا يفسر أسباب عدم الرغبة في انتخاب رئيس جديد للجمهورية. فوجوده يعني ضبط الإيقاع السياسي في لبنان، واليوم هناك قرار بإبقاء الوضع أو الإيقاع في حال الفلتان حتى تستفيد منه جماعات معينة وتنفذ كامل مخططاتها. واللبناني في الصميم لن يجد امامه إلا باب الهجرة لأنه عاجز عن العيش في وطن لم يعد يشبهه.

وماذا عن الطبقة السياسية وهل تقرأون في التفاهم بين”القوات” و”التيار” مدخلاً لوقف مخطط انتزاع اللبناني عموما والمسيحي خصوصا من وطنه؟
مما لا شك فيه أن إعلان النوايا بين حزب “القوات اللبنانية” و”التيارالوطني الحر” جاء على خلفية استباق حالة النزف القائمة على الساحة المسيحية وقراءة كل من سمير جعجع وميشال عون لمخطط انتزاع اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً من أرضهم. وهذا ما يفسر الهجمة التي عكسها هذا التفاهم على الساحة السياسية خصوصاً بعد ترشيح الدكتور سمير جعجع دولة الرئيس ميشال عون رئيساً للجمهورية وتجلى ذلك في مقاطعة فريق معين جلسات الإنتخاب. ومن هنا ومن موقعي أرى ان المطلوب من الزعماء الموارنة خصوصاً والمسيحيين عموماً ان يلتفوا حول هذه الحالة وتفادي فرض أية شروط على إنتاج حالة مسيحية موحدة. “أنا ما عم بقلن يجوا ع “القوات” او ينضموا لـ”التيار” إنما يساعدو على تعزيز نجاح هالحالة من دون شروط قبل ما يكبونا بالبحر”.
وماذا عن دور بكركي التي باركت هذا التفاهم؟
طبيعي ان تباركه لأنه مطلب مسيحي أولاً ووطني ثانياً، لكن مطلوب أيضاً إعادة إنتاج للدور الوطني الذي قامت عليه بكركي.
ألا تخشون من اندثار سلم القيم بين أجيال الهجرة الثلاثة؟
لا أخشى على الجيل الأول الذي لا يزال يحمل سلم قيم العائلة ويورثه من جيل إلى آخر، ولا حتى من انفتاحه على الآخر المختلف عنه في العادات والتقاليد لأنه يعطيه أفضل ما عندنا ويقدم له أفضل ما لديه من طاقات وكفاءات. أخشى على الجيلين الثاني والثالث لأنهما انخرطا في مجتمع بعيد كل البعد عن ثقافتنا واتحدا بمقوماته، وفي المقابل لا يُقدم له في معظم الأحيان إلا الصورة السوداء والقاتمة عن وطنه الأم الذي لم يتعرف إليه إلا من خلال الخلافات السياسية والإنقسامات العائلية والفساد المستشري.
وكيف تساهمون في تثبيت سلم القيم؟
لا أنكر ان الصعوبات كثيرة والمطبات التي تعترضنا تفوق التصور أحياناً. لكننا لن نحيد عن إيماننا بأبناء كنيستنا والخطوة الأولى التي عملنا عليها تمثلت في وضع برنامج لأولاد المغتربين بين عمر 8 و17 سنة بهدف إعادة ربطهم بوطنهم الأم الذي لم يتعرفوا إليه بعد. وتجذيرهم بأرضهم. ويتضمن البرنامج تدريسهم مادة التعليم المسيحي بحيث أعيدت قراءته لتمرير القيم المطلوبة وإدخال اللغة العربية إلى برامج التدريس وبذلك يمكن للأولاد الذين ولدوا في كندا ان يتعلموا اللغة العربية ويتعرفوا إلى لبنان من خلالها أو من خلال كتاب التاريخ الذي اخترت من صفحاته الأحداث والصور الإيجابية التي تكشف لهذا التلميذ وجه لبنان الحضاري كمثل مطار بيروت وساحة الشهداء وكروم العنب وغيرها.
وهل لمستم تطورا إيجابيا؟
“أكيد. صار عندي ولاد من هالفئة العمرية بتقرا الرسالة باللغة العربية بالكنيسة وبتعرف المواقع الأثرية والتراث. شو بدي أحسن من هيك؟ الطريق طويلة صحيح، بس كان لا بد من خطوة أولى ونحنا أخذنا المهمة على عاتقنا لأنو ما بدنا نخسر الأجيال الناشئة بالغربة خصوصا إنو بعد فينا نشتغل علين وما نخسرن”.
ما هي هواجس الجيل الناشئ في عالم الإغتراب؟
الأسئلة التي يطرحونها تختصر هواجسهم: “ليش نحنا هون؟ ليش في حرب بلبنان؟ ليش الإخوة بيتخانقوا وبيقتلوا بعضن؟ ليش في ناس عندن لحى طويلة”؟…
وهل تحيكون لهم صورة جمالية من خلال الأجوبة التي تقدمونها لهم؟
نحن ملزمون أن نقدم لهم الصورة التي من خلالها نريدهم ان يروا وطننا لبنان. فهذه الصورة هي الحقيقة والتي إذا تغيرت تتحول الهجرة إلى نفسية. وعندما يكبرون علينا ان نساعدهم حتى يقتنعوا بأن الصورة القاتمة أوالمشوهة التي قد يعرفونها عن لبنان ليست حقيقية، إنما تلك التي قدمناها لهم عندما كانوا أطفالاً. وهذا ما بدأ يتظهر من خلال الشباب المغترب الذي يزور لبنان للمرة الأولى. فعندما يعودون يروون لنا مشاهداتهم واللافت ان الصورة التي تنطبع في ذهنهم تستثني مشهد النفايات على الطرقات والخلافات السياسية والفراغ الرئاسي و… هم لا يتذكرون إلا صورة الضيعة والأرز ووادي قنوبين والقيم العائلية ونراهم متحمسين لزيارة لبنان كلما سنحت لهم الفرصة والظروف. الطريق طويلة وما فينا نوصّل الكلّ. قد يتركنا البعض، علينا أن نكون أكثر من واقعيين.
