ليس أشهى من صندوقة الاقتراع! تبدو وكأنها طبق شهي تفوح منه أطايب البهارات والاضافات المتنوعة المتضادة المذاق، والكثير من خواص الخضار واللحوم والمطيبات، وقد يكون الفلفل الحار إحداها لمن يحب النقزات في المذاق، نقزات تقارب التحدي للمألوف في الطعم! ما أشهاه طبقا يتصاعد منه لهب تحالف النكهات وفي كل نكهة تتراقص المكونات على وقع واحد هو الاول والاخير، التحدي واثبات الوجود، البهار لئيم، القرفة قوية بنعومة، الكراوية حدّة، اكليل الجبل وقح، الملح سيّد، أنا أعشق الطبخ المالح وأكره الحرّ ومع ذلك اخفف الملح وأتذوق الفلفل مبتسمة ولو كنت أختنق، هذه هي الانتخابات البلدية، أن تتحايل بذكاء على المذاق لتصل الى الطبق الاطيب، هذا هو المذاق الفريد في صندوق اقتراع المجالس البلدية، هل المزاج جاهز لتذوّق كل تلك التحالفات في خلطة واحدة؟ هل المزاج اللبناني جاهز أساسا لمزاج صندوق الاقتراع؟
“ليكي أسما رح تنتخبيلي إبني؟ أكيد لاء”! تجيب أسما “ليش إنتِ رح تنتخبي ابني ولِي عايدة؟” تضحك عايدة “طرّيش ليش مش عاجبك إبني؟” تضحك أسما “وابني كمان مش عاجبك؟ هيدي الانتخابات يا بيتي بنتخبلك تـ تنتخبلي تزعليش” وتغرق السيدتان الصديقتان منذ زمن بالضحك وهما أصبحتا متباعدتين في مزاج الصندوقة فقط!
هذا مشهد واقعي من قرية بقاعية وينسحب على القرى اللبنانية كافة، بالضيعة يقولون، أو الأصح يتساءلون بدهشة “شو قصّتن النسوان فايعين ع الانتخابات هالسنة؟”!!! هو التعبير القروي الأصح “فايعين”، وفوعتهن لا تأتي من عبث انما من عطش للصندوقة العجيبة تلك، وتتلاقى مع “فوعة” الرجال وخصوصا الشباب منهم، علما أن مصدر العطش هو مَحْل مياه الديمقراطية وممارستها كأحسن ما يكون في لبنان، حتى في الضيعة البعيدة تكره الغالبية تلك الكلمة التي يتغنى بها كثر من الجيل العتيق، “التوافق”، يا لطيف كم فيها ما فيها من استسلام لضغوطات حزبية أو عائلية وما شابه! قد تسألون “لكن التوافق هو أحسن الطرق لتجنّب النعرات والتحدي وما تحمله المعركة الانتخابية من خلافات بين العائلات والأصدقاء” أيضا صحيح خصوصا إذا تم التوافق على مجلس يمثل فعلا طموحات الضيعة أو المدينة ولكن… لماذا مع كل ما يحمله التوافق من إيجابيات إذن، لماذا ينحو مزاج غالبية اللبنانيين نحو صندوق الاقتراع؟
هو أولا وآخرا إثبات الوجود، التوافق يلغي الكثير من تلك القوة الفردية التي تثبت القدرة على المضي بانتخابات تحمل ما تحمله من حنكة ودقة في نسج التحالفات، وأكثر من ذلك، الانتخابات البلدية هي أكبر إثبات على مدى تأثير الفرد في محيطه، ولا يقل أحد هذا كلام غير دقيق، هو الكلام الدقيق واسألوا مجرّبا أو الأقرب إليكم، إسألوا مجرّبة كاتبة هذه السطور. قد يختلف الطابع الانتخابي في المدن الكبيرة، زحلة بيروت جونيه طرابلس، تلك مدن التحالفات السياسية بين الزعماء والنواب غالبا، تبدو فيها المحادل هي الطاغية ومزاج اللبنانيين غالبا اصطفافي، بينما يختلف الأمر في المدن الصغيرة وخصوصا في القرى، هنا تصبح الانتخابات حال شخصية إذ إن المرشحين هم غالبا إبن العم وإبنة الخالة والأصدقاء والأبناء وما شابه، وأيضا هنا محك العلاقات العائلية إذ قد يتحول ابن الخالة الى الخصم اللدود، والبعيد هو الأقرب والعكس أيضا، هنا المحك الفعلي لمزاج اللبناني الانتخابي، وهنا الخلطات العائلية العجيبة الغريبة قبل أن تضفي الأحزاب نكهاتها غير الطاغية غالبا في الانتخابات البلدية، وهذه أيضا مفارقة، فحتى اللحظة لم يخرج اللبناني من قبليته العائلية في الانتخابات البلدية، على رغم تطور النظرة الى العمل البلدي كهدف انمائي صرف بعيدا من السياسة والعيلة بالتأكيد.
