
منطلقا من مسلّمة جديدة قرر اعتمادها قاعدةً بعد الانتخابات البلدية تقول “لا للتمديد بعد اليوم”، رمى رئيس مجلس النواب نبيه بري أمس في سوق التداول السياسي اقتراحا يمكن اعتباره “مبادرة”، عنوانه باختصار “الانتخابات النيابية أولا”.
الطرح سرعان ما تفاعل داخل الصالونات السياسية، محليا وخارجيا ولو ان ردود الفعل عليه لم تخرج الى العلن بعد. فمصادر دبلوماسية عربية مقيمة في باريس اعتبرته عبر “المركزية” لافتا لناحية مصدره من جهة، وتوقيته من جهة ثانية بعد انطلاق الانتخابات البلدية لكن ايضا بعد الرسالة التي تلقاها رئيس المجلس من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند. واذ اشارت الى ان خطوة بري لا شك انها أعقبت مشاورات مع حلفائه لا سيما في حزب الله”، رأت في المبادرة رسالة من بري الى جميع الاطراف عليهم تلقفها ودرسها بتمعن. في المقابل، رأت مصادر سياسية مسيحية عبر “المركزية” أن الطرح حمّال بذور خطيرة قد تؤدي اذا وَجدت أرضا خصبة لها الى ايصال لبنان الى الفراغ التام. فرئيس المجلس طرح الآتي “التوافق على قانون جديد للانتخاب (واذا تعذر ذلك الابقاء على قانون “الستين”)، ومن ثم اجراء انتخابات نيابية (قد تكون مبكرة) وبعد ذلك، انتخاب رئيس جديد للجمهورية ولو بمن حضر، طالبا تعهدا مسبقا من السياسيين بحضور جلسات الانتخاب وعدم تعطيل النصاب. وهنا بيت القصيد حسب المصادر، فما الذي يضمن وفاء الافرقاء بتعهدهم خصوصا ان التجارب السياسية في هذا المضمار غير مشجعة؟ وماذا لو أصبحنا بعد الانتخابات النيابية بلا حكومة اذ تُعد مُقالة حكما، وبلا رئيس للجمهورية؟ وتتخوف في السياق، من ان يكون الغرض من هذا الطرح الوصول الى الواقع هذا، فنضطر للذهاب نحو مؤتمر تأسيسي تقول المصادر ان “حزب الله” يتحيّن اللحظة تلك لطرحه، فيعيد النظر في تكوين السلطة عموما وفي الصلاحيات المعطاة لرئيس الحكومة خصوصا، لتحسين حصة المكون الشيعي ودوره في الدولة. في المقابل، تسأل المصادر، ما دام رئيس المجلس يطرح اجراء انتخابات رئاسية “بمن حضر”، فلمَ لا يحصل ذلك اليوم؟ وما الهدف من الانتظار الى ما بعد “النيابية”، ولماذا تصبح هذه الفكرة مقبولة من الرئيس بري بعد الانتخابات النيابية ولا يقبلها قبلها؟ وما هو المعيار الدستوري الذي عليه يقيس رئيس المجلس طروحاته السياسية؟
على أي حال، وفي حين تعتبر المصادر ان طرح بري الجديد قد يكون لدغدغة رئيس تكتل “التغيير والاصلاح” النائب العماد ميشال عون، والتأسيس لفتح صفحة بيضاء مع الرجل الذي أعلن مرارا رغبته في أن ينتخب مجلسٌ نيابي جديد الرئيسَ العتيد، تشير الى ان موقف حليف “الوطني الحر” الجديد، أي “القوات اللبنانية” سيكون تحت المجهر، فهل يجاري “التيار” في طرحه؟ وهل يتخلى عن اولوية الانتخابات الرئاسية؟ وبعد، هل يقبل الثنائي المسيحي بانتخابات وفق قانون “الستين” لا سيما في اعقاب اعلان رئيس حزب “القوات” سمير جعجع دفن القانون المذكور؟ واذا كان الجواب ايجابيا، فلماذا تم التمديد لمجلس النواب اذا، علما ان عذر “الوضع الامني المتوتر” استخدم فقط كستار لاخفاء السبب الفعلي للتمديد والمتمثل في عدم رغبة جهات سياسية محددة ومنها “التيار الوطني” في خوض الانتخابات على اساس “الستين”؟
وفي انتظار تبلور الصورة على الضفة المسيحية، تتابع المصادر: الرئيس بري قد يكون بمبادرته، مرّر كرة ذهبية للحزب “التقدمي الاشتراكي” ولـ”تيار المستقبل” اللذين لا يعارضان ضمنا قانون الستين، الا انها تستبعد أن يتخلى الاخير عن أولوية الانتخابات الرئاسية وان يخوض مغامرة غير محسومة النتائج قد تفضي في نهاية المطاف الى فراغ كامل على صعيد السلطة وبالتالي الى مؤتمر تأسيسي.