سجون وساحات ــ المحامي رولان طوق: كان الاتكال علينا نحنا الناس العاديين

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1472

يقرأ في دفاتر ذاك الزمن وقد دوّن فيها تواريخ محطات كانت مفصلية في حياته، ومصيرية في تاريخ “القوات اللبنانية” وقائدها المعتقل السياسي إبن بلدته بشري. المحامي رولان طوق تطوع للدفاع عن الدكتور سمير جعجع لأنه آمن بالقضية وأبطالها، فلكل زمن سلاحه وعسكره، وهو في زمن الحرب القضائية والسياسية اختار أن يناضل ويقاتل في الصفوف الأمامية ولو كان بعد متدرجاً. الأستاذ الذي لم يتغيب عن أي جلسة من جلسات محاكمة الحكيم ورفاقه، فتح الملفات وبدأ يتذكر.

دخل العمل “القواتي” الفعلي من خلال النشاط الجامعي عام 1989-1990 عندما بدأت المرحلة الفاصلة بين انتقال “القوات اللبنانية” من الدور العسكري الى العمل الحزبي والسياسي. انتسب الى معهد الإعداد الفكري وكانت الصورة واضحة أمامه. يقول: “إن خصوم سمير جعجع اذا ما استلحقوا حالن راحت علين لأن صعود سمير جعجع كان كالعاصفة، يحيط به أناس تجذروا بقضية لها شهداؤها وتاريخها وقادر على اكتساح الساحة المسيحية انتخابياً من البلديات الى الانتخابات النيابية. ومعه طاقات من الشباب والقدرات الفكرية والاقتصادية والعلمية… كنت شايف التشنّج بالبلد وإنو ما رح يقدروا اللي ماسكين البلد يطوعوه ليلتحق بالتوجه السوري، كنت شايف انو في عاصفة جايي بس ما عرفنا شو السيناريو. كل التوقيفات والمداهمات منها مداهمة “بيت قنوبين” ومعاملة الطلاب بعنف ومن بعدها توقيف الحكيم واعتقاله، كلها لم تزعزع إيماني بأن الشرّ لا يمكن ان ينتصر على الخير وبأننا نمر بنفق مظلم ولا بد من صباح” يومها قصدنا غبطة البطريرك صفير لنشتكي فقال لنا “بعدن كذابين متل عادتهن؟ بيقولوا شي وبيعملوا شي تاني”! قاصداً المراجع الأمنية والسياسية التي تواصل معها للحؤول دون تلك الممارسات الأمنية والإرهابية ضدنا”.

المحامي المتدرّج يومها بدأ حياته المهنية بالدفاع في قضية العصر، قضية اعتقال الدكتور جعجع ورفاقه في تهمة تفجير سيدة النجاة، وكان له حظوة زيارة الحكيم في وزارة الدفاع 4 مرات. يروي طوق عن الزيارة الأولى “لا أنسى المرة الأولى التي زرته فيها مع المحامين كان نحيلا جداً سألته عن صحته قلي “منيح كتير منيح” قلت له صمودك هون عم يخلي صمود اللي برا كتير كبير” قال لي: “لا لا يا رولان ما تغلط صمود اللي برا هو اللي مخليني أصمد لهلأ بهالطريقة”.

عندما إتضحت الصورة أن المحاكمات ستكون سياسية، يقول طوق “رسخت لدينا قناعة بأننا في حاجة الى تكوين جهاز من المحامين قسم يتولى مهمة اعداد الملفات والاستجوابات والمرافعات والقسم الآخر وهو الأكبر كان يفترض أن يكون حاضراً للجلسات والمؤتمرات كي نؤكد أن الحكيم ليس متروكاً، وكان لهذا الجسم من المحامين دور مهم أيضاً فالفرق كبير بين أن يدافع 5 محامين او 200 محام. في الاجتماع الاول في 26 أيار 1994 في نقابة المحامين كنا نحو 100 محام مع الأستاذ أسعد أبي رعد وكان التحضير لاختيار الوكلاء عن الحكيم. بدأت جلسات المحاكمة في 19 تشرين الثاني 1994 يومها تجمعنا نحو 120 محام في مكتب النقيب عصام كرم وتوجهنا بروبات المحاماة الى بوابة العدلية الأساسية في موكب مهيب وصامت لا تسمع الا أصوات خطواتنا على الأرض والناس حولنا مدهوشة. دخلنا والعسكر ما تعود بعد على ظاهرة الاعداد الهائلة اللي جايي تحضر الجلسة من محامين وناس أخدوا أذونات ليحضروا الجلسة. قبل يومين من الجلسة كان الأستاذ أبي رعد بوكالته عن الحكيم عملي وكالة متل كتار غيري من المحامين اللي تطوعوا للدفاع عن الحكيم أو بالأحرى عن القضية. ببداية الجلسة بالطبع قال القاضي: “حضر المتهم فلان وحضر عنه موكله..” وكان لازم كل واحد من المحامين الموكلين عن الحكيم يقرّب يرفع إيدوا ويقول اسمو، كنا جمهور كبير بالقاعة والمحامين الواقفين أكتر من القاعدين، قرّبت أنا وقلت إسمي وأنا وراجع طلعت عيني بعين الحكيم وحسيت إنو كل الكلام نقال والعيون حكيو. قد ما بدك فيك تقري بهيدي النظرة متل نحنا وياك منكمل بعضنا بالصمود. أول ما فات الحكيم بلش الزقيف بالقاعة ولما سألوا: “إنت منين؟” رد عليه: “من بشري” ولعت وقال الرئيس فيليب خيرالله: “شو عاملين مهرجان زقيف وفي ناس تحت التراب”؟ فكرت للحظة إنو هالقاضي هامتو العدالة بس طلع إنو ما في عدالة ولا من يحزنون، وبرأيي كان مضغوط عليهم بشكل كتير واضح.

حضرت كل جلسات المحاكمات من دون استثناء وكانت كل يوم جمعة وسبت، وكنا نتلمّس حجم العدائية ضدنا. بالمقابل كانا نحنا كمحامين مستشرسين كمان ومعنا جهابزة في القانون متل النقيب عصام كرم والدكتور إدمون نعيم والأستاذ موسى برنس. وكان واضحاً كم كان ضعيفاً الإدعاء الشخصي ومأجوراً وأن لا مكان للقانون في إدعائهم بل للحقد. برأيي كان يجب أن يحاكم هؤلاء لأنهم كانوا شركاء في المهزلة ويكملون صورة المحاكمة السياسية ولم يؤثروا حتى في سير المحاكمة لأن القضايا كلها كانت مركبة والمحكمة ايضاً، كان المهم أن يظهر أن بالشكل هناك محامي إدعاء وتقصّدوا أن يكونوا مسيحيين ضد سمير جعجع.

أذكر أن بين محامي الدفاع كان هناك محام فرنسي وآخر إنكليزي، قدم الفرنسي مطالعته واستمع إليه القضاة وعندما جاء دور الإنكليزي لا أذكر ما إذا كانوا طلبوا منه الاختصار أو لم يسمحوا له بالكلام، فوقف النقيب كرم أمام القاضي وقال: “أستغرب أن تقبل محكمتكم لغة مونتيسكيو ولا تقبل لغة توماس مور”! كانت المحكمة ترد كل طلبات الدفاع بشكل فاضح وكان معروفا اتجاه المحاكمة.