“إذا عملتو توافق بتطير عيلتنا ومنصير برّا” وطارت العائلة بعدما أطاح التوافق بها لأن ما عاد لها مكان بين العائلات الأخرى الرئيسة في الضيعة، في القرية المجاورة فشلت كل مساعي التوافق، وذهبت الضيعة الى الانتخابات وسط منافسة شرسة جدا جدا نظرا لتقارب الأسماء وتشابك العائلات، ومع ذلك تبدو الضيعة سعيدة بالتحدي لأنها تدخل الديمقراطية من بابها العريض، في حين أن قرية التوافق المجاورة تحسد جارتها لأنها ستفعل ما لم تتمكن هي أن تفعله “جرّبنا التوافق وفشلنا والضيعة بدها انتخابات فلتكن” يقول أحد المرشحين في لائحة تضم الكثير من المكوّنات المتحالفة، “فيها فلفل حرّ هاللايحة؟” والمقصود بالفلفل هنا “القوات اللبنانية”، يضحك الرفيق “أكبر نسبة هي للفلفل الحر نحنا بالضيعة منحبّو كتير”.
.jpg)
قال الدولة، وكي تشجّع الناس على التوافق، أو لعلنا ممكن أن نسميه “التكاذب”، تمنح البلدات المتوافقة مبلغا من المال كجائزة ترضية، أو لنقل كرشوة لتشجيعها على عملها “الجبار”، ذاك الذي “جنّب” البلدة المعركة!!! كلام خطير بالنسبة للبنانيين صاروا يتحلون بما فيه الكفاية من الثقافة والوعي، لأن الدولة التي تعيّن لنا موعد الانتخابات هي نفسها التي تشجعنا على تجنب الانتخابات! الشيء ونقيضه كالعادة في الدولة الختيارة بالمعنى السلبي للكلمة، وليس الختيرة الجميلة الممتلئة من بركة السنين وحكمتها، ومما تشكو المعركة يا دولة؟! فها هم اللبنانيون في غالبية المناطق، يذهبون بحماسة كبيرة الى المعارك وكل يحسب أن في بلدته أم المعارك وأبيها وسليلتها وحتى المستنهضين منها من القبور قبل الأحياء منهم، فما تقول الدولة إذن في اندفاع المزاج اللبناني ذاك الى صندوق الاقتراع؟!
لا تقول الدولة شيئا، فهي أخذت موقف الحياد وحضّرت لوجستيا الأرض للانتخابات البلدية وإن كانت تفضّل التوافق، أوكي فهمنا وبعد؟! ليس من “بعد” يُحكى فيه، فمزاج اللبناني متضارب غالبا مع مزاج الدولة، وتضاربا في أكثر من محطة وحتى في أكثر من شارع، والغلبة هنا تحديدا هي لمزاج القرى والبلدات إذ لا يمكن للدولة ان تفرض مجلسا بلديا مهما فعلت، وحتى في زمن الاحتلال السوري والأسماء النيابية المعلّبة، لم يتمكن الاحتلال من فرض سطوته على مزاج اللبناني في اختيار مجالسه البلدية ولن يفعلها أحد.
قد تكون هذه الانتخابات هي المصفاة الأخيرة ربما للقبلية العائلية والحزبية، مزاج اللبناني وعلى رغم كل السوء المحاصر به، دائما هو الأعلى في المنطقة، رأسه دائما الى فوق، وفوق هي الديمقراطية ونحن بغاية العطش إليها، ومزاجنا عال وعال جدا لنقطفها في كل المواسم، وإذا لم تصدقوا، قوموا بجولة الى أبعد القرى والبلدات اللبنانية وستعرفون أن أحلا ما فيها هو ذاك المزاج الذي ينهمر بشوق وحرارة فوق النكهات اللاذعة والنقزات، الانتخابات هي النقزة التي تُجفل الاسترخاء والنوم في الاستسهال أو في توافق غالبا كاذب مهما ادعينا العكس….