هل لمستم تغييرا في مسار العلاقة بين اللبنانيين بعد التفاهم بين “القوات” و”التيار”؟
طبعاً فهذا التفاهم انعكس إيجاباً لافتاً. هذا لا يعني ان الأمور كانت سلبية بالكامل قبله إنما كان يمكن وصفها بالإحترام المتبادل وحرص على عدم تظهير الإشكاليات في وجهات النظر إلى العلن. بعد التفاهم بدا واضحا انعكاس الأجواء الإيجابية وغياب مظاهر التشنج على الحالة العامة مع الإصرار على العمل من أجل إنضاج حالة جديدة في مونتريال وكندا من أجل الخير العام.
رعيتم اللقاء الأول الذي جمع بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” في مونتريال؟
صحيح لقد شاركت في الإجتماع الأول وكانت الأجواء إيجابية ومكللة بالإحترام المتبادل وقد وضع الحاضرون خارطة طريق للمرحلة القادمة لما فيه خير الجالية ورفع اسم لبنان.
كيف تختصرون مسار العمل في السفارة اللبنانية في أوتاوا والقنصلية في مونتريال من أجل استعادة الجنسية وهل يبدي اللبناني المغترب حماسة لتسجيل أولاده؟
بالنسبة إلى كندا يمكن الجزم بأن هذه المسألة محسومة بوجود ديبلوماسي من الطراز الأول ولبناني متجذر هو القائم بالأعمال في السفارة اللبنانية في أوتاوا سامي الحداد. فهو يحرص على إبقاء أبواب السفارة مفتوحة أمام اللبنانيين في أوتاوا وأنتاريو للتسجيل. واللبنانيون متحمسون جداً. وفي مونتريال المشهد نفسه بفضل القنصل فادي زيادة الذي يحمل أيضاً مزايا إنسانية ووطنية ودبلوماسية واضحة. وهناك تعاون وثيق بين القنصليات والكنيسة التي تعمل على هذا الملف من خلال المؤسسة المارونية للإنتشار في مونتريال. كلنا نصرّ على بثّ الحماس في الجيل القديم والقسم المتبقي من الجيل الثالث الذي لا يبدي حماسًا كبيراً لتسجيل أولاده.
هل تخشى على مصير المسيحيين في لبنان إنطلاقا من الواقع الذي يعيشه مسيحيو الشرق؟
نعم ولا. خائف إذا استمر تعاطي القيادات المسيحية، الكنسية والسياسية وأصحاب الشأن العام، مع الحالة غير الطبيعية القائمة في البلد بطريقة جد طبيعية. وهنا لا بد من التنويه بالمبادرة التاريخية التي قام بها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع عندما أعلن انفتاحه على “التيار الوطني الحر” ووقعا معا على ورقة التفاهم. فعندما يكون هناك زعماء أمثاله قادرين على قلب الطاولة والتعالي على المصالح الشخصية من أجل خير المجتمع، عندها لا يعود من مجال للخوف على مصير المسيحيين في لبنان. لكن هذا لا يكفي لأن هذه الخطوة التاريخية محدودة في المكان والزمان. والمطلوب من الزعماء المسيحيين الآخرين خطوات مماثلة.
وهل ينسحب هذا المشهد على مسيحيي الشرق؟
حال مسيحيي لبنان من حال مسيحيي الشرق ولن يتبدد خوفي على المسيحيين إلا إذا تعاطى رجال الكنيسة والسياسة والشأن العام والقيمين على خير الناس وحياتهم ورعايتهم كرجال دولة وأصحاب قضية وحاملي قيم.
وماذا عن هجرة الشباب ألا تشكل في حد ذاتها حربا على الهوية والوجود؟
حروب كثيرة مرت على لبنان عسكرية وإقتصادية وسياسية ودستورية ولم تنل من الشباب اللبناني. على العكس ازداد عصبه ونضاله للحفاظ على أرضه ووجوده. وحدها الحرب الأخلاقية المتمثلة في الملاهي الليلية والمخدرات تهدد مصير الشباب اللبناني اليوم وتحديداً في المناطق المسيحية وقد بدأ الترويج لها مع انتشار ظاهرة النارجيلة. حتى ظاهرة عمليات التجميل التي بدأت تطال جوهر المظهر أي الحالة الإجتماعية وليس فقط ترتيب البيت الجمالي هي من أخطر الحروب التي باتت تهدد الشباب اللبناني عموما والمسيحي خصوصا لأنها تهدف إلى ضرب الحالة الإيمانية والعائلية.
حزب “القوات اللبنانية” أطلق حملته ضد المخدرات.
وهو مشكور ونشد يدنا للتعاون معه. لكن كنت أتمنى لو ان الكنيسة عالجت الموضوع بطريقة مختلفة.
هل تتوقعون انتخاب رئيس للجمهورية في المدى القريب؟
أنا ابتعدت عن يوميات الحياة السياسية في لبنان ولكن الحالة التي خلقها التفاهم بين “القوات” و”التيار” تثمَّن ولها مردود إيجابي على الساح المسيحية. من هنا لا يمكن تبرير أي محاولة لضربه أو تشويهه أو فرض أي شروط عليه.