حتى أيام مقاطعة محامي الدفاع للجلسات وكانت في قضية الزايك احتجاجاً على عدم قانونية المحاكمات وأبرزها عدم شرعية سجن وزارة الدفاع، عينت المحكمة 3 محامين للدفاع عن الدكتور جعجع رغماً عنه. بعد إعلان رفضه دفاعهم عنه انسحب إثنان وبقي الثالث محمود مخيّش الذي أصر على الاستمرار. فور بدء الجلسة رفض الحكيم أن يتوكل عنه وتوجه الى القاضي قائلاً: “حضرة الرئيس ما يدلي به الأستاذ محمود يصبّ ضد مصلحتنا تماماً”، فقال مخيّش: “أحرجنا فأخرجنا” فصارت المقاطعة كاملة.

ولا أنسى المتهم جريس الخوري عندما وقف أمام القاضي وأخبره أنه يتعرض للضغط ووصف له اساليب الضرب والتعذيب التي تمارس بحقه، فسأله القاضي خيرلله: “وهلأ بعدن عم يضغطوا عليك”؟ فأجاب الخوري: “مبارح طلع لعندي المدعي العام منيف عويدات على وزارة الدفاع بدو يطبقني بموضوع…” وأشار اليه بالأصبع، كان جريئاً جداً مع أنه كان بين أيدي الجلادين وفور غيابه عن عين القاضي يمكن لهم أن ينهالوا عليه بالضرب.

كل الإفادات التي أخذت تحت التعذيب والارهاب هي باطلة وهذا معترف به في القوانين الدولية لذا قال الرئيس خيرلله: “صدر القرار الاتهامي وغطى كل ما سبقه” كلمة “غطى” اي غطى كل العيوب السابقة بمجرد إحالة الملف الى المجلس العدلي.

أنا كنت ممن يتولون مهمة تأمين الأذونات لحضور جلسات المحاكمات فكنت أتقدم الى قلم المجلس العدلي في العدلية بنحو 1500 طلب ولا نحظى إلا بموافقة عدد محدّد وصغير وبشكل عشوائي. وكانوا ينظرون الينا نظرة حقد وكره غريبة، كل طرق الاذلال مورست علينا بقصد إفهامنا ان لا ضرورة ان نأتي وأن نسأل عن الدكتور جعجع الذي اعتبروا أنهم عندما اعتقلوه انتهت القصة ومن غير المقبول ان يدافع عنه احد ويواظب على تقديم الطلبات لمناصريه وحشد المحامين لدعمه.

إتخذ قرار القضاء على ظاهرة الدكتور سمير جعجع الممانعة للخضوع للسوري سياسياً، ألم تخافوا من خطر إغتياله في ما لو زادت الضغوط من قبلكم؟ سؤال يجد جواباً سريعاً لدى طوق يقول: “قرار تصفية الحكيم لم يكن ليمرّ بسهولة، في بشري بالتأكيد، لكن الطاغية كان يدرك أن “القوات” في كل لبنان “مش هينين”، والا لكانوا إغتالوه في سيناريو “مبكل” بالطريق من وزارة الدفاع الى العدلية مثلاً او من غدراس الى الوزارة…

رأيته الاربعاء في غدراس قبل الخميس يوم الاعتقال، كان التعب ظاهراً على وجهه. ليلة الاعتقال وصوب الثانية بعد منتصف الليل وصل الى بيتي في طبرجا الخوري جوزف الزين طوق ومعوض ابن المختار منصور معوض طوق بيخبرونا “أخدو الحكيم. ما خلونا نوصال لفوق والشاحنات نازلة محملة الشباب. ما شفنا الحكيم”. الجمعة كانت الناس بعدا عم تستوعب القصة نحنا طلعنا بعد الضهر على بكركي، تجمعنا وطلبنا بدنا نشوف البطرك، دخلنا البوابة الرئيسية وقبل الباحة الداخلية هناك مكتب للاستعلامات كان فارغاً وفيه تلفون، فرحت أتصل منه بكل الرفاق أدعوهم لموافاتنا في بكركي. يومها ما كان في حدا بقا تينسق ويدير كل واحد منا كان عم يطلع بمبادرات شخصية.  مع توافد الناس لاحظ افراد القوى الأمنية التي تحرس الصرح تزايد الناس فاقفلوا البوابة الحديدية الرئيسية وصرنا نحن في الداخل، فقررنا أن نبقى في بكركي وننام فوق، كنا من جميع الأعمار مع نساء وأطفال ناموا في صالون الصرح الصغير والشباب تقسموا على السيارات وانا منهم نمت في سيارتي. يومها لم نلتق البطريرك بل الأب ميشال عويط. في اليوم التالي أي السبت وجدنا أننا محاصرين في الصرح عددنا قليل والبطريرك لم يستقبلنا وبقينا بلا أكل. بالتأكيد قالوا له أننا مجموعة مشاغبين وخارجين على القانون. القوى الأمنية تركتنا فوق لأن لا حول لنا. وشو ممكن نعمل؟ فكرنا لحظتذاك أن الخروج أفضل للتواصل مع المتجمهرين أمام البوابة الكبرى. وفي الخارج قررنا أن ننظّم أمورنا أكثر فطلبنا من الكل العودة كثراً في الغد للقاء الكبير، أي يوم الأحد بعد القداس.

