لعل النتيجة الأساس التي خرجت فيها المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية والاختيارية، ليست فقط في تحديد الرابح والخاسر، بل في أنها حددت أحجام القوى السياسية المشاركة فيها.
ليست مبالغة إن قيل ان انتخابات بيروت، وبالاقبال الخجول عليها من قبل ابنائها المسيحيين والمسلمين، «فضحت» الرابحين والخاسرين معاً. وأقلية الـ20 في المئة من البيارتة التي شاركت، موزعة على كل المشاركين من حزبيين وسياسيين ومجتمع مدني وغير ذلك، وهذه «الأقلية»، وإن توزعت بين رابح وخاسر ورقمياً، فإنها منيت بخسارة موصوفة وقاصمة امام اكثرية الـ80 في المئة من ابناء بيروت الذين صوتوا ضدها بالغياب والتجاهل والامتناع عن التصويت.
والأهم في هذه النتيجة ان تمنّع اي فريق من ان يقول «انا الممثل الشرعي والوحيد لطائفتي»، فلا سعد الحريري يستطيع ان يقول ذلك، خاصة أنه لم يتمكن من جذب البيارتة الى لائحته، بل إن الذين لم يستجيبوا لنداءاته هم اربعة اضعاف تلك الأقلية التي استجابت ونزلت الى صناديق الاقتراع.
وكذلك الامر بالنسبة الى المسيحيين، وعلى وجه الخصوص التحالف المستجد بين «القوات اللبنانية» و «التيار الوطني الحر»، الذي لطالما سوّق الطرفان أنهما يمثلان مجتمعين 86 في المئة من المسيحيين، لكن المفارقة الغريبة ان الطرفين أحسا بالسخن يوم الانتخاب، فاستعانا بميشال عون وسمير جعجع شخصيا لمناشدة المسيحيين المشاركة، والمفاجأة التي تجلت ان حجم الاستجابة كان موجعاً واقل بكثير مما هو متوقع.
واذا كان وليد جنبلاط قد «شارك ولم يشارك» في بيروت وفقا للحجم الطبيعي له في العاصمة، على ان يؤكد هذا الحجم في عرينه في الجبل، يبقى الثنائي الشيعي، «حزب الله» وحركة «امل»، الاكثر تماسكا وتنسيقا في العملية الانتخابية ترشيحا، حيث عبر تحالفهما عن نفسه في البقاع الغربي والاوسط والشمالي وحافظ على الانسجام في المساحة الاكبر من البلديات، وكان هناك تناغم واضح من النوع الذي يتفهم الضرورات، من اصغر تفصيل الى اكبر تفصيل. وبالتالي جاءت النتائج بأكثريتها الساحقة لصالح التحالف بينهما، والصيغ التوافقية التي شاركا في نسجها في القرى والبلدات.
استطاعت حركة «أمل» من خلال هذه الانتخابات، والفوز البلدي والاختياري الذي حققته في مناطقها، ان تثبت مواقعها وحضورها في الميدان البقاعي. وكذلك الامر بالنسبة الى «حزب الله»، الذي تُسجّل حول أدائه الانتخابي الملاحظات التالية:
ـ الحرص من البداية على المشاركة في الانتخابات بأقصى حيوية ممكنة، ترشيحاً واقتراعاً وحياكة للصيغ التوافقية والتفاهمات. تفعيل ماكينته الانتخابية المشهورة بحيويتها وانتاجيتها، والقول بطريقة غير مباشرة نحن حاضرون في كل الميادين، وبالتالي فلا المشاركة في الحرب السورية ولا العقوبات الاميركية والضغط السعودي والخليجي تثنينا عن المشاركة في الاستحقاق البلدي، وهذا الامر ينسحب على كل الاستحقاقات اللبنانية الرئاسية او النيابية او غير ذلك.
ـ سعيه لإثبات انه ما زال يمتلك قدرة نوعية واستثنائية على التعبئة والحشد الجماهيري.
ـ توجيه رسائل في شتى الاتجاهات الداخلية والخارجية بأنه ما زال ملتصقا والى حد عميق بناسه وببيئة حاضنة صلبة يستمد منها قوته، وفيّة له ومؤمنة بخياراته بالخط والتضحيات التي يقدمها في حربيه ضد العدوين الاسرائيلي والتكفيري. وبالتالي فإن الحزب بكل ادائه البلدي في البقاع حاكى الظروف المحيطة بالمنطقة، والمخاطر التي تتهددها، وأرسل رسالة اساسية الى كل الآخرين في الداخل والخارج «لا تراهنوا على البيئة الحاضنة للمقاومة».
ـ حرصه الواضح على اظهار انتخابات البقاع منصّة لاسكات كل مرابض التشكيك، بالتأكيد على ان حضوره الشعبي، في منطقة حساسة (البقاع) تحاذي سوريا، وكانت على الدوام خزان المقاومة.. لم يتأثر. لا بل ان هذا الحضور زاد بلديا عما كان عليه في الدورة الماضية، بربح بلديات اضافية كان قد خسرها سابقا.
ـ قد يبدو اداء الحزب موفقا سياسيا في مكان وظالما لشريحة شعبية في امكنة اخرى. في السياق الاول، كان موقف الحزب واضحا في زحلة مثلا، مقسما الاصوات على من يعتبرهم حلفاء (ميشال عون وميريام سكاف ونقولا فتوش)، وصوت لهذا المثلث، برغم «استياء» عون الذي كان يريد ان يصوت «حزب الله» للائحة «التيار الوطني الحر» و»القوات اللبنانية» و»الكتائب» كاملة دون تشطيب (يتردد ان هناك حوالي الفي صوت شيعي صبت للائحة الاحزاب)!
واما في بيروت فقد قاطع «حزب الله» بلديا وشارك اختياريا. وهناك من ينتقد على اعتبار أن مقاطعته خدمت بشكل غير مباشر «لائحة البيارتة»، وكان يمكن لمشاركته ان تفيد منافسيها وتذهب اصواته اليهم، وفي مقدمهم «بيروت مدينتي». وهناك من يشكر الحزب على عدم المشاركة لأن هذه المشاركة كان يمكن للبعض ان يستغلها لتشغيل ادوات الاحتقان والنفخ المذهبي، وهناك من كان جاهزا لهذا الامر.
ولكن هناك في المقابل من يؤكد ان للحزب قراءته ورؤيته، ويبرر بأنه لم يرد ان يصغر موقفه الإستراتيجي، وهناك من يدعو الى اخذ العبرة من النتائج معتبراً ان خيار المقاطعة والرهان على المخاتير، فقط، كان خيارا ذكيا جدا، امام فضيحة نسبة الاقتراع وامتناع البيارتة عن الذهاب الى صناديق الاقتراع كتعبير عن حالة الاحباط والمرارة التي يعيشونها.
اما في السياق «الظالم»، فيبدو ان ثقة الحزب بأنه يملك المونة الكاملة على جمهور المقاومة المباشر، وكذلك على جمهور المقاومة من غير الحزبيين، وكذلك ثقته بقدراته وماكينته الانتخابية وبالقيادة الرؤيوية، قاربت حد الغرور. لا سيما لناحية فرض اسماء معينة او لوائح معينة، والشواهد كثيرة في الجنوب حاليا (من بنت جبيل الى الخيام)، وقبل ذلك في البقاع حيث جرى التعبير عن الاعتراض على هذا المنحى في صناديق الاقتراع من قبل الحزبيين وغير الحزبيين.