ظلت ثورة الخميني في إيران تقود حرًبا ضاريًة ضد الدول العربية، مرت بفترات صعود وهبوط، وتمت مواجهتها في أكثر من فترٍة، وبقيت العلاقات تتنقل من تصعيد إلى تهدئٍة أو العكس. تضخمت أحلام الملالي الثائرين، فجّرب الخميني الحرب العسكرية مع العراق المدعوم من دول الخليج وغالب الدول العربية، فخسر وتجرع السم، بحسب تعبيره، عند توقف الحرب، وجّرب خامنئي بناء الميليشيات ودعم الجماعات الراديكالية والإرهابية سنًة وشيعًة، وها هو يخسر من جديد.
عاٌم مضى على إعلان المملكة العربية السعودية عن «عاصفة الحزم» والحرب السياسية والعسكرية ضد رأس أفعى المشروع الإيراني في اليمن، ميليشيات الحوثي وأتباع المخلوع صالح، وذلك بقيادة تحالٍف عربي وتحت قراٍر من مجلس الأمن، وتم دحر المشروع الإيراني الطموح في اليمن، وكأٍخ منقٍذ لا كغاٍز غاشٍم، ها هي السعودية تفاوض على حٍل سياسي في اليمن يضمن لها الاستقرار والأمن ويسعى لدعم مستقبٍل أفضل لشعبها ولدولتها.
وللمقارنة بين سياسة الأخ المنقذ والغازي الغاشم يمكن النظر لما صنعته إيران في الدول العربية التي تدخلت فيها، لقد حّولت العراق لمسرٍح كبيٍر للقتل والطائفية والعنف، ورعت كل جماعات الإرهاب فيه، واعتقلت قراره السياسي واستتبعت كثيًرا من نخبه الدينية الشيعية التي تحول قادتها إلى سياسيين يأتمرون بأمر المرشد الأعلى ويخدمون بلًدا يعادي وطنهم العراق وينشر الفوضى والإرهاب فيه.
يمكن للجميع أن يستشعر الضجيج الوطني العراقي من كل أطياف الشعب هناك من جور إيران ونشرها للاضطرابات والتخريب، وأصبحت جماهير المكون الشيعي العراقي تهتف في شوارع بغداد «بّرا بّرا يا إيران» وتعبر شتى مكونات الشعب العراقي برغبٍة كاملٍة في وقوف السعودية ودول الخليج والدول العربية مع العراق، ليتجاوز النفق المظلم الذي أدخلته فيه إيران.
والسعودية كصديق منقذ هي التي قّدمت ولم تزل تقّدم شتى أنواع الدعم للشعب السوري المنكوب، تجمع معارضته وتدعمه إقليمًيا ودولًيا، وترعى مصالحه، وتسعى لأن يبني الشعب السوري مستقبله ومستقبل دولته بعيًدا عن نظاٍم مجرٍم يقتل شعبه بشتى أنواع الأسلحة ويستقدم القتلة من كل مكاٍن ليشاركوه في القتل.
وإيران كغاٍز غاشٍم تنشر شتى أنواع الميليشيات لقتل الشعب السوري، ميليشيات شيعية من أفغانستان وغيرها، وميليشيات شيعية لبنانية متمثلة في حزب الله اللبناني، وتدعم تنظيمات الإرهاب السنية كتنظيم داعش الذي يشاركها في قتل الشعب السوري، وهي لم تكتف بذلك، بل بعد هزائمها المتكررة أصبحت ترسل قياداتها العسكرية الرسمية وشبه الرسمية إلى هناك وترسل مجموعاٍت من حرسها الثوري لتقتل الشعب السوري.
وعوًدا على اليمن، فالصديق السعودي المنقذ عندما قرر مواجهة إيران بـ«عاصفة الحزم»، أطلق معها «إعادة الأمل» لرعاية الشعب اليمني المغلوب على أمره، ولمساعدته لاستعادة دولته واستقراره واستقلاله، ولكن إيران لم تصدر لليمن شيًئا سوى الآيديولوجيا الثورية العمياء والسلاح الطائفي، وغايتها أن تسيطر على اليمن وتحتله بشكل مباشٍر أو غير مباشر، وشتان بين المقصدين والغايتين.
لطالما تبجح قادة ملالي إيران وحرسها الثوري بأنهم أعادوا بناء إمبراطورية فارس، وأنهم يحتلون أربع عواصم عربيٍة، وتشدقوا بامتلاكهم لجيوٍش داخل الدول العربية من ميليشيات وجماعاٍت إرهابيٍة وجواسيس، وأنهم يعملون في آسيا وأفريقيا وكل العالم لنشر التشيع بنسخة الإسلام السياسي والثوري التي تتبناها إيران الخميني وخامنئي.
وها هي إيران يتم طردها من أفريقيا بلًدا بلًدا، وتحاصر أنشطتها، وتطرد بعثاتها، ويلاحق عناصرها، وتعبر كثير من الدول الأفريقية عن رفضها لتدخلات إيران ورفضها لسياساتها الإرهابية، والأمر ذاته يحصل في دول جنوب شرق آسيا، وتتذمر بعض دول آسيا الوسطى من أنشطة إيران المعادية.
لقد فضحت السعودية ودول الخليج والدول العربية مشاريع إيران، وفضحت آيديولوجيتها الإرهابية، وسقطت كل سياساتها الطائفية الفاقعة، وتم إثبات رعايتها للإرهاب والإرهابيين، وقد نشطت حركة الجنائز في طهران وبيروت، وقامت سوق الموتى الذين يساقون إلى الموت زرافاٍت ووحداًنا في سبيل وهٍم سيطر على عمائم لا هم لها إلا نشر الفتن والخراب والفوضى.
جنرالات الحرس الثوري صاروا يتساقطون على أرض سوريا، وقادة حزب الله يصرعون تباًعا هناك، فبعد ابن عماد مغنية وسمير القنطار، ها هو الحزب يشيع الإرهابي مصطفى بدر الدين الذي قتل في سوريا. هلاك هذا الإرهابي مثله مثل هلاك أسامة بن لادن أو الزرقاوي أو غيرهما من القتلة الإرهابيين، وهذا الإرهابي له تاريٌخ أسوٌد في استهداف البلدان العربية بعملياته وخططه الشريرة، فهو خطط لاغتيال أمير الكويت في الثمانينات، وخطط لتفجيراٍت في السعودية في التسعينات، وشارك في تأسيس حزب الله في العراق، وربما كانت له أدواٌر غير معلنٍة في دوٍل أخرى.
لم يتضح بعد من قام بقتل هذا الإرهابي، ولم يعلن حزبه بعد عن نتائج التحقيق الذي يقول إنه سيجريه، ومن المرجح أنه سيلقي بالتهمة على إسرائيل، وإسرائيل بالنسبة للحزب هي الشماعة التي يعلق عليها كل هزائمه وخسائره، ويعلن أنه سينتقم منها شر انتقاٍم، حتى صار الحزب أضحوكًة في هزائمه كما هو إرهابي مجرٌم في عملياته.
نظام الأسد وحبل مشنقة المحكمة الدولية لاغتيال رفيق الحريري يلتف حول عنقه، لم يترك أي متهٍم بالمشاركة في العملية إلا قام بتصفيته، منهم رموز في النظام نفسه، كغازي كنعان ورستم غزالة، واتجهت إليه أصابع الاتهام عند اغتيال قائد حزب الله عماد مغنية في دمشق، فهل لهذا النظام دور في قتل مصطفى بدر الدين؟
ستتضح ملابسات الحدث أكثر في الفترة المقبلة، ولكن نظام الأسد لم يعد يخشى كثيًرا مسألة المحكمة الدولية، فهو قام بجرائم حرٍب ضد شعبه قتل فيها وجرح وشّرد الملايين، وتعود على كسر الخطوط الحمراء لأميركا والغرب، وحظي بدعم روسيا، وهو يعلم جيًدا أن العالم بحاجٍة لبناء توازناٍت دوليٍة جديدٍة يمكن من خلالها محاسبته.
على الرغم من تناقض إيران في لهاثها خلف رضا أميركا والدول الغربية، فإن فرحتها بعناق ما كانت تسميه «الشيطان الأكبر» لم تكتمل بالاتفاق النووي مع الغرب، والبنوك الغربية الكبرى ترفض التعامل مع دولٍة ترعى الإرهاب ومستقبلها مجهول، إن على مستوى القيادة أو مراكز القوى أو متانة الاقتصاد.
أخيًرا، قطعت السعودية العلاقة مع إيران وحاصرتها عربًيا وإسلامًيا وإقليمًيا، وما محاولتها أخيرا لتسييس الحج إلا إصراٌر على السياسة البائسة.