في اليوم التالي كانت الجموع كبيرة، حاولنا الدخول للقاء البطريرك لكنهم لم يسمحوا لنا، كان الرفيق بول عنداري قد سبقنا ودخل، وراح يفاوض القوى الأمنية للسماح لنا بالدخول. عند ضغط الناس على البوابة لمحاولة فتحها، فتح الجيش النار علينا، وقف بول على جيب الجيش وقال سنقسم بعضنا مجموعات لنرى البطريرك. كان شعورنا في تلك اللحظة أن “الاتكال علينا نحن الناس العاديين، ومن الواضح أن الكنيسة عموماً لم تكن معنا.

مع ذلك وبعد ذاك اليوم لم يتوقف تواصلنا مع البطريرك والكنيسة وتأكدنا أن غبطته كان حجر أساس لخروج الدكتور جعجع و”القوات اللبنانية” من المعتقل”.

لدى زيارة البابا مار يوحنا بولس الثاني الى لبنان رافقه رولان مع مجموعة كبيرة من شباب بشري و”القوات اللبنانية” على مدى يومين ولم يتركوا لحظة سانحة إلا ورفعوا صوراً للدكتور جعجع ويافطات تطالب بتحقيق العدالة ووقف المحاكمات السياسية وإطلاق سراحه. يتذكر رولان “في قداس البازيليك الكبير كنا مخبايين صور الحكيم تحت تيابنا ولما فتنا بنص القداس رفعنا الصور واستغلينا متل العادة كل فرصة للتذكير بقضيتنا. نقطة ورا نقطة كنا نحاول تعبئة ذاك البئر. في كتير ممكن يسألوا: “طيب إنت برفعتك صورة الحكيم بالبازيليك شو حققت”؟ أنا بقول إنو عملت كتير أكيد، بيكفي إنو يمكن اللي قاعد حدي بالكنيسة يمكن كان نسي إنو في سمير جعجع وكتار متلو نسيوا!”.

“في 16 تشرين الثاني 1994 اي قبل 3 أيام من بداية المحاكمات كان الاجتماع الأول للمحامين في بيت الحكيم في يسوع الملك وكانت المرة الأولى التي ألتقي فيها السيدة ستريدا سمير جعجع. كان عددنا كبيراً وكان الاجتماع تحضيرياً ليوم التظاهرة الكبيرة الى قصر العدل قبل الجلسة الأولى”.

لا تنتهي التواريخ التي دوّنها المحامي رولان طوق لتأريخ تلك التجربة العمر التي عاشها بحلوها ومرّها مع جهاز المحامين في “القوات” من جهة، وأبناء بشري من جهة ثانية، وبعد كل تاريخ وحدث كان يعيد: “ولا مرة الا ما كنت أكيد أنو هالغيمة السودا رح تختفي ويطلع الضو وصبح جديد”. وهكذا كان!

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل