الجمهوريّة بين الشرق والغرب

إنّ الحركة المكّوكيّة التي يقوم بها سيّد بكركي اليوم البطريرك الكاردينال بشارة الرّاعي، فضلاً عن لقائه الرّئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في بيروت هذا فضلاً عمّا تردّد عن لقاء جمعه والسيّد حسن نصرالله لها أبعادها ودلالاتها وارتداداتها على الملف الرّئاسي اللبناني؛ كما ولا بدّ من الإشارة إلى حسن سير عمليّة الإنتخابات البلديّة والإختياريّة حتى الدّورتين الماضيتين، كذلك الإنتخابات النيابيّة الفرعيّة التي ستحصل في جزين، كلّ هذه مؤشّرات على صحّة الحياة الديمقراطيّة في لبنان، فضلاً عن أنّها إشارة إلى حلحلة لملف الجمهوريّة العالق بين الضاحية والرابية، وبنشعي وقريطم.

ومما يبدو بعد مراقبة الساحة الإقليميّة، لا سيّما ما يحدث في سوريا من تطوّرات، كلّها تشير إلى ضبط إيقاع غربي روسي- أميركي لأزمة الشرق. فما تجلّى، حتّى هذه الساعة، يؤشّر إلى استقرار الوضع في سوريا على هذه الحال، عمليّات كرّ وفرّ بين النّظام وحلفائه، الحرس الثوري المدعّم بميليشيات الأفغان و”حزب الله” اللبناني، ومن يعارضه من جهة، وبين المعارضة ومن يمثّل الإرهاب، أعني “داعش” و”النّصرة” ومن يناصرهما، من جهة أخرى.

مع الإشارة إلى اقتراب موعد الرّئاسة الأميركيّة وبدء التّغيير في سياسة الولايات المتّحدة الخارجيّة التي أرساها أوباما خلال مدّة تولّيه سدّة الرّئاسة في البيت الأبيض لولايتين متتاليتين.

كلّ هذه المؤشرات تنبئ باقتراب الحلّ للملف اللبناني الذي لم يعد باستطاعة إيران عرقنته أو حتّى عرقلته. فـ”حزب الله” اليوم غير “حزب الله” في تمّوز 2006. فالقرار 1559 تمّ تعطيل مفاعيل تأثيره على “الحزب” بضمانات من اللبنانيّين أنفسهم. وكانت النتيجة في 7 أيّار الذي أعلن يوما مجيداً وفي تقديس المجرمين المطلوبين من العدالة الدّوليّة. فلا يعتقدنّ أحدٌ بعد اليوم أنّ المجتمع الدّولي ما زال  يثق بسياسيّ لبنان الذين ضمنوا “حزب الله” للمجتمع الدّولي. لذلك نشهد اليوم العقوبات الماليّة المتزايدة من الولايات المتّحدة الأميركّة نفسها على الحزب. وسوف لن يقبل الأميركيّون والغرب الأوروبي معهم، بأيّ ضمانات محليّة لـ”حزب الله” بعد اليوم. “فمن جرّب المجرّب كان عقله مخرّب”.

أمّا الدّولة اللبنانيّة فهي أمام تجربة الإنتخابات البلديّة، وحتّى الفرعيّة النيابيّة القادمة، قد أسقطت مقولة استحالة إجراء انتخابات نيابيّة، وباتت لا شرعيّة المجلس الحالي مثبتة أكثر بالوقائع الماديّة المحسوسة. من هنا يسقط كلّ دور لهذا المجلس بعد الإنتخابات إلا دوره في انتخاب رئيس الجمهوريّة.

أمّا “حزب الله” الذي يبحث عن مخرج للعودة من سوريا، فلم يعد باستطاعته استخدام مخرج الشرعيّة اللبنانيّة لأنّ الغرب والشرق قد أصدرا حكم إعدامه. فلو الغرب أراد لـ”حزب الله” تسهيل الإنتخابات الرّئاسيّة لما أصدر القوانين التي ضيّق عليه بواسطتها ماديًّا. ولو الشرق المتمثّل بالمجتمع العربي أراد لـ”حزب الله” أيضًا نفس الطريق، لما أطلق منذ مدّة، مجلس التعاون الخليجي صفة الإرهاب عليه، وطرد كلّ من يمتّ إليه بصلة.

أمّا إيران، فهي تحاول أن ترفع من رصيدها في التّفاوض لتفرض نفسها كلاعب إقليميًّ لا بل دوليًّ في حلّ النّزاعات. لكنّها بدورها تشهد تطويقًا من دول البحر الأسود مع السّعوديّة لم تشهد  له مثيلا.

فهل يعني ذلك أنّ الأيّام القادمة ستشهد على عودة الحزب من سوريا؟ وهل ستسحب إيران يدها من الملف السوري وتسهّل عمليّة المفاوضات أكثر؟ وهل سيرضى الأميركيّون بالضمانات المحليّة؟

كما اعتدنا دومًا، وانطلاقًا ممّا دار من أحداث في التّاريخ الماضي البعيد والقريب منه، نحن اليوم أكثر تفاؤلاً في ما يتعلّق بوضع لبنان. فالرّئاسة تخلّصت من فكيّ الشرق والغرب نتيجة تلاقي مصالحهما، “ولا بدّ لليل أن ينجلي”. والأيّام القليلة القادمة كفيلة بإثبات ذلك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل