#adsense

متخطياً الدين والعقيدة: التعاون التكتيكي المتأرجح بين إيران والقاعدة – 1 –

حجم الخط

نشر معهد الشرق الأوسط للبحوث والدراسات الإستراتيجية دراسة عن علاقة إيران بتنظيم “القاعدة”، سننشرها في جزئين.

الجزء الأول:

وسط الصراع السني- الشيعي المحتدم في منطقة الشرق الأوسط والذي تشارك فيه إيران والقاعدة على حد سواء، تبدو العلاقة الممكنة بين هذين الكيانين علاقة معقدة تماماً  نظراً للمذهب الإسلامي المختلف الذي ينتمي إليه كل طرف، والعداء الظاهر بين الجانبين، مع ذلك، يبدو أن بينهما قواسم مشتركة أكثر مما يعتقد معظم الناس، وقد تم توثيق تعاونهما في تقارير عدة لأجهزة الأمن والاستخبارات. يندرج هذا التعاون في التفكير العملي الذي تنتهجه السياسة الإيرانية تجاه الجماعات المسلحة بغض النظر عن الخلافات الموجودة، كما رأينا في تقديمها الدعم إلى الجماعات المعارضة لنظام صدام في العراق، ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وحماس وغيرها.

أحداث تاريخية وكتابات وتحقيقات أثبتت وجود مثل هذه العلاقة، فضلاً عن تحاليل تبين فوائد كل طرف من الاستمرار بهذه العلاقة المحفوفة بالمخاطر.

استناداً إلى “تقرير لجنة 11 أيلول” الذي نُشر في العام 2004، عملت إيران مع القاعدة منذ التسعينات عندما كان قادة القاعدة لا يزالون في السودان، حيث تم التوصل إلى اتفاق غير رسمي بشأن التعاون، لم يتخطَ حدود التدريب وانتقال آمن عبر إيران، لشن هجمات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. رتبت هذه الصفقة “الجبهة الإسلامية الوطنية في السودان” – التي أرادت توحيد الجهود السنية والشيعية ضد العدو المشترك، الولايات المتحدة –  من خلال سلسلة من الاجتماعات بين قادة القاعدة ومسؤول ديني إيراني بين عامي 1992 و 1996. بعد وقت قصير، تلقت عناصر القاعدة تدريبات على المتفجرات في إيران، ثم أُلحقت بمجموعة أخرى في العام 1993 دربها “حزب الله”  على المتفجرات، والاستخبارات والأمن في وادي البقاع في لبنان. هذا ما تؤكده كتابات سيف العدل، أحد كبار قادة تنظيم “القاعدة” المتهم بتورطه بالتفجيرين الذين استهدفا السفارة الأميركية في تنزانيا وكينيا في العام 1998، كما ذكرت الصحف يومها أن السفيرين والدبلوماسيين الإيرانيين غادروا نيروبي ودار السلام قبل أسبوعين من وقوع التفجيرين. تكرر المشهد نفسه قبل تفجير مقر “الرابطة الأرجنتينية الإسرائيلية المشتركة” في بوينس آيرس في العام 1994. حتى وإن لم يكن لدى إيران دوراً مباشراً في التخطيط للتفجيرات وتنفيذها، فهي لعبت دوراً في تصاعد هذه الهجمات سواء عن طريق التدريب أو توفير ممر آمن.

بعد حرب الولايات المتحدة على أفغانستان التي تلت هجمات 9 ايلول، هربت شخصيات بارزة من القاعدة إلى إيران بمساعدة “فيلق القدس” الإيراني، وبحلول العام 2002، تمكنت من إنشاء مجلس إدارة كلفه بن لادن توفير الدعم الاستراتيجي للقيادة في باكستان. كما أدى وجود قادة كبار من القاعدة مثل سعد بن لادن، وسيف العدل، وياسين السوري في إيران إلى جدال حاد بين كبار المسؤولين في طهران إذ كان البعض يخشى أن تستخدم الولايات المتحدة هذا الوجود ذريعة لتبرير شن هجوم على إيران. طلبت  الولايات المتحدة من إيران طرد عناصر “القاعدة” إلى بلادهم، لكن إيران رفضت، وبدلاً من ذلك، تولت وزارة الاستخبارات مراقبة العلاقات مع المجموعة واحتجزت معظم أفرادها مع بعض المسجونين في ظروف قاسية بينما وضعت آخرين تحت الإقامة الجبرية غير الرسمية حيث كانت تتمكن من الاستمرار بالتواصل، وجمع الأموال، والسفر بحرية نسبياً.

بقي هؤلاء القادة في إيران تسع سنوات في وضع غير واضح المعالم، فهم لم يكونوا سجناء دائمين، وفي نفس الوقت لا يُسمح لهم بمغادرة البلاد. أُعطيت تفسيرات مختلفة فيما يتعلق بنوايا الإيرانيين تجاههم. من ناحية، كان يمكن استخدامهم كورقة مساومة لمبادلتهم مع جماعات مناهضة للنظام مثل قادة “مجاهدي خلق” الذين أسروا خلال الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، وظهر هذا خلال المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مبادلة المئات من أعضاء “مجاهدي خلق” مع عدد قليل من عناصر “القاعدة” المسجونين في إيران، ما شكل حافزاً إضافياً لإيران لإيواء عناصر “القاعدة” على أمل مبادلتهم في وقت لاحق. من ناحية أخرى، كانت إيران تفكر في استخدامهم كرهائن لمنع تنظيم القاعدة من شن هجمات ضدها.

دفع هذا النموذج الفضفاض للإقامة الجبرية قيادة الولايات المتحدة إلى اتهام إيران بغض النظر عن دعم عناصر من التنظيم لشن هجمات ضد العراق والمملكة العربية السعودية. وفي ما يُعتبر أيضاً إشارة إلى انخراط إيران في هذه الهجمات، أعلن مسؤول أميركي في بغداد في العام 2007 أن “فيلق القدس” التابع للـ”الحرس الثوري الإيراني” كان يبني علاقات وثيقة مع تنظيم “القاعدة” في العراق من أجل تكثيف الحملة العسكرية والإعلامية ضد قوات الولايات المتحدة، خاصة قبيل صدور تقرير قائد القوات المتعددة الجنسيات في العراق الجنرال ديفيد بيتراوس لتسليمها قريبا إلى “الكونغرس الأميركي”.

هذه الزيادة في التعاون لم تكن دوماً متجلية للعنان نظراً لتجنب إيران سابقاً التعاون مع مسلحي القاعدة والميليشيات السنية، ولكنها بدلت في تكتيكها بعد أن لمست فرصة سانحة لتشويه سمعة الولايات المتحدة التي تأثرت بـ”صحوة الأنبار” ولتفرض انسحابها من العراق.

تشير الوثائق، والنشرات الصحفية، والتقارير التي أعدتها “وزارة الدفاع الأمركية” إلى أن إيران تنسق نوعاً من التواصل بين الميليشيات السنية والشيعة في العراق من حيث توفير التدريب، والأسلحة، والتمويل، وحتى ولو كان مستوى الدعم الذي تقدمه للميليشيات الشيعية يفوق الدعم الذي تتلقاه الميليشيات السنية بأضعاف.

كان الإفراج عن بعض القادة “المسجونين” غامضاً مع الإشارة إلى صفقة تبادل معينة جرت بين “القاعدة” وإيران شملت جاسوساً إيرانياً مقابل بعض “النشطاء”، في حين أشار آخرون إلى أن هذه الصفقة قد تكون خطوة تكتيكية قامت بها إيران لزيادة الضغط على الولايات المتحدة بعد أن تدهورت العلاقات بين البلدين بسبب البرنامج النووي في العام 2010. وأتى هذا الإفراج في وقت حاسم لينعش القاعدة بعد وفاة بن لادن واستنزاف العناصر البشرية عبر الضربات التي شنتها الطائرات بدون طيار، ما أدى إلى عودة سريعة للعناصر الذين أفرج عنهم إلى صفوف التنظيم. ويشير هذا إلى أن السياسة الإيرانية المتعلقة بتسهيل أو شد الخناق على عمليات القاعدة تختلف باختلاف مصالحها، وتُستخدم لتمرير رسائل إلى الجهات الدولية الفاعلة الأخرى.

تتعاظم أهمية وجود بعض شخصيات القاعدة في إيران بالأمان الذي يوفره لهم، إذ أنه يقيهم من ضربات الطائرات الأمريكية بدون طيار التي تضغط بشكل مكثف على عناصر التنظيم، وتمنعه من توظيفهم في بلدان أخرى مثل العراق واليمن، وباكستان، وأفغانستان، وشمال إفريقيا. فبسبب عجز طائرات الولايات المتحدة بدون طيار على العمل في المجال الجوي الإيراني، أصبحت إيران ثكنة آمنة نسبياً للمنظمة على مدى العقد الماضي.

أظهرت الوثائق التي تمت استعادتها بعد الغارة على مجمع أبوت آباد وجهاً آخر من أوجه التعاون بين “القاعدة” وإيران وهو مواقع معسكرات التدريب في أفغانستان قرب الحدود الإيرانية حيث يستطيع المجندون الجدد الذين يسافرون عبر إيران الوصول بسهولة إلى هذه المخيمات، إضافة إلى ذلك، اعتبرت المناطق الأفغانية المتاخمة لإيران قاعدة بديلة لقادة تنظيم القاعدة الذين كانوا مستهدفين فعلاً من قبل الولايات المتحدة قبل الغزو. وتضيف كتابات سيف العدل أن إيران كانت ممراً هاماً إلى أفغانستان نظراً الى صعوبة الوصول إليها عن طريق باكستان بعد الحملة التي شنتها السلطات الباكستانية، وإلى بلدان جهادية أخرى مثل العراق.

انتقل التعاون بين إيران والقاعدة إلى مجموعات أخرى تدعمها إيران مثل طحزب الله”، حيث عقدت لقاءات بين عماد مغنية وبن لادن لمناقشة بعض التكتيكات العسكرية. وكان بن لادن مُعجباُ بمغنية، العقل المدبر للشاحنة المفخخة التي استهدفت ثكنات “قوات مشاة البحرية الأميركية” في بيروت في العام 1983. إضافة إلى ذلك، يُعتقد أن ثلاثة من الخاطفين الذين نفذوا تفجيرات 9 أيلول سافروا من المملكة العربية السعودية إلى بيروت ثم ساعدهم معاون مسؤول كبير في “حزب الله” على الفرار إلى إيران وأفغانستان. كما يؤكد أيضاً عنصران من تنظيم القاعدة (خالد الشيخ محمد ورمزي بن الشيبة)، المشاركان في التخطيط لهجمات 9 أيلول، إلى أن عشرة عناصر من الخاطفين مروا عبر إيران، حيث لم يتم ختم جوازات سفرهم، ومنها إلى أفغانستان بين تشرين الأول 2000 وشباط 2001. مع ذلك، لم يتم العثور على أدلة تربط إيران أو “حزب الله” بالهجمات، وكان العنصران قد نفيا بشدة أية علاقة بحزب الله أيضاً. لذا، كما العلاقة بين إيران والقاعدة هي تكتيكية وضيقة، فهي تنطبق أيضاً على وكلاء إيران حيث تنحصر العلاقة بتقديم المساعدة دون أن تصل إلى درجة المشاركة في التآمر.

حدث سيناريو مماثل لنقل هذا التعاون إلى الزرقاوي، مؤسس تنظيم القاعدة في العراق، حيث هرب مع مقاتليه من جند الشام إلى إيران بعد الحرب الأميركية على أفغانستان. أمضى الزرقاوي ومجموعته 14 شهراً في موقع يربط إيران بكردستان العراق. خلال هذا الوقت، سافر الزرقاوي إلى سوريا ولبنان والعراق لتوسيع شبكاته، وتجنيد المقاتلين وإقامة معسكرات التدريب. وعلى رغم كرهه العلني والواضح للـمسلمين الشيعة، أصبح مرتبطاً بإيران التي دعمته، تكتيكياً ولكن ليس استراتيجياً. فغضت النظر عن أنشطته، ووفرت له الأسلحة والمعدات، والألبسة العسكرية خلال تلك الفترة. كان هذا جزءاً من سياسة إيران لإخراج الولايات المتحدة من العراق وفي اعتقادها أنه بعد أن يتم ذلك، يمكنها أن تهزم الزرقاوي وجماعته بسهولة وتسيطر على العراق.

ثبت تورط إيران أيضاً في تفجير أبراج مدينة “الخبر” في المملكة العربية السعودية في العام  1996. فالمشتبه به الرئيسي، أحمد بن المغسل، وهو شيعي سعودي، فر إلى إيران بعد الهجوم، وبقي مختفياً عن الأنظار حتى آب 2015 عندما سافر إلى بيروت واعتقلته السلطات اللبنانية لدى وصوله وسلمته إلى المملكة العربية السعودية.

طرحت مسألة توقيفه في منطقة خاضعة لنفوذ “حزب الله” الكثير من الأسئلة بشأن ما إذا كانت إيران قد تخلت عنه في إطار محاولتها لتحسين صورتها في أعقاب الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة. فتورط “القاعدة” لم يتم تأكيده بوضوح على الرغم من أن بن لادن ذكر في مقابلة في العام 1996 أن قادة القاعدة يعتقدون أن تفجيرات الرياض والخبر هي إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة لتجنب معركة مع الأمة الإسلامية. إضافة إلى ذلك، ذكر وزير الدفاع الأميركي السابق وليام بيري في العام 2007 عن اعتقاده بأن تنظيم “القاعدة” كان وراء تفجير الخبر وليس إيران، إلا أنه لم تتوفر أدلة كافية على مشاركته المباشرة في الهجوم، كذلك التعاون بين “القاعدة” وإيران في التخطيط والتنفيذ.

المصدر:
meirss.org

خبر عاجل