
يمكن وصف المرحلة الثانية من الإنتخابات البلدية والإختيارية في جبل لبنان بأنها الأكثر حماوة والأكثر تعبيراً على مدى محافظات لبنان كلها. فهي اتسمت بالحيوية العالية ونسبة الإقتراع المرتفعة مقارنة مع المرحلة الأولى في بيروت والبقاع، وهي في المقابل تختزن الكثير من علامات التمايز وأسباب التنافس ما لا ينتظر أن تعرفه المرحلتان التاليتان في الجنوب وفي الشمال وعكار. ومع أن الحضور والدور المسيحيين في بيروت والبقاع ليسا بقليلين شعبياً وسياسياً، والشواهد في زحلة ودير الأحمر وراس بعلبك والقاع ما زالت ماثلة، إلا أنه يبقى لهذا الدور مغزى وأبعاداً أخرى في جبل لبنان ليست متوفرة في الجولات الأخرى. من هنا أهمية القراءة في التحضيرات والتحالفات والنتائج التي أسفرت عنها الإنتخابات في هذه المنطقة، ما يلقي الضوء على العديد من الوقائع التي تضيء على الواقع من جهة وعلى اتجاهات النشاط العام مستقبلا من جهة ثانية.
نسبة الإقتراع في جبل لبنان فاقت عموماً الـ50 في المئة، ووصلت إلى مستويات أعلى في بعض المناطق. فلماذا هذا الفرق في نسب التصويت بين جولتي الإنتخاب الأولى والثانية؟ ثمّة من يعيد ذلك إلى أن المواطنين لم يكونوا على يقين في الجولة الأولى أن الإنتخابات فعلاً حاصلة. يضاف إلى ذلك أن طبيعة التركيبة السكانية والسياسية تختلف بين بيروت والبقاع وبين جبل لبنان. يضاف الى ذلك حال الاستقطاب الشعبية بسبب كثرة المعارك البلدية في جبل لبنان، وهذا ما حصل مثلاً في زحلة وبعض بلدات البقاع.
أما عن دور حزب “القوات اللبنانية” والقواتيين في المناطق والذين أبدوا ديناميكية واحترافية في العمل الإنتخابي بحيث وصفت ماكينة “القوات” بأنها الأنشط والأدق بين الماكينات العاملة الأخرى، فيقول رئيس جهاز الإنتخابات في “القوات” جان خشان أنه بغض النظر عن النتائج المحققة فإن النتيجة الأهم التي يجب التوقف عندها والتعويل عليها هي أن “القوات” نجحت في أن تنشر نواة ثقافة وفكر إنمائيين عندما يتم العمل على مستوى السلطات المحلية. واللافت في هذا الموضوع الذي بدأ يشدد عليه الدكتور جعجع منذ فترة بعيدة قبل انطلاق الإستحقاق البلدي أن هناك من هم في غير خطنا السياسي تلقفوا أهمية هذا التوجه وسلامته وراحوا يركزون على الإنماء كأولوية. وهذا في حد ذاته إنتصار ومكسب لـ”القوات”.
ويضيف خشان: “ليس صحيحاً أن الأحزاب لا يجب أن تتدخل في المعركة البلدية. ففي النتيجة المرشحون والناخبون هم في معظمهم من المنتمين إلى الأحزاب التي بمقدورها أن تنقل خبرتها التنظيمية إلى العمل المحلي. وبالتالي فلا يمكن فصل السياسة عن الإنماء. ويعطي خشان مثالا على ذلك أن العديد من القوى المحلية انتظرت قرار الأحزاب لتبني مواقفها وخياراتها في الإستحقاق البلدي. وهذا ما يؤكد صحة ما كان نادى به الدكتور جعجع من أن المجلس البلدي ليس مجرد مجلس أعيان.
وقد ركزت “القوات” في حملتها على أن التنمية لا يجوز أن تقتصر على الحجر من دون البشر فهي إما أن تكون شاملة أو لا تكون. علما أن هدف كل تنمية هو الإنسان.
حضور “القوات” في هذا الإستحقاق البلدي انقسم على مستويين: الحضور حيث شارك الحزب مباشرة في الترشيح وتنسيق التحالفات وإدارة الحملة الإنتخابية، وحيث هناك حزبيون ترشحوا في شكل منفرد إلى المجالس البلدية في قراهم ورتبوا مشاركاتهم وتحالفاتهم بحسب المقتضى المحلي وهؤلاء كثر وغنى ل”القوات” على مساحة الخارطة البلدية في كل لبنان.
والنتيجة الأخرى التي يجب تسليط الضوء عليها وهي كانت أيضا مكسبا لـ”القوات”، أنها استطاعت أن تضع اللبنة الأولى لبناء عمل بلدي راق مع علم الحزب وقيادته أن المسألة لا تتم بين ليلة وضحاها إذ يصعب نقل الناس فجأة من طريق ممارسة مترسخة إلى طريقة عمل مختلف، لكن مجرد تفتّح البذرة الأولى يبشر بأن الحصاد الآتي سيكون وفيراً.
الملاحظة الثانية في انتخابات جبل لبنان هي التمايز الذي بدأ يشق طريقه بين “أمل” و”حزب الله” وإن كانت التحالفات المشتركة لا تعكس ذلك في الظاهر. لكن هناك من بدأ يشير إلى توسع هذا التمايز.
مقربون من حركة “أمل” خففوا من حجم أو أهمية ما يوصف بأنه تمايز بين الحركة والحزب ولكنهم في الوقت عينه لم ينكروا أن وضعا ما مختلفا بدأ ينشأ في الفترة الأخيرة. ويضيفون أن نسبة كبيرة من المنتمين إلى الحزب كانوا أصلاً في الحركة وقد انتقلوا لأسباب معظمها لم يعد قائماً، في المقابل هناك من القواعد المشتركة من يعتبر الا فرق بين الحزبين وفضل العودة إلى الحركة. هذا الأمر يزعج الحزب طبعاً الذي لا يريد في هذه المرحلة بالذات الظهور بمظهر المنكشف خصوصاً بعد الضغوط التي تمارس عليه مالياً وعلى مستويات أخرى.
هذا الواقع ربما يكون قد انعكس على المستوى البلدي مما ولد نفوراً في بعض البلدات لكنه يبقى تحت السيطرة. لكن ثمّة في الشارع الشيعي من يقول أنه لو قُيض لـ”حزب الله” عدم المشاركة في انتخابات نيابية او بلدية لفعل. فهو يعتبر ِأنه في ظل المعمعة الحاصلة في سوريا كان في غنى عن مثل هذه المعارك البلدية.
وهل يشجع نجاح الإنتخابات البلدية أو يسرّع حصول الإنتخابات النيابية؟ يجيب العارفون على ذلك بألا صلة بين الإثنتين. ومهما كانت النتائج البلدية تبقى الإنتخابات النيابية خيارًا سياسيًا يحتاج إلى قرار ربما هو غير متوفر حتى الآن.