
قذفت التطورات الميدانية الدراماتيكية في حلب كل المواعيد المضروبة لاستئناف مفاوضات جنيف السورية وتربعت لغة الحديد والنار مجددا في صدارة المشهد، في مقابل صولات وجولات تارة روسية – اميركية واخرى اوروبية – دولية لمنع المواجهة الشرسة وكلفتها المدمرة على المستويات كافة عسكريا وسياسيا. وتقول اوساط سياسية مراقبة لـ”المركزية” ان اكثر الجهات المستفيدة والدافعة في اتجاه معركة حلب هي ايران التي تخوض مع النظام معركة وجودية، خلافا لما هو عليه واقع الحال الروسي، اذ ان دخول موسكو الى سوريا لم يكن تمسكا بالرئيس بشار الاسد ونظامه، وفق ما تبين لاحقا من تصريحات كبار المسؤولين الروس سيما وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي قال بالفم الملآن “إن الرئيس السوري بشار الأسد، ليس حليفا لروسيا. نعم، ندعمه في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الدولة السورية، لكنه ليس حليفنا” بحيث تركز الهدف الروسي على عدم انهيار النظام وحجز مقعد متقدم له في المفاوضات، خشية تكرار سيناريو تداعي الدولة العراقية، في حين ان طهران ومن خلال معركة حلب تسعى لتحقيق انتصار للنظام من جهة وتثبيت موطئ قدم لها بحيث تكون حلب قاعدتها في سوريا، كما اللاذقية والمناطق الساحلية الاخرى قواعد لروسيا، خصوصا ان حلب تشكل نقطة محورية استراتيجية في الداخل السوري.وقد سارعت ايران فور الخروج الروسي الى ارسال فوجٍ عسكري الى جانب اسراب من “حزب الله” الى المحافظة تمهيدا لخوض “المنازلة” الكبرى التي لن تكون بالسهولة التي تصورتها في غياب الغطاء العسكري الروسي الذي أمّن انتصارات للنظام في اكثر من منطقة ابان تواجده هناك.
وتوقفت الاوساط هنا، عند زيارة مستشار مرشد الثورة الاسلامية للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي الى سوريا اثر زيارة للبنان، ولقاءاته مع الرئيس الاسد وكبار المسؤولين في النظام وما اعقبها من مواقف داعمة للأسد شخصيا، والاعلان تزامناً عن مقتل 13 مستشاراً من الحرس الثوري في حلب باصابة مباشرة لغرفة العمليات الايرانية، معتبرة انها حملت رسائل واضحة بان الجمهورية الاسلامية اتخذت قرارها بمعركة حلب، ولم يعد الامر خاضعا للنقاش، فهي لن تسلّم لموسكو وواشنطن باحتكار قرار الحرب والسلم من دون ان تكون لها حصة في قطعة الجبنة السورية.
بيد ان الراعيين الدوليين للازمة السورية ومعهما دول اوروبا المهتمة، كما تفيد الاوساط، ليسوا في وارد ترك المسرح الميداني لايران في ثاني اهم المدن السورية، وتركها على شفا اخطر الحروب التي قد تحدد مصير سوريا بالكامل، وسيمارسون اقصى درجات الضغط لتثبيت الهدنة القسرية وقطع الطريق على اللعبة الايرانية التي تهدف الى ممارسة سياسة المماطلة الى ما بعد ايلول المقبل موعد الانتخابات الرئاسية الاميركية والتي ستليها ايضا انتخابات في سائر الدول المعنية، بما يتيح لها انذاك، وفي ظل انهماك كل طرف بشؤونه الداخلية استعادة زمام المبادرة والامساك بالورقة السورية مجددا. من هنا، تشير الاوساط، انعقد اجتماع فرنسا امس لهدفين: تثبيت الهدنة والدفع في اتجاه استئناف المفاوضات نحو الحل السلمي سريعا وقبل حلول المواعيد الانتخابية، مشيرة الى ان ايران، ومن خلال زيارة ولايتي التي اعقبتها كما قالت مصادر في فريق “14 اذار” زيارة لمسؤول رفيع في “حزب الله” الى دمشق حيث عقد لقاءات سياسية وعاين الجبهة في حلب، هدفت الى توجيه رسائلها الى الحلفاء قبل الخصوم، وتحديدا موسكو التي تعمل من تحت الطاولة لانشاء مجلس عسكري، بوجوب الالتفات اليها والوقوف على رأيها كلاعب اساسي في الحل السوري، وقد لفت ولايتي علنا اليها بقوله “إن أصدقاء سوريا يعلمون، وأعداء سوريا يعلمون، أنّهم لن يستطيعوا بأي شكل من الأشكال فرض حلّ على الشعب السوري.”