#adsense

التعايش الحقيقي

حجم الخط

انتظرت الحركات الإسلامية المعتدلة في العالم العربي دعماً من نظيراتها وأصولها، فإذا به يأتي من المملكة المتحدة، في صورة ديموقراطية حملت المرشح العمالي صديق خان إلى عمدة لندن بكل حمولتها الرمزية. ولم يكن للمنافسة المحتدمة باستمرار بين المحافظين والعمال أن ترتدي الأبعاد التي اتخذتها، لولا أن العمدة لم يكن مسلماً.

تصلح سابقة كهذه لاستيعاب المسافة الفاصلة بين الانتماء العقائدي والانتساب السياسي. ولو أدرك بعض تجارب حكم الإسلاميين أن المشاعر الدينية توحد ولا تفرق وتُصلح ولا تُفسد لما انهارت عند أول امتحان، بخاصة في المجتمعات متعددة المرجعيات المرتبطة بالهوية الثقافية والروحية. وما بين الاستناد إلى الشريعة في الأحكام والمعاملات وبين المغالاة في تحميل الممارسات السياسية أبعاداً دينية، يظل الفارق كبيراً.

من أبرز دلالات اقتراع لندن الذي كان اختباراً للتجارب والبرامج والتطلعات، وليس الانتماءات العقائدية، أنه أسقط أفكاراً مشوشة ومتطرفة إزاء فهم وسطية الإسلام واعتداله. وفي أقرب تقدير أنه ميز بين استخدام الدين لأهداف سياسية، كما في حالات أساءت إلى مقاصده النبيلة المتمثلة في تكريم الإنسان والارتقاء بالعلاقات. وبين التزامه الروحي والمبدئي الذي يسمو فوق الحزازات وسوء الفهم والتأويلات الخاطئة.

المثل الذي قدمه البريطانيون يدل بشكل قاطع على أن موجة الكراهية ونفث سموم الأحقاد، إن كانت وجدت في الممارسات الخارجة عن قواعد ومبادئ الإسلام مرتعاً خصباً للاستعداء ونشر المخاوف، فإن في الإمكان الحد من استشرائها، عبر تقديم صورة بديلة تقوم على ترسيخ قيم التعايش والحوار والفهم المتبادل. وإذ يأتي النموذج من بريطانيا ذات التقاليد الديموقراطية العريقة، فإن ذلك يعزز الاعتقاد بأن صون صورة الإسلام من صميم مسؤوليات معتنقيه، أكانوا في بلدان إسلامية أم غربية، كون العقيدة واحدة موحدة. وما يبعث على التفرقة وإشاعة نزعات التطاحن لا يزيد عن إدراك سطحي لجوهر العقيدة السمحاء التي ترتقي بالفكر الإنساني والاجتهاد العلمي ومظاهر المساهمة الحضارية لفائدة البشرية جمعاء.

لم تحل الاتهامات التي وجهت لخان حول تعاطفه مع المتطرفين الإسلاميين في ثني الناخبين عن وضع ثقتهم فيه. فقد قفزت المشاكل الملحة لسكان لندن في النقل والسكن واستحداث جيل جديد من مرافق الخدمات العامة على غيرها من الأسبقيات، والأهم أن الناخبين في العاصمة لندن حسموا في إشكالات مرتبطة بتعايش الأديان والأقليات.

ما أحوج الحركات الإسلامية، وقد عرفت المد والجزر في تعاطيها والمسألة السياسية، إلى تأمل الصورة والابتعاد من كل ما له صلة بأنواع الاستبداد الفكري وضيق الأفق السياسي، ففي المجتمعات الإسلامية متسع من الرحابة لتعايش حقيقي، وقبل أن يجاهر بعضها بالشكوى من الإقصاء يتعين أن تكون البادئ إلى نبذ التحجر والانغلاق، إن لم يكن من أجل ضمان مواقع تحت الشمس، فلا أقل من أن يصبح التزام نصرة الإسلام منطلق النيات والإرادات.

ولأن الأميركيين مهتمون بكل ما يحدث في بريطانيا، فهم مدعوون أكثر من غيرهم إلى استيعاب درس التساكن، بدل الإمعان في حملات عدائية مجانية ضد الإسلام والمسلمين، كما في تخريجات المرشح الجمهوري دونالد ترامب الذي اتخذ من معاداة المسلمين برنامجاً انتخابياً.

لا تكاد هجماته ضد الأقليات من المسلمين والأميركيين من أصول لاتينية تختلف في جوهرها عن تلك التي شنها منافسو البريطاني صديق خان على منصب عمدة لندن، ففي كثير من الصراعات الانتخابية ينزاح الستار عن غرائز ومرجعيات راديكالية لاستمالة الناخبين المترددين، لكن الصورة سرعان ما تتغير في ضوء الانتقال إلى مواقع المسؤولية، والشاطر من لا يزايد بغير ما يتقبله المجتمع المتساكن في بنياته وتقاليده وأعرافه.

وما يصدق على الآخرين يكون أجدى أن ينطبق على أهل الدار أولاً.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